في السياسة، ما لا يُقال أحياناً أهم مما يُقال. وخطاب الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة، في أول تعليق له على نتائج انتخابات 23 شتنبر، يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فقد خرج حزبه في المرتبة الثالثة بـ65 مقعداً، بعد أن كان يتوفر على 81 مقعداً في الولاية السابقة، أي أنه فقد 16 مقعداً. ومع ذلك، جاءت كلمته يوم 24 شتنبر خالية من أي إشارة إلى التراجع، ومليئة بعبارات الاعتزاز بثقة الناخبين والدعوة إلى تجاوز منطق التنافس الانتخابي.
وهذا الخطاب ليس مجرد مجاملة ما بعد الانتخابات، بل هو جزء من تموقع سياسي مدروس. فحزب الاستقلال يدرك أن موقعه الحسابي في البرلمان الجديد يجعله طرفاً يصعب تجاوزه في أي أغلبية، وأن طريقة حديثه في هذه اللحظة قد تؤثر على مكانته في المشاورات المرتقبة.
القبول بالنتائج كرسالة أولى
أول ما يلفت الانتباه في خطاب بركة هو القبول الصريح بالنتائج. ففي وقت انتقد فيه حزب العدالة والتنمية ما وصفه بخروقات واختلالات في المنظومة الانتخابية، وعبّر فيه الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي عن “مفاجأته” بالنتائج، اختار الأمين العام لحزب الاستقلال لغة الاعتراف والتهنئة. فقد شكر الناخبين والمناضلين والمرشحين، وهنأ باقي الأحزاب على نتائجها، واعتبر أن الحزب عزز حضوره في المشهد السياسي.
وتحمل هذه الصيغة رسالة ضمنية إلى الحزب المتصدر وإلى الدولة معاً. فالاستقلال يقدم نفسه شريكاً مسؤولاً يحترم قواعد اللعبة، ولا يشكك في مشروعية العملية الانتخابية، وهي صفة تحظى بقيمة خاصة في مرحلة تشكيل الحكومة، حين تبحث الأطراف عن شركاء يضمنون الاستقرار والانسجام.
“الخبرة التسييرية” بدل الحديث عن الموقع
العبارة الأكثر دلالة في كلمة بركة هي قوله إن حزب الاستقلال “يضع خبرته وإمكانياته التسييرية لمواصلة خدمة القضايا الوطنية الكبرى”. فالحديث عن الخبرة التسييرية لا يستقيم عادة إلا في سياق الاستعداد للتدبير الحكومي، وليس في سياق التحضير للمعارضة. ومع ذلك، حرص الأمين العام على موازنة هذه العبارة بأخرى أكثر حياداً، حين أكد أن الحزب سيواصل العمل لمصلحة الوطن والمواطن “أينما كان موقعه”.
ويعكس هذا التوازن اللغوي وضعية الحزب الحقيقية. فهو لا يملك قرار تشكيل الحكومة، ولا يستطيع أن يعلن مسبقاً مشاركته قبل أن يُعيَّن رئيس الحكومة وتنطلق المشاورات وتتضح العروض. لكنه في المقابل لا يريد أن يُفهم خطابه على أنه تمهيد للمعارضة، فيترك إشارات واضحة إلى استعداده للمشاركة دون أن يلتزم بها علناً.
حصيلة المشاركة الحكومية في الخلفية
شارك حزب الاستقلال في الحكومة المنتهية ولايتها إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، وتولى أمينه العام حقيبة التجهيز والماء، وهي من أكثر الحقائب حساسية في سنوات طبعها الجفاف وتراجع الموارد المائية. وقد ارتبطت هذه الوزارة بأوراش كبرى، من بينها مشاريع السدود وتحلية مياه البحر والربط بين الأحواض المائية.
غير أن المشاركة في الحكومة حملت معها أيضاً جزءاً من كلفتها السياسية. فتراجع الحزب من 81 إلى 65 مقعداً يمكن قراءته، جزئياً على الأقل، ضمن التصويت العقابي الذي طال الأغلبية المنتهية ولايتها، وإن كان وقعه على الاستقلال أخف بكثير مما عرفه التجمع الوطني للأحرار الذي فقد 36 مقعداً. وبذلك يبدو أن الحزب نجح في الحد من الخسائر، بفضل تجذره المحلي وشبكته التنظيمية التي تعد من أقدم الشبكات الحزبية في المغرب.
حزب يعرف كيف يعود
يستحضر المتتبعون أن حزب الاستقلال، الذي تعود جذوره إلى وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، عرف تقلبات كثيرة في مساره الانتخابي، لكنه نادراً ما غاب عن مراكز القرار. ففي 2016، تراجع إلى 46 مقعداً وبقي خارج الحكومة في ظروف صعبة عاشها على المستوى الداخلي. ثم عاد في 2021 بـ81 مقعداً بعد أن تولى نزار بركة قيادته وأعاد ترتيب بيته الداخلي. واليوم يحتل المرتبة الثالثة، على بعد مقعد واحد فقط من التجمع الوطني للأحرار.
وتمنح هذه القدرة على الصمود الحزب هامشاً للمناورة في المرحلة المقبلة. غير أن التحدي الذي أشار إليه بركة نفسه يبقى قائماً، حين أكد أن الاختبار الحقيقي بعد الانتخابات هو استعادة ثقة المواطنين، وخاصة الشباب، عبر ترجمة الوعود الانتخابية إلى تحسن ملموس في الحياة اليومية. وهو اختبار لا يخص حزب الاستقلال وحده، لكنه يعنيه بشكل مباشر، لأنه كان جزءاً من الأغلبية التي حكم عليها الناخبون، وقد يكون جزءاً من الأغلبية التي سيحكمون عليها بعد خمس سنوات.
