دخلت مشاورات تشكيل الحكومة المغربية مرحلة تتقاطع فيها الحسابات السياسية مع الالتزامات الدستورية والمالية للدولة. فبينما تواصل فاطمة الزهراء المنصوري ترتيبات تشكيل فريقها الوزاري، يقترب موعد إيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام البرلمان. ويضع هذا التزامن الأغلبية الجديدة أمام اختبار مبكر لقدرتها على الانتقال من التفاوض حول المسؤوليات إلى تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
ويكتسب هذا الاستحقاق أهمية خاصة بعد استقبال الملك محمد السادس لرئيسة الحكومة المكلفة، الأربعاء 14 أكتوبر، بالقصر الملكي بالرباط. ووفق بلاغ الديوان الملكي، أطلعت المنصوري الملك على المراحل التي قطعتها مشاورات تشكيل الحكومة. غير أن البلاغ لم يتضمن إعلاناً عن أسماء الوزراء أو تحديد موعد تعيينهم.
وفي انتظار استكمال هذه المسطرة، يبرز مشروع قانون المالية بوصفه أول اختبار مؤسساتي للأغلبية المرتقبة. فالوثيقة المالية لا تحدد فقط موارد الدولة ونفقاتها، بل تكشف أيضاً طبيعة الأولويات التي ستوجه السياسات العمومية خلال السنة المقبلة.
موعد 20 أكتوبر يضع المشاورات تحت ضغط الآجال
ينص القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية على إيداع مشروع قانون المالية بمكتب مجلس النواب، في أجل أقصاه 20 أكتوبر من السنة الجارية. ويعني ذلك أن إعداد ميزانية 2027 يخضع لجدول قانوني محدد، لا يتوقف تلقائياً بسبب المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة.
ومع اقتراب هذا الموعد، تتزايد أهمية التنسيق بين المؤسسات المكلفة بإعداد المشروع وإحالته على البرلمان. فالمسطرة المالية تتضمن مراحل متتابعة، تشمل تحديد التوجهات العامة للميزانية والتداول بشأن المشروع، قبل عرضه على المؤسسة التشريعية.
ولا يعني استمرار المشاورات السياسية بالضرورة تعثر إعداد الميزانية. فالإدارات المالية تواصل أعمالها وفق المساطر المعمول بها، بينما تظل المسؤولية السياسية عن تقديم المشروع مرتبطة بالوضع الدستوري للحكومة القائمة عند الإيداع.
ومن ثم، فإن التحدي لا يقتصر على احترام الأجل القانوني، بل يشمل ضمان انتقال منظم للمسؤولية الحكومية. ويكتسب ذلك أهمية إضافية عندما تتغير الأغلبية السياسية في فترة تتزامن مع إعداد أهم وثيقة مالية سنوية للدولة.
ميزانية أُعدت قبل الانتخابات وأغلبية تحمل برنامجاً جديداً
بدأ التحضير لمشروع قانون المالية لسنة 2027 قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة، في إطار الدورة السنوية المعتادة لإعداد الميزانية. ولذلك، فإن جزءاً مهماً من التقديرات المالية والتوجهات الأولية للمشروع يرتبط بعمل المؤسسات الحكومية خلال المرحلة السابقة.
ويطرح هذا الوضع تحدياً أمام الأغلبية الجديدة، التي تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. فهذه الأحزاب مطالبة بالتوفيق بين برامجها الانتخابية والالتزامات المالية القائمة، مع تحديد أولويات مشتركة يمكن تنفيذها خلال الولاية الحكومية.
ولا يعني اختلاف السياق السياسي ضرورة إعادة إعداد الميزانية من بدايتها. فاستمرارية الدولة تفرض الحفاظ على الالتزامات القانونية والمالية، بينما تتيح المساطر المعمول بها إمكان إدخال تعديلات على بعض الاختيارات، وفق الشروط الدستورية والتنظيمية.
غير أن أي مراجعة جوهرية تحتاج إلى تقدير آثارها على التوازنات المالية. فزيادة الاعتمادات المخصصة لقطاع معين قد تستوجب إعادة ترتيب النفقات، أو تعبئة موارد إضافية، أو تعديل الجدول الزمني لتنفيذ بعض البرامج.
القدرة الشرائية والتشغيل في صدارة الاختبار الحكومي
تواجه الحكومة المرتقبة انتظارات اجتماعية واقتصادية تتجاوز مسألة توزيع الحقائب الوزارية. فالقدرة الشرائية والتشغيل وجودة الخدمات العمومية تظل من الملفات التي تشغل المواطنين، خصوصاً في ظل استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية.
ومن هذه الزاوية، سيكون مشروع قانون المالية أول مناسبة لقياس مدى قدرة الأغلبية الجديدة على تحويل تعهداتها إلى اختيارات قابلة للتنفيذ. فالإعلان عن تحسين الخدمات الصحية أو دعم التعليم أو تشجيع التشغيل يحتاج إلى موارد واضحة، وآليات للتنفيذ، ومؤشرات تسمح بتقييم النتائج.
