f x ig yt
الخميس، 15 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

دخل الفرد في المغرب يقترب من 5100 دولار.. لماذا لا يشعر المواطن بالنمو؟.

رغم توسع الصناعة والاستثمارات الكبرى والبنية التحتية، تكشف المقارنة مع اقتصادات عربية وإفريقية أن التحدي المغربي لم يعد مرتبطاً بحجم النمو وحده، بل بقدرته على خلق وظائف منتجة ورفع الأجور وتحويل الاستثمار إلى تحسن ملموس في مستوى معيشة الأسر.

اقتصاد المغرب 📅 19 يوليو 2026 ⏱ 7 دقائق
ميناء طنجة المتوسط، أحد أبرز مكونات البنية اللوجستية والتصديرية للاقتصاد المغربي – صورة أرشيفية.» 10saiss / Wikimedia Commons – CC BY-SA 4.0

يقدم الاقتصاد المغربي في 2026 صورتين تبدوان للوهلة الأولى متناقضتين. فمن جهة، تواصل البلاد الاستثمار في الطرق والسكك والموانئ والمطارات، وتتوسع صناعة السيارات والطيران والأسمدة والطاقة، فيما تتوقع المؤسسات الدولية استمرار نمو الاقتصاد بوتيرة تفوق 4 في المائة. ومن جهة أخرى، يظل السؤال الذي يطرحه جزء واسع من الأسر أكثر بساطة: لماذا لا يظهر هذا التقدم بالوضوح نفسه في الدخل وفرص العمل والقدرة الشرائية؟

وتضع توقعات صندوق النقد الدولي الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للفرد في المغرب في حدود 5100 دولار تقريباً خلال 2026. غير أن هذا الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة، لأنه لا يعني أن المواطن المغربي يحصل على 5100 دولار سنوياً، ولا يمثل متوسط الأجر الذي يتقاضاه العامل أو الموظف، وإنما ينتج عن قسمة القيمة الإجمالية للاقتصاد على عدد السكان.

لهذا يمكن للناتج الفردي أن يرتفع بينما يبقى دخل شرائح واسعة محدوداً، كما يمكن للدولة أن تحقق تقدماً في الصناعة والصادرات والاستثمار من دون أن تنتقل المكاسب الاقتصادية بالسرعة نفسها إلى الأجور والسكن والتعليم والصحة.

5100 دولار لا تعني أن المغرب غادر فئة الدخل المتوسط الأدنى

هنا يظهر خلط يتكرر كثيراً عند قراءة المؤشرات الدولية. فصندوق النقد الدولي ينشر توقعات النمو والناتج والناتج الفردي ومجموعة من المؤشرات الاقتصادية، لكنه ليس المؤسسة التي تحدد تصنيف الدول إلى منخفضة الدخل أو متوسطة الدخل الأدنى أو متوسطة الدخل الأعلى.

هذا التصنيف يصدر عن البنك الدولي، ويستند إلى نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي باستخدام «منهجية أطلس»، وليس إلى الناتج المحلي الاسمي للفرد.

وبالنسبة إلى السنة المالية 2027، التي بدأت في يوليوز 2026، حدد البنك الدولي الاقتصادات متوسطة الدخل الأدنى في نطاق يتراوح بين 1176 و4635 دولاراً من الدخل القومي للفرد، فيما تبدأ فئة الدخل المتوسط الأعلى من 4636 دولاراً.

وبذلك لا يوجد تناقض بين الحديث عن ناتج محلي اسمي للفرد يناهز 5100 دولار واستمرار تصنيف المغرب ضمن الاقتصادات متوسطة الدخل الأدنى، لأننا أمام مؤشرين مختلفين وطريقتين مختلفتين للحساب.

والأهم أن كلا الرقمين لا يجيب بمفرده عن السؤال الذي يهم الأسرة المغربية: كم يصل فعلياً من الثروة المنتجة إلى دخل المواطن؟

اقتصاد يتقدم.. والتشغيل يظل العقدة

يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً حقيقياً للاقتصاد المغربي بنسبة 4.4 في المائة خلال 2026، مدعوماً بقوة الإنتاج الفلاحي والاستثمار العمومي في البنية التحتية. كما يتوقع انخفاض معدل البطالة من 13 في المائة في 2025 إلى نحو 12.3 في المائة في 2026.

لكن الصندوق نفسه يعتبر خلق فرص العمل المستدامة تحدياً ملحاً، ويربط تحسين الوضع بقطاع خاص أكثر دينامية، وسوق عمل أكثر كفاءة، وتحسين شروط المنافسة وتعزيز رأس المال البشري.

