f x ig yt
الخميس، 15 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

نزاهة الانتخابات في المغرب.. الطعون القضائية وحماية أصوات الناخبين

بعد اقتراع 23 شتنبر، تنتقل معركة المقاعد البرلمانية إلى المحكمة الدستورية، وسط طعون في النتائج وتقارير ترصد شبهات استعمال المال وتوجيه الناخبين. وبين المحاضر والأدلة والأحكام، يتجدد السؤال عن قدرة القضاء على حماية الإرادة الانتخابية.

ملفات ساخنة 📅 12 أكتوبر 2026 ⏱ 9 دقائق
مقر المحكمة الدستورية بالعاصمة الرباط.تصوير: Photo2023 / Wikimedia Commons، CC BY 4.0.

لم تنته الانتخابات التشريعية المغربية بإغلاق مكاتب التصويت مساء 23 شتنبر 2026، ولا بإعلان النتائج التي حددت موازين القوى داخل مجلس النواب. فبعد انتهاء المنافسة الانتخابية، انتقل جانب من الصراع السياسي إلى المؤسسات القضائية، حيث أصبحت صحة بعض المقاعد البرلمانية موضوع طعون تستند إلى ادعاءات بوجود اختلالات في الفرز أو احتساب الأصوات أو احترام القواعد المنظمة للعملية الانتخابية. وفي الوقت نفسه، أعادت تقارير الملاحظة المستقلة إثارة أسئلة قديمة بشأن استعمال المال والنفوذ الإداري وتوجيه الناخبين، وهي ممارسات لا يقتصر أثرها المحتمل على تغيير نتيجة دائرة انتخابية، بل يمتد إلى الثقة في قدرة الاقتراع على التعبير عن إرادة المواطنين.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لأن القضاء الانتخابي لا ينظر في خلاف عادي بين مرشحين، وإنما يفصل في منازعات قد يترتب عليها تأكيد شرعية تمثيل برلماني أو إلغاء انتخاب عضو من أعضاء المؤسسة التشريعية. ولذلك، فإن ضمان نزاهة الانتخابات لا يتحقق فقط بحسن تنظيم التصويت، بل يتطلب أيضاً إمكانية مراجعة النتائج، والتحقق من المخالفات، وترتيب آثار قانونية واضحة عندما يثبت أن خرقاً مؤثراً مسّ سلامة العملية الانتخابية.

غير أن الطعن في نتيجة انتخابية لا يعني ثبوت التزوير، كما أن تسجيل مخالفة أو شبهة خلال الحملة لا يؤدي تلقائياً إلى إلغاء الانتخاب. فبين الادعاء والحكم توجد مسطرة قضائية تقوم على الأدلة والآجال القانونية ومدى تأثير الوقائع المثبتة في صدقية الاقتراع.

طعون الرباط.. عندما يصبح فارق الأصوات قضية قضائية

برزت العاصمة الرباط خلال الأيام الأخيرة ضمن الدوائر التي أثارت نتائجها نزاعات انتخابية. فقد أفادت تغطية صحفية منشورة يوم 12 أكتوبر بأن مرشحاً عن حزب الاستقلال طعن في انتخاب منافسه عن الحركة الشعبية بالمقعد الرابع في دائرة الرباط المحيط، وسط حديث عن فارق لا يتجاوز سبعة عشر صوتاً، ومطالب بمراجعة محاضر الفرز والتحقق من صحة احتساب الأصوات.

كما تحدثت التغطية نفسها عن طعن آخر في دائرة الرباط شالة، يتعلق بنتيجة انتخاب نائب عن التجمع الوطني للأحرار، وهو ما يضع عدداً من المقاعد في دائرة المراجعة القضائية، دون أن يعني ذلك أن المحكمة الدستورية حسمت في صحة الادعاءات أو قررت تغيير النتائج.

ويكشف ضيق الفارق المعلن في إحدى هذه الدوائر عن أهمية الإجراءات التقنية التي قد تبدو ثانوية خلال متابعة ليلة الانتخابات. فمحضر مكتب التصويت، وعدد الأوراق الصحيحة والملغاة، وطريقة تجميع النتائج، كلها عناصر يمكن أن تصبح حاسمة عندما يكون الفرق بين المرشحين محدوداً.

لكن ضيق الفارق وحده لا يشكل دليلاً على وقوع مخالفة. وتظل مهمة الجهة القضائية المختصة فحص الحجج المعروضة عليها وتحديد ما إذا كانت الوقائع المثبتة تستوجب ترتيب أثر على النتيجة، وفق القانون والاجتهاد القضائي.