كما أن معالجة الفوارق بين الجهات تتطلب النظر في طريقة توزيع الاستثمار العمومي. فبعض المناطق تحتاج إلى تجهيزات أساسية وخدمات اجتماعية قبل المشاريع الكبرى، بينما تواجه مدن أخرى ضغوطاً مرتبطة بالنمو العمراني والنقل والسكن.
ولا يمكن فصل هذه الاختيارات عن وضعية المالية العمومية. إذ يتعين على الحكومة الموازنة بين تمويل البرامج الاجتماعية والمحافظة على استدامة الموارد، مع مراعاة الالتزامات المتعلقة بالدين العمومي والنفقات الإجبارية.
البرلمان الجديد أمام مسؤولية مناقشة أول ميزانية
يتزامن اقتراب موعد إيداع مشروع المالية مع استكمال تنظيم مجلس النواب، بعد انتخاب أحمد التويزي رئيساً للغرفة الأولى. ويضع هذا التطور البرلمان أمام استحقاق تشريعي أساسي، ستكون له انعكاسات مباشرة على عمل الحكومة الجديدة.
فمناقشة الميزانية لا تقتصر على المصادقة على مجموع المداخيل والنفقات. بل تشمل دراسة الفرضيات الاقتصادية، وتقييم توزيع الاعتمادات، وفحص التدابير الضريبية، ومساءلة الحكومة بشأن أهداف البرامج العمومية.
وتكتسب اللجان البرلمانية دوراً محورياً في هذه العملية، لأنها تتيح مناقشة تفاصيل الميزانيات القطاعية. كما توفر للنواب فرصة الاستماع إلى التوضيحات الحكومية وتقديم التعديلات ضمن الحدود التي يحددها الدستور والقانون التنظيمي للمالية.
وفي المقابل، ستواجه المعارضة اختباراً يتعلق بقدرتها على تقديم قراءة بديلة للمشروع. فانتقاد الاختيارات المالية يكتسب قيمة أكبر عندما يستند إلى معطيات دقيقة، ويقترح حلولاً قابلة للتطبيق، بدلاً من الاكتفاء بالمواقف السياسية العامة.
هل تستطيع الأغلبية الجديدة التوفيق بين برامج أحزابها؟
لا يمثل الاتفاق على تشكيل أغلبية برلمانية ضمانة تلقائية للانسجام الحكومي. فالأحزاب المشاركة قد تتفق على الأهداف الكبرى، لكنها تختلف بشأن ترتيب الأولويات أو الوسائل المناسبة لتحقيقها.
وتظهر هذه الاختلافات بصورة أوضح عند مناقشة الخيارات المالية. فرفع الإنفاق الاجتماعي، وتحفيز الاستثمار، وتخفيف الأعباء الضريبية، وضبط عجز الميزانية أهداف قد يصعب تحقيقها جميعاً بالوتيرة نفسها.
ولهذا، ستكون رئيسة الحكومة مطالبة بتنسيق الاختيارات بين مكونات التحالف، وتحديد المسؤوليات داخل الفريق الوزاري. كما أن نجاح البرنامج المشترك سيتوقف على وضوح القرارات وقدرة الوزراء على تنفيذها، وليس فقط على استمرار التوافق السياسي بين قيادات الأحزاب.
ويبرز هنا سؤال الحكامة الحكومية، خصوصاً عندما تتداخل اختصاصات عدة قطاعات في تنفيذ برنامج واحد. فنجاح سياسات التشغيل أو الحماية الاجتماعية، مثلاً، يحتاج إلى تنسيق مالي وإداري يتجاوز حدود الوزارة الواحدة.
استمرارية الدولة وحق الأغلبية في تنفيذ برنامجها
يطرح الانتقال الحكومي الحالي مسألة التوازن بين استمرارية المؤسسات وتجديد الاختيارات السياسية. فالدولة مطالبة باحترام التزاماتها القانونية والمالية، بينما تتمتع الأغلبية المنبثقة عن الانتخابات بمسؤولية سياسية عن البرنامج الذي ستعرضه على البرلمان.
ولا يوجد تعارض ضروري بين المبدأين، ما دامت المساطر الدستورية تتيح تنظيم الانتقال ومراجعة السياسات وفق القواعد القانونية. غير أن نجاح هذه العملية يتطلب وضوحاً في المسؤوليات، وتنسيقاً بين المؤسسات، وتواصلاً يشرح للمواطنين طبيعة القرارات المتخذة.
كما أن التعامل مع مشروع مالية 2027 سيكون مؤشراً على قدرة الحكومة المقبلة على تجاوز منطق التفاوض الحزبي. فبعد الاتفاق على الأغلبية وتوزيع المسؤوليات، ستصبح الأولوية لتحديد البرامج والموارد والنتائج المنتظرة.
وفي انتظار الإعلان الرسمي عن التشكيلة الوزارية، يبقى احترام موعد إيداع مشروع قانون المالية أول اختبار زمني ومؤسساتي لهذه المرحلة. أما الاختبار السياسي الأعمق، فسيتمثل في قدرة الأغلبية الجديدة على تقديم ميزانية تستجيب للانتظارات الاجتماعية، وتحافظ في الوقت نفسه على التوازنات المالية للدولة.
