أعادت زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، يومي 13 و14 أكتوبر 2026 وفق التقارير المتداولة، ملف المدينتين إلى واجهة النقاش السياسي المغربي. ويأتي ذلك في مرحلة تتسم بتغير التوازنات الحزبية في الرباط، واستمرار المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة. كما يتزامن الجدل مع تطور العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقل البلدان من أزمة دبلوماسية حادة إلى تعاون واسع في مجالات الهجرة والأمن والتجارة.
ولا تنفصل حساسية الزيارة عن المكانة التي تحتلها المدينتان في الذاكرة السياسية المغربية. فالمغرب يعتبر سبتة ومليلية جزءاً من القضايا التاريخية المرتبطة باستكمال وحدته الترابية، بينما تؤكد إسبانيا سيادتها عليهما وتتعامل معهما باعتبارهما مدينتين إسبانيتين تتمتعان بوضع مؤسساتي خاص. وقد ظل هذا الاختلاف قائماً رغم التحسن الملحوظ في العلاقات الثنائية، مما جعل الملف حاضراً في الخلفية حتى خلال فترات التقارب الدبلوماسي.
من التقارب الدبلوماسي إلى عودة الملفات الحساسة
شهدت العلاقات بين المغرب وإسبانيا تحولاً مهماً سنة 2022، عندما أعلنت مدريد دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية نزاع الصحراء. وقد ساهم هذا الموقف في تجاوز جانب من الأزمة التي اندلعت سنة 2021، وفتح مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.
ومنذ ذلك الحين، توسعت مجالات التنسيق بين البلدين، خصوصاً في تدبير الهجرة ومكافحة الشبكات الإجرامية وتطوير المبادلات التجارية. كما عزز الاستعداد المشترك لتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، إلى جانب البرتغال، الحاجة إلى تعاون طويل الأمد يتجاوز الخلافات الظرفية.
غير أن هذا التقارب لم يؤد إلى تسوية جميع الملفات التاريخية. فمسألة سبتة ومليلية ظلت خارج التفاهمات المعلنة بشأن الصحراء، ولم يصدر اتفاق ثنائي يغير الوضع القانوني أو الإداري للمدينتين. ولذلك، فإن عودة الجدل حول زيارة ملكية إسبانية تكشف حدود التقارب عندما يتعلق الأمر بقضايا السيادة.
الأحزاب المغربية بين الاعتراض والحسابات الدبلوماسية
أثارت الزيارة ردود فعل داخل الأوساط السياسية المغربية، خصوصاً لدى تيارات يسارية تعتبر استمرار الإدارة الإسبانية لسبتة ومليلية امتداداً لوضع تاريخي ينبغي معالجته سياسياً ودبلوماسياً. وفي هذا السياق، برزت مواقف تنتقد الزيارة وتطالب بإبقاء القضية حاضرة في النقاش العمومي.
لكن المواقف الحزبية لا تمثل بالضرورة السياسة الخارجية الرسمية للدولة. فالأحزاب تستطيع التعبير عن اعتراضاتها وتقديم تصوراتها بشأن العلاقات مع إسبانيا، بينما تخضع القرارات الدبلوماسية لمحددات مؤسساتية واستراتيجية أوسع.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة في مرحلة تشكيل حكومة جديدة. فالتغيير الحكومي قد يفتح نقاشاً حول أولويات العمل التنفيذي، لكنه لا يعني تلقائياً تغيير التوجهات الأساسية للسياسة الخارجية المغربية، ولا سيما في الملفات التي ترتبط باختصاصات المؤسسة الملكية.
سبتة ومليلية.. ملف تاريخي تحكمه معادلات معاصرة
ترتبط قضية سبتة ومليلية بتاريخ طويل من التنافس السياسي والعسكري في غرب البحر الأبيض المتوسط. وتعود السيطرة البرتغالية على سبتة إلى سنة 1415، قبل انتقالها إلى السيادة الإسبانية في القرن السابع عشر. أما مليلية، فقد دخلت تحت السيطرة الإسبانية سنة 1497.
وتعتبر إسبانيا المدينتين جزءاً من ترابها الوطني، بينما يستمر النقاش المغربي بشأن وضعهما التاريخي والسياسي. ويختلف هذا الملف عن قضية جبل طارق، التي تخضع لترتيبات دولية ومسار معروف لدى الأمم المتحدة، مما يجعل المقارنة القانونية المباشرة بين الحالتين غير دقيقة.
وفي الوقت الراهن، يتداخل وضع المدينتين مع قضايا الحدود والتجارة والهجرة والأمن. فهما تشكلان نقطتي اتصال مباشرتين بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وتؤثر الإجراءات المتخذة بشأن المعابر والأنشطة الاقتصادية فيهما على سكان المناطق المجاورة.
ومن ثم، فإن أي توتر سياسي حول المدينتين قد تكون له انعكاسات تتجاوز العلاقات الدبلوماسية، لتشمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في شمال المغرب.