المحكمة الدستورية.. رقابة تتجاوز إعلان النتائج

يسند الفصل 132 من الدستور المغربي إلى المحكمة الدستورية اختصاص البت في صحة انتخاب أعضاء البرلمان، وهو اختصاص يجعلها إحدى الضمانات الأساسية لحماية سلامة التمثيل النيابي.

ويحدد القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية أجل تقديم الطعون في انتخاب أعضاء البرلمان في ثلاثين يوماً تلي تاريخ الإعلان عن نتيجة الاقتراع. كما ينص الدستور على البت في هذه الطعون داخل أجل سنة من انقضاء أجل تقديمها، مع إمكان تجاوز هذه المدة بقرار معلل في الحالات التي يبررها عدد الطعون أو طبيعة الملف.

وتعني هذه المقتضيات أن إعلان النتائج لا يغلق الباب أمام المراجعة القضائية، لكنه لا يجعل المقاعد المطعون فيها ملغاة بمجرد إيداع الشكايات. فالأصل أن النتائج تظل قائمة إلى أن يصدر قرار قضائي يترتب عليه خلاف ذلك.

وكانت صحيفة هسبريس قد نقلت، في السادس من أكتوبر، أن المحكمة الدستورية توصلت حتى ذلك التاريخ بستة ملفات طعن في نتائج الانتخابات التشريعية، مع توقع احتمال ارتفاع العدد خلال المدة القانونية. ولا يمثل هذا الرقم حصيلة نهائية للطعون، لأنه يتعلق بمرحلة مبكرة من استقبال الملفات.

وتبرز أهمية هذه المسطرة في أنها تنقل الخلاف حول صحة النتائج من التصريحات الحزبية إلى فضاء يفترض أن تحسم فيه الوقائع وفق قواعد الإثبات والقانون، بما يوفر ضمانة للمرشح الذي يعتقد أنه تضرر، ويحمي في الوقت نفسه المنتخب الذي لا تثبت بحقه المخالفات المدعاة.

تقرير الملاحظين.. المال والنفوذ في قلب المخاوف

في اليوم التالي للاقتراع، كشف النسيج الجمعوي لرصد الانتخابات، الذي يضم ثماني وسبعين جمعية، عن نتائج أولية لملاحظة الحملة وعملية التصويت. وقد رصد التقرير تسعاً وخمسين حالة اشتباه في استعمال المال أو الرشوة للتأثير في اختيارات الناخبين، وثلاثاً وخمسين حالة تتعلق باستعمال ممتلكات عمومية لفائدة مرشحين أو أحزاب.

كما أشار إلى حالات لتوجيه الناخبين لصالح مرشحين أو لوائح في نحو ستة في المائة من مكاتب التصويت التي شملتها الملاحظة، والبالغ عددها 4645 مكتباً، أي ما يعادل نحو 279 مكتباً.

وتكتسب هذه المعطيات أهميتها من كونها صادرة عن عملية ملاحظة منظمة، لكنها تظل مؤشرات أولية وشبهات تستدعي التحقق، ولا يجوز تقديمها باعتبارها جرائم ثبتت قضائياً أو دليلاً على فساد العملية الانتخابية بأكملها.

كما ينبغي الانتباه إلى أن النسبة المسجلة داخل عينة المكاتب التي شملتها الملاحظة لا تعني بالضرورة أنها تنطبق على جميع مكاتب التصويت في المغرب، ما لم تسمح منهجية الدراسة بإجراء هذا التعميم.

غير أن تكرار الملاحظات المتعلقة باستعمال الموارد المالية والنفوذ يطرح مشكلة تتجاوز الأرقام، لأن المنافسة الانتخابية تفقد جزءاً من تكافؤ الفرص عندما تصبح القدرة على التأثير المادي أو الاستفادة من شبكات السلطة المحلية عاملاً حاسماً في الوصول إلى الناخبين.

من شراء الأصوات إلى توجيه الناخبين

تختلف صور التأثير غير المشروع في الانتخابات، ولا يمكن جمعها جميعاً تحت وصف قانوني واحد. فشراء الأصوات يقوم على تقديم أو الوعد بمنافع مقابل التأثير في الاختيار الانتخابي، بينما قد يتعلق توجيه الناخبين بممارسات ضغط أو تدخل أو استغلال للنفوذ، وتختلف المسؤولية القانونية بحسب الوقائع المثبتة والنصوص المنطبقة.