وهنا توجد إحدى المفارقات الأساسية في النموذج المغربي. فالبلاد نجحت خلال العقدين الأخيرين في بناء قاعدة صناعية وتصديرية لم تكن موجودة بالحجم نفسه سابقاً، خصوصاً في السيارات والطيران والأسمدة، كما حققت تطوراً مهماً في البنية التحتية واللوجستيك والسياحة.

غير أن توسيع الاقتصاد الحديث لا يعني تلقائياً أن آثاره تنتقل إلى جميع العاملين.

فالمصنع يمكن أن يرفع الصادرات، والميناء يمكن أن يزيد المبادلات التجارية، والمشروع السياحي يمكن أن يجذب العملة الصعبة، لكن التأثير الاجتماعي لهذه الأنشطة يعتمد في النهاية على عدد الوظائف التي تخلقها، ومستوى أجورها، وحجم المكونات والخدمات التي تشتريها من مقاولات مغربية، وقدرتها على نقل التكنولوجيا والمعرفة.

ملامح اقتصاد بسرعتين

لهذا تظهر في المغرب ملامح ما يمكن وصفه باقتصاد يسير بسرعتين.

هناك اقتصاد حديث يرتبط بصناعة السيارات والطيران والطاقة المتجددة والموانئ والمناطق الصناعية والقطاع المالي والسياحة الدولية والمشروعات الكبرى. وفي المقابل، يعمل جزء واسع من السكان في الفلاحة التقليدية والتجارة الصغيرة والحرف والخدمات منخفضة الإنتاجية والعمل الموسمي والقطاع غير المهيكل.

المشكلة ليست في نمو الاقتصاد الحديث؛ فهذا النمو ضروري. التحدي يكمن في ضعف الروابط بينه وبين بقية الاقتصاد.

فنجاح صناعة السيارات، على سبيل المثال، لا يقاس فقط بعدد المركبات المصدرة، وإنما كذلك بنسبة القيمة المضافة التي تبقى داخل المغرب، وعدد الموردين المحليين، ومستوى الأجور، وحجم البحث والتطوير، وعدد المهندسين والتقنيين الذين تنتجهم المنظومة التعليمية وقدرة المقاولات المغربية على الصعود داخل سلسلة الإنتاج.

وكلما ارتفعت القيمة التي ينتجها العامل في ساعة العمل، أصبح من الممكن اقتصادياً رفع الأجور والدخل. أما الاقتصادات التي تتركز فيها نسبة كبيرة من اليد العاملة في أنشطة ضعيفة الإنتاجية، فيظل انتقالها إلى مستويات دخل أعلى بطيئاً مهما كانت جودة بنيتها التحتية.

المدرسة والمقاولة في قلب المعادلة

لهذا لا يمكن فصل قضية الدخل عن المدرسة.

فالاقتصادات التي نجحت في رفع دخل الفرد لم تعتمد على الطرق والمصانع وحدها، وإنما على تراكم طويل في المعرفة والمهارات والإنتاجية. القراءة والحساب والعلوم واللغات والتكوين التقني والقدرات الرقمية ليست ملفات اجتماعية منفصلة عن الاقتصاد؛ إنها جزء من بنيته الإنتاجية.

ويواجه المغرب هنا مفارقة أخرى: بطالة بين خريجي التعليم من جهة، وحاجة قطاعات صناعية وتقنية إلى مهارات متخصصة من جهة أخرى. وهذا يعني أن المشكلة لا تتعلق بعدد الشهادات وحده، وإنما بمدى تطابق المهارات مع الاقتصاد الذي تريد البلاد بناءه.

وينطبق الأمر نفسه على المقاولات. فبين عدد كبير من الوحدات الصغيرة جداً ومجموعات اقتصادية كبيرة، يحتاج الاقتصاد إلى توسيع قاعدة المقاولات المتوسطة القادرة على الاستثمار والابتكار والتصدير والتشغيل.

ويتطلب ذلك تمويلاً أكثر ملاءمة، وآجال أداء معقولة، ومنافسة مفتوحة، وقضاء تجارياً فعالاً، وربط الدعم العمومي بنتائج قابلة للقياس مثل التشغيل والتكوين ونقل التكنولوجيا والقيمة المحلية المضافة.

العالم القروي والاقتصاد غير المهيكل

لا يمكن كذلك رفع متوسط دخل المغاربة بصورة مستدامة إذا ظلت مناطق واسعة من العالم القروي شديدة الحساسية للجفاف وتقلبات الموسم الفلاحي.

فالسنوات الجافة لا تؤثر في المحاصيل فقط؛ بل تقلص فرص العمل والدخل في القرى، وتدفع مزيداً من السكان نحو المدن، وتضغط على أسعار الغذاء والمالية العمومية.