صمت رسمي مغربي وحسابات دبلوماسية معقدة
كشفت زيارة فيليبي السادس عن اختلاف واضح بين المواقف السياسية والإعلامية المغربية من جهة، والتعامل الدبلوماسي الرسمي من جهة أخرى. فحتى مساء الأربعاء 14 أكتوبر، لم ترصد وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي» صدور احتجاج رسمي مغربي على الزيارة. كما أفادت بأن الرباط اختارت التعامل بتحفظ، رغم الانتقادات التي عبّرت عنها بعض الأوساط السياسية والمدنية.
ويختلف هذا الموقف عن رد الفعل المغربي سنة 2007، عندما أثارت زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول إلى المدينتين أزمة دبلوماسية انتهت باستدعاء السفير المغربي من مدريد للتشاور. أما الزيارة الحالية، فلم تتبعها حتى الآن إجراءات مماثلة، رغم استمرار الخلاف حول السيادة.
وفي المقابل، حمل خطاب الملك فيليبي السادس رسالة سياسية واضحة. فقد أكد في سبتة أن إسبانيا تعتبر سيادتها ووحدتها الترابية غير قابلتين للتفاوض، لكنه شدد أيضاً على ضرورة بناء العلاقة مع المغرب على الثقة والاحترام المتبادل وحسن النية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن مدريد تحاول الجمع بين تأكيد موقفها من المدينتين والمحافظة على قنوات التعاون مع الرباط. أما الجانب المغربي، فيبدو أنه يفضل، حتى الآن، عدم تحويل الزيارة إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة.
أزمة الهجرة تضيف بعداً جديداً إلى الزيارة
لا يمكن فصل الزيارة عن أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في نهاية يوليوز 2026. فقد أدى عبور عشرات الآلاف من المهاجرين إلى أزمة إنسانية وأمنية كبيرة، وسُجل سقوط عدد مرتفع من الضحايا، وفق تقارير منظمات مدنية نقلتها وسائل إعلام دولية.
وخلال زيارته إلى سبتة، توقف الملك الإسباني وزوجته ليتيسيا عند المقبرة الإسلامية، حيث دُفن عدد من ضحايا تلك الأحداث. وأضفى هذا التوقف بعداً إنسانياً على زيارة تحمل في الوقت نفسه رسائل سياسية وسيادية.
وتؤكد هذه التطورات أن العلاقات المغربية الإسبانية لا تتحدد فقط بالخلاف التاريخي حول المدينتين. فملفات الهجرة وحماية الحدود والتعاون الأمني أصبحت عناصر أساسية في إدارة العلاقة الثنائية، خصوصاً مع ارتباطها المباشر بسياسات الاتحاد الأوروبي.
الحكومة المغربية المقبلة أمام معادلة دقيقة
تأتي الزيارة في وقت تستعد فيه فاطمة الزهراء المنصوري لتشكيل الحكومة الجديدة، بعد الاتفاق على أغلبية برلمانية تضم أربعة أحزاب. ورغم أن السياسة الخارجية المغربية تندرج ضمن الاختصاصات الدستورية للمؤسسة الملكية والحكومة، فإن الفريق الوزاري المقبل سيكون معنياً بتدبير ملفات التعاون الاقتصادي والأمني والحدودي مع إسبانيا.
وتكمن صعوبة المعادلة في الجمع بين الموقف المغربي التاريخي من سبتة ومليلية والحفاظ على المصالح المشتركة مع مدريد. فإسبانيا شريك اقتصادي أساسي للمغرب، كما أن التعاون بين البلدين يمتد إلى ملفات تتطلب تنسيقاً مستمراً، ولا سيما الهجرة والاستثمار والتجارة.
ومن ثم، فإن أي معالجة حكومية لهذا الملف ستكون مطالبة بتقدير انعكاساتها الدبلوماسية والاقتصادية. كما أن الأحزاب المشاركة في الأغلبية ستواجه اختباراً يتعلق بمدى قدرتها على التوفيق بين مواقفها السياسية السابقة ومتطلبات المسؤولية الحكومية.
هل تغيرت قواعد التعامل مع الخلاف؟
تكشف زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية عن استمرار أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية. لكنها تكشف أيضاً أن إدارة الخلاف أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من المصالح المتبادلة، تجعل العودة إلى المواجهات الدبلوماسية السابقة خياراً ذا تكلفة سياسية واقتصادية.
ولا يعني غياب احتجاج رسمي مغربي التخلي عن المواقف التاريخية، مثلما لا تعني الزيارة الإسبانية أن الخلاف أصبح قابلاً للحسم من جانب واحد. فالبلدان ما زالا يتبنيان تصورين مختلفين بشأن السيادة على المدينتين، في وقت تفرض فيه الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والأمنية استمرار التواصل بينهما.
وفي انتظار ما قد يصدر عن المؤسسات المغربية من مواقف جديدة، يبقى السؤال الأهم مرتبطاً بقدرة الرباط ومدريد على إدارة هذا الخلاف دون السماح له بتقويض التعاون القائم. أما الحكومة المغربية المقبلة، فستجد نفسها أمام علاقة ثنائية تحتاج إلى قدر كبير من التوازن بين الاعتبارات السياسية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.