وتزداد حساسية هذه الممارسات في المناطق التي تعاني هشاشة اقتصادية أو ضعفاً في الولوج إلى المعلومات والخدمات، لأن الحاجة الاجتماعية قد تجعل بعض المواطنين أكثر عرضة لمحاولات التأثير غير المشروع.

لكن ربط هذه الظواهر بالعالم القروي وحده سيكون تبسيطاً غير دقيق، فالمنافسة الانتخابية في المدن تعرف بدورها أشكالاً مختلفة من التعبئة غير المشروعة المحتملة، سواء عبر شبكات المصالح أو استغلال الموارد أو حملات التأثير الرقمي.

ولا تكمن المشكلة في تعبئة الناخبين أو إقناعهم بالتصويت، فذلك جزء مشروع من التنافس الديمقراطي، وإنما في الوسائل المستخدمة ومدى احترامها حرية الاختيار والمساواة بين المتنافسين.

ومن ثم، فإن مواجهة الفساد الانتخابي تتطلب التمييز بين العمل الحزبي المشروع وبين الأفعال التي تتضمن رشوة أو تهديداً أو استغلالاً غير قانوني للموارد العامة، مع عدم نسبة المسؤولية إلى أي مرشح أو حزب دون أدلة محددة.

القضاء الجنائي والقضاء الدستوري.. مساران مختلفان

من الضروري الفصل بين المساءلة الجنائية عن الجرائم الانتخابية والطعن في صحة انتخاب عضو بالبرلمان، لأن المسارين لا يتطابقان من حيث الاختصاص والغاية والآثار.

فالقضاء الجنائي ينظر في الأفعال التي يجرمها القانون، ويحدد المسؤولية الشخصية للأفراد عند ثبوت الأركان القانونية للجريمة. أما المحكمة الدستورية فتفحص صحة الانتخاب ومدى تأثير المخالفات المثبتة في سلامة العملية الانتخابية والنتيجة المعلنة.

وقد تثير واقعة واحدة أسئلة في المسارين معاً، لكن ثبوت مخالفة جنائية لا يؤدي بصورة آلية، في جميع الأحوال، إلى إلغاء نتيجة انتخابية، كما أن إلغاء انتخاب لا يعني بالضرورة صدور إدانة جنائية بحق المرشح المعني.

ويفسر هذا التمييز سبب أهمية الأدلة في كل ملف، سواء تعلق الأمر بمحاضر مكاتب التصويت أو الشهادات أو الوثائق أو الوقائع المرتبطة بالحملة الانتخابية.

كما أنه يوضح أن حماية صوت الناخب لا تقتصر على معاقبة من يثبت ارتكابه مخالفة، بل تشمل تصحيح الآثار الانتخابية عندما تسمح الوقائع والقانون بذلك.

محاضر الفرز.. الوثيقة التي قد تحسم النزاع

تشكل محاضر مكاتب التصويت إحدى أهم أدوات الرقابة على صحة النتائج، لأنها تتضمن المعطيات المتعلقة بعدد الأصوات والعمليات التي تمت داخل المكتب، وتتيح المقارنة بين ما جرى تسجيله محلياً وما أعلن في النتائج المجمعة.

وتبرز قيمة هذه الوثائق عندما يدعي أحد الأطراف وجود خطأ في احتساب الأصوات أو اختلاف بين الأرقام أو خلل في إجراءات الفرز. ففي هذه الحالات، لا يكفي إعلان الشكوك في وسائل الإعلام، وإنما يصبح تقديم الوثائق والحجج اللازمة أساساً لمناقشة النزاع أمام الجهة المختصة.

كما أن حضور ممثلي المرشحين والملاحظين، وفق الشروط القانونية، يمثل ضمانة إضافية، لأنه يسمح برصد الوقائع في وقت حدوثها بدلاً من محاولة إعادة بنائها بعد انتهاء الاقتراع.

لكن فعالية هذه الضمانات تتطلب وضوح إجراءات تسليم المحاضر والاطلاع عليها، وحفظ الوثائق الانتخابية بصورة سليمة، وتمكين الأطراف من ممارسة حقوقها خلال الآجال القانونية.

وكلما كانت المعلومات المتعلقة بالفرز والتجميع أكثر قابلية للتحقق، تقلصت المساحة المتاحة للشائعات والاتهامات غير المسندة، وأصبحت النزاعات قابلة للحسم على أساس وقائع قابلة للفحص.