لذلك يحتاج رفع الإنتاجية القروية إلى ما يتجاوز الدعم الموسمي، من خلال إدارة أفضل للمياه، والتصنيع الغذائي قرب مناطق الإنتاج، وتحسين التخزين والتسويق، وتوسيع الأنشطة غير الزراعية في القرى والمدن الصغيرة.

أما القطاع غير المهيكل، فلا ينبغي اختزاله في مشكلة ضريبية. فهو يوفر دخلاً لملايين الأشخاص الذين لم يجدوا مكاناً مستقراً داخل الاقتصاد المنظم. وإدماجهم يتطلب أن يحصل العامل أو المقاول الصغير في المقابل على حماية اجتماعية وتمويل وتكوين وإجراءات بسيطة وفرصة حقيقية للنمو.

من اقتصاد التجهيز إلى اقتصاد الإنتاج

أنجز المغرب خلال السنوات الماضية جزءاً مهماً من البنية الأساسية اللازمة للاقتصاد الحديث. والمطلوب في المرحلة التالية هو رفع العائد الاقتصادي والاجتماعي لهذه التجهيزات.

فالسؤال بعد إنشاء طريق أو ميناء أو منطقة صناعية لا ينبغي أن يتوقف عند تكلفة المشروع أو حجمه، بل يجب أن يمتد إلى عدد الوظائف المستدامة التي أحدثها، والقيمة المحلية التي أنتجها، وعدد المقاولات المغربية التي استفادت منه، وقدرته على رفع إنتاجية المنطقة التي يوجد فيها.

وهذا لا يعني التوقف عن المشاريع الكبرى. بل يعني تحقيق توازن بين الاستثمار في التجهيز والاستثمار في الإنسان والمقاولة والإنتاج.

وصندوق النقد نفسه يرى أن توسيع الاستثمار العمومي يمكن أن يدعم النمو والتشغيل، لكنه يربط نجاحه بإدارة المخاطر وتعزيز رأس المال البشري، خصوصاً التعليم والصحة، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص.

النمو الحقيقي هو ما يصل إلى الأسرة

يبقى الناتج الفردي في النهاية متوسطاً حسابياً. ولا يستطيع وحده قياس الفوارق بين المدن والقرى، وبين العامل المنظم والعامل اليومي، وبين أسرة تستطيع الوصول إلى تعليم وعلاج جيدين وأخرى تستهلك جزءاً كبيراً من دخلها في الضروريات.

وقد يرتفع الناتج الفردي بينما يشعر المواطن بأن وضعه الاقتصادي لم يتحسن، خصوصاً إذا ارتفعت تكاليف السكن والغذاء والنقل والعلاج بوتيرة أسرع من دخله.

لهذا سيكون من المفيد أن يصبح النقاش الاقتصادي في المغرب أقل اعتماداً على معدل النمو وحده، وأكثر ارتباطاً بمؤشرات قريبة من الحياة اليومية: الأجر الحقيقي، ودخل الأسرة، وبطالة الشباب، وإنتاجية العامل، وجودة التعليم والصحة، ونسبة الإنفاق على السكن والغذاء، والفوارق بين الجهات، وعدد الوظائف المستدامة التي يحدثها الاقتصاد كل سنة.

المغرب لا يبدأ من الصفر. فقد راكم بنية تحتية وقاعدة صناعية وقدرة تصديرية وخبرات وموقعاً لوجستياً يمنحانه أدوات مهمة للانتقال إلى مستوى اقتصادي أعلى. كما يتوقع صندوق النقد استمرار نمو الاقتصاد خلال السنوات المقبلة، لكنه يضع خلق فرص العمل وتعزيز رأس المال البشري ودينامية القطاع الخاص ضمن التحديات الرئيسية.

لذلك فإن القضية ليست الوصول إلى رقم أعلى في جدول دولي بقدر ما هي تحويل النمو إلى إنتاجية وأجور وفرص عمل وخدمات أفضل.

فالسؤال الذي يكشف حقيقة التحول الاقتصادي ليس فقط: كم أصبح الناتج المحلي للفرد في المغرب؟ بل كم من القيمة التي ينتجها الاقتصاد تصل إلى العامل والفلاح والمقاول الصغير والأسرة، وكم منها يتحول إلى تعليم أفضل وعلاج متاح وسكن لائق وفرصة عمل مستقرة؟

عندما يتحسن الجواب عن هذه المؤشرات بصورة مستدامة، لن يكون ارتفاع دخل المغرب مجرد انتقال إحصائي من فئة إلى أخرى، بل تحولاً اقتصادياً يشعر به المواطن في حياته اليومية.

 

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً