وقف ألبرتو نونييث فيخو في سبتة، وخلفه أعلام إسبانيا، وقال إن المدينة صارت عنوانا لتراجع بلاده. كان ذلك يوم الأربعاء. وبعد يومين فقط، وقف ملك المغرب أمام البرلمان، وقال جملة واحدة تكفي للرد: الشراكة مع إسبانيا “اختيار سيادي”، لا يخضع للضغط ولا للتهديد ولا لأي شكل من أشكال الابتزاز.
لم يذكر الملك فيخو بالاسم. ولم يكن في حاجة إلى ذلك.
حين يصبح الجار مادة انتخابية
نحن لا نلوم أي سياسي إسباني على الدفاع عن مواطنيه. هذا شأنه وحقه. لكننا نرفض أن يتحول المغرب إلى خصم مريح في كل موسم انتخابي.
فالمغرب لا يصوت في إسبانيا. ولا يصعد إلى منصات التجمعات. ولذلك يسهل تحميله كل شيء: الهجرة، والحدود، وحتى إخفاقات الحكومات المتعاقبة في مدريد.
وحين يقول زعيم الحزب الشعبي إنه غير ملزم بدعم بلاده لمخطط الحكم الذاتي، ثم يعد في الوقت نفسه بأن تكون أول زيارة خارجية له إلى الرباط، فإنه يكشف المعادلة كلها. الرجل يعرف أن المغرب شريك لا غنى عنه. لكنه يفضل أن يهمس بذلك، وأن يرفع صوته حين يتعلق الأمر بسبتة.
الصحراء ليست ملفا يُعاد فتحه كل أربع سنوات
لنكن واضحين. قضية الصحراء المغربية ليست موقفا حكوميا قابلا للتبديل مع كل انتخابات. إنها قضية شعب بأكمله، دفع ثمنها خمسين سنة.
والعالم يتحرك في اتجاه واحد. ففي أكتوبر من السنة الماضية، جعل مجلس الأمن مخطط الحكم الذاتي أساسا للمفاوضات. وقبل أسابيع، قال نائب وزير الخارجية الأمريكي إن الوضع القائم لم يعد ممكنا. وعواصم إفريقية وعربية وأوروبية تقول الشيء نفسه.
فمن يريد أن يعود بالملف إلى الوراء، لن يعطل المغرب. سيعزل نفسه فقط.
سبتة وذاكرة لا تُمحى
ونقولها بهدوء: موقف المغرب من سبتة ومليلية ثابت في ذاكرة المغاربة، ولم يتغير. لقد اختار المغرب الحكمة وحسن الجوار، وجمّد هذا الملف احتراما للشراكة. لكن التجميد ليس نسيانا.
ولذلك، حين يطالب حزب فوكس الرباط بالاعتراف بسيادة إسبانيا على المدينتين، أو قطع العلاقات، فهو لا يهدد المغرب. إنه يدفع نحو مواجهة لا يريدها عاقل على الضفتين.
المهاجرون ليسوا سلاحا ولا تهمة
في ليلتي 30 و31 يوليوز، عبر أكثر من سبعين ألف شخص نحو سبتة. ومات أكثر من مائة منهم، أغلبهم في البحر.
هؤلاء ليسوا جيشا أرسله أحد. وليسوا ورقة ضغط. إنهم شباب من مدننا وقرانا، غامروا بحياتهم لأنهم لم يجدوا أفقا. وكرامتهم، أحياء وأمواتا، قضية وطنية لا تقل عن أي قضية أخرى.
ومن يتهم المغرب بابتزاز إسبانيا بأبنائه، يهين هؤلاء الشباب قبل أن يهين الدولة.
والحساب يبدأ من الداخل أيضا
لكن الصدق مع القارئ يفرض علينا أن نقول الوجه الآخر. فالدفاع عن القضايا الوطنية لا يكتمل بالرد على الخارج وحده.
كل شاب يركب البحر نحو سبتة سؤال موجه إلينا قبل غيرنا. والملك نفسه قال أمس إن التأخير في ورش الجهوية “غير مقبول”. وهذه ليست جملة بروتوكولية. إنها مطالبة صريحة بأن تصل التنمية إلى حيث يولد اليأس.
أقوى رد على فيخو وفوكس ليس بيانا غاضبا. إنه مغرب لا يغادره شبابه.
ما ننتظره
نحن لا نعرف من سيفوز في انتخابات نونبر الإسبانية، ولا يهمنا ذلك بقدر ما يهمنا ما بعدها. والمطلوب من الرباط اليوم ليس الرهان على حكومة دون أخرى، بل تحويل التفاهمات السياسية إلى اتفاقيات تصمد أمام تبدل الحكومات. وهذا ما تفتحه الوثيقة الاستراتيجية التي أعلن الملك أن المغرب سيقدمها لشركائه.
بين البلدين أربعة عشر كيلومترا من الماء، وقرون من التاريخ، ومونديال مشترك سنة 2030. هذا أكبر من أي حملة.
نمد يدنا لإسبانيا، اليوم وغدا. لكن اليد الممدودة ليست يدا مكسورة. ومن يريد شراكة مع المغرب، فليتعامل معه كما هو: دولة ذات سيادة، تعرف قضاياها، ولا تساوم عليها.