الملاحظة المستقلة.. رقابة مدنية لا تحل محل القضاء

شهدت انتخابات شتنبر 2026 تعبئة أكثر من ثلاثة آلاف ملاحظ وملاحظة من جمعيات مغربية ومؤسسات وطنية وهيئات دولية، وفق المعطيات التي نشرها المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

وتعكس هذه المشاركة أهمية الرقابة المدنية في متابعة مختلف مراحل العملية الانتخابية، من الحملة إلى التصويت والفرز، لكنها لا تمنح الملاحظين سلطة إصدار أحكام قضائية أو إلغاء النتائج.

فدور الملاحظة يتمثل في جمع المعطيات وتوثيق الاختلالات المحتملة وإصدار تقييمات تستند إلى منهجية معلنة، بينما تبقى مسؤولية التحقيق في الجرائم والفصل في الطعون من اختصاص المؤسسات القضائية المعنية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى علاقة مؤسساتية واضحة بين تقارير الملاحظة وآليات المساءلة، بحيث لا تبقى الملاحظات مجرد وثائق إعلامية، ولا تتحول في المقابل إلى أحكام مسبقة بشأن المسؤولية القانونية للأشخاص.

هل تكفي الأحكام القضائية لاستعادة الثقة؟

يمثل القضاء ضمانة أساسية لنزاهة الانتخابات، لكنه لا يستطيع وحده معالجة جميع الاختلالات التي تؤثر في جودة المنافسة السياسية.

فالمشكلة تبدأ أحياناً قبل يوم الاقتراع، عند اختيار المرشحين داخل الأحزاب، وتحديد مصادر تمويل الحملات، وتوزيع الموارد التنظيمية والإعلامية، وتكافؤ فرص الوصول إلى الناخبين.

وقد أثار النقاش بشأن منح التزكيات الانتخابية خلال سنة 2026 مسألة الديمقراطية الداخلية للأحزاب واستمرار الاعتماد على الشخصيات ذات النفوذ الانتخابي، وهي قضايا لا تعالجها الطعون القضائية وحدها، رغم تأثيرها في نوعية التمثيل السياسي.

كما أن المساءلة القانونية تصبح أكثر فعالية عندما تقترن بشفافية تمويل الحملات، ونشر المعلومات الانتخابية، وتسهيل تقديم الشكايات، وحماية الأشخاص الذين يبلغون عن مخالفات وفق الضمانات القانونية.

ولا ينبغي أن يؤدي الحديث عن الخروقات إلى نزع الشرعية عن جميع المشاركين أو التشكيك في أصوات المواطنين دون أدلة. فحماية نزاهة الاقتراع تقتضي أيضاً احترام النتائج التي لم يثبت بطلانها، وعدم تحويل كل خسارة انتخابية إلى اتهام بالتزوير.

صوت الناخب بين صندوق الاقتراع وحكم المحكمة

تكشف مرحلة الطعون التي أعقبت انتخابات 23 شتنبر أن حماية الإرادة الانتخابية عملية ممتدة، تبدأ بضمان حرية اختيار الناخب، وتمر بسلامة التصويت والفرز، ولا تنتهي إلا بإتاحة رقابة قضائية فعالة على النزاعات.

وقد وفرت التشريعات المغربية آليات للطعن والمساءلة، كما أظهرت تقارير الملاحظة المستقلة وجود مؤشرات تستدعي الفحص والتحقيق. لكن الحكم على فعالية هذه المنظومة يتوقف على النتائج العملية، ومدى قدرة المؤسسات على معالجة المخالفات المثبتة، ونشر قرارات معللة تتيح للرأي العام فهم أسباب تأكيد النتائج أو إلغائها.

وفي ظل استمرار نظر المحكمة الدستورية في الطعون المقدمة إليها، يبقى من السابق لأوانه الجزم بمآلات المقاعد المتنازع عليها أو بحجم المخالفات التي قد تثبت قضائياً.

غير أن السؤال الأوسع يظل قائماً: هل يستطيع الناخب المغربي أن يثق بأن صوته سيحتفظ بقيمته نفسها، سواء أدلى به في مدينة كبرى أو جماعة قروية، وسواء صوت لمرشح نافذ أو لمنافس لا يملك الموارد نفسها؟

لن تكون الإجابة في عدد الطعون وحده، ولا في حجم الأحكام التي قد تصدر بإلغاء بعض المقاعد، بل في قدرة النظام الانتخابي على منع التأثير غير المشروع قبل وقوعه، وتصحيح نتائجه عندما يثبت، وترسيخ قاعدة أساسية مفادها أن المقعد البرلماني يستمد شرعيته من إرادة الناخبين، لا من المال أو النفوذ أو القدرة على الالتفاف على القانون.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً