f x ig yt
الخميس، 15 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

حكومة المنصوري بـ207 مقاعد.. تحديات الأغلبية الجديدة

تحالف رباعي يجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية يفتح مرحلة جديدة في المشهد السياسي المغربي، لكن امتلاك الأغلبية العددية لا يحسم وحده قدرة الحكومة المقبلة على تجاوز الخلافات الحزبية والاستجابة للانتظارات الاجتماعية.

الحكومة والبرلمان 📅 13 أكتوبر 2026 ⏱ 5 دقائق
فاطمة الزهراء المنصوري خلال مداخلة مصورة. الصورة مقتطعة من فيديو منسوب إلى Anfas Press، عبر Wikimedia Commons، بترخيص CC BY 4.0.

دخل المغرب مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات السياسية عقب الإعلان عن تشكيل أغلبية حكومية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، تضم أربعة أحزاب هي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. ويستند هذا التحالف، وفق الأرقام المتداولة بشأن نتائج الانتخابات التشريعية، إلى 207 مقاعد من أصل 395 بمجلس النواب، ما يمنحه الأغلبية اللازمة لدعم الحكومة وتمرير مشاريعها التشريعية، شريطة الحفاظ على انضباط مكوناته خلال التصويت.

غير أن أهمية هذا التحول لا تكمن في عدد المقاعد وحده، بل في طبيعة التحالف الذي يجمع أحزاباً تختلف في مرجعياتها السياسية وتاريخها الانتخابي ومقاربتها لبعض القضايا الاقتصادية والاجتماعية. فبعد انتهاء المشاورات حول تشكيل الأغلبية، ينتقل الاختبار الحقيقي إلى مرحلة إعداد البرنامج الحكومي وتوزيع المسؤوليات، ثم إلى قدرة الأحزاب المشاركة على الدفاع عن اختيارات مشتركة أمام البرلمان والرأي العام.

أغلبية تتجاوز الحد الأدنى بتسعة مقاعد

يحتاج أي تحالف إلى 198 مقعداً على الأقل لضمان الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب، الذي يتكون من 395 عضواً. وبامتلاك الأحزاب الأربعة 207 مقاعد، يتجاوز التحالف هذا الحد بتسعة مقاعد فقط، وهي مسافة تسمح له نظرياً بتأمين التصويت على المبادرات التي تتطلب الأغلبية المطلقة، لكنها لا توفر هامشاً واسعاً في حالة ظهور خلافات داخلية أو غياب عدد من النواب.

ومن الضروري التمييز هنا بين الأغلبية المطلقة المطلوبة لبعض القرارات وبين التصويت على النصوص التشريعية العادية، الذي يخضع للقواعد الدستورية والتنظيمية الخاصة بكل حالة. لذلك، فإن الحديث عن هشاشة الحكومة اعتماداً على فارق المقاعد وحده سيكون تبسيطاً للمشهد، مثلما سيكون اعتبار الأغلبية العددية ضمانة تلقائية للاستقرار حكماً سابقاً لأوانه.

لقد أظهرت التجارب البرلمانية أن استقرار التحالفات لا يرتبط فقط بحجم تمثيلها، وإنما يتأثر أيضاً بوضوح الاتفاقات السياسية، وطريقة تدبير الخلافات، ومدى قدرة رؤساء الأحزاب والفرق البرلمانية على التنسيق بشأن القرارات الكبرى. وتزداد أهمية هذه العناصر عندما تتشكل الحكومة من قوى حزبية تتنافس انتخابياً، رغم اتفاقها المرحلي على المشاركة في السلطة التنفيذية.

تحالف سياسي متعدد المرجعيات

يشكل اجتماع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية داخل أغلبية واحدة تجربة تستحق القراءة خارج منطق توزيع الحقائب الوزارية. فالحزبان الأخيران ينتميان إلى تقاليد سياسية يسارية، بينما يحمل حزب الاستقلال مرجعية وطنية محافظة، ويقدم الأصالة والمعاصرة نفسه باعتباره قوة سياسية ذات توجهات إصلاحية وتحديثية.

ولا يعني هذا التنوع بالضرورة استحالة التوافق، لأن الحكومات الائتلافية تقوم أساساً على التفاوض بين برامج مختلفة. لكنه يفرض تحديد القضايا التي يمكن الاتفاق بشأنها، وتلك التي قد تثير خلافات عند الانتقال من التصريحات السياسية إلى الإجراءات المالية والتشريعية.

ويبرز هذا التحدي خصوصاً في ملفات السياسة الضريبية، ودور الدولة في الاقتصاد، وإصلاح المؤسسات العمومية، وتوسيع الحماية الاجتماعية. فهذه المجالات تتطلب اختيارات ترتبط بتوزيع الموارد والأعباء، ولا يكفي فيها إعلان الالتزام العام بتحسين الظروف الاجتماعية دون تحديد وسائل التمويل والفئات المستفيدة والجدول الزمني للتنفيذ.

كما أن مشاركة أحزاب كانت تتبنى مواقف نقدية من سياسات حكومية سابقة تضعها أمام مسؤولية توضيح ما ستغيره في تلك السياسات. فالمشاركة الحكومية لا تلغي التاريخ السياسي لأي حزب، بل تجعله مطالباً بتفسير العلاقة بين برنامجه الانتخابي والتنازلات التي قبل بها داخل الائتلاف.

البرنامج الحكومي.. من وعود التحالف إلى كلفة التنفيذ

تنتظر الأغلبية الجديدة ملفات اجتماعية واقتصادية يصعب تأجيلها، في مقدمتها التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية. وقد وضع بلاغ تشكيل التحالف تحسين ظروف العيش والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي ضمن أولوياته المعلنة، لكنه لم يقدم بعد برنامجاً تفصيلياً يحدد الالتزامات المالية والآجال ومؤشرات قياس النتائج.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع اقتراب الاستحقاقات المرتبطة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي سيكون من أول الاختبارات العملية لقدرة الأحزاب الأربعة على الاتفاق بشأن الأولويات. فالميزانية لا تعكس التوجهات الاقتصادية فقط، وإنما تكشف أيضاً حدود التوافق السياسي عندما يصبح من الضروري الاختيار بين مطالب اجتماعية متعددة وموارد مالية محدودة.

وتواجه الحكومة المرتقبة كذلك تحدي التوفيق بين الاستثمارات الكبرى المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030 والحاجات اليومية للسكان. ولا يتعلق الأمر بالضرورة بتعارض بين المجالين، لأن الاستثمار في البنيات التحتية يمكن أن يحقق منافع اقتصادية واجتماعية. غير أن تقييم هذه المشاريع يستوجب فحص توزيعها الجغرافي وكلفتها وفرص الشغل التي توفرها، ومدى استفادة المدن والمناطق الأقل تجهيزاً من آثارها.

المعارضة البرلمانية وحدود الأغلبية

في المقابل، يفتح خروج التجمع الوطني للأحرار من الحكومة مجالاً لإعادة تشكيل المعارضة البرلمانية. فالحزب الذي قاد السلطة التنفيذية خلال الولاية السابقة سيجد نفسه أمام مهمة مراقبة اختيارات تشارك بعض الأحزاب التي كانت حليفة له في صياغة جزء منها.

وتفرض هذه الوضعية نقاشاً بشأن المسؤولية السياسية عن الحصيلة السابقة، خصوصاً في الملفات التي لم تحقق النتائج المنتظرة. كما تمنح المعارضة فرصة للمطالبة بتوضيح التزامات الحكومة الجديدة، ومقارنة برامجها بالموارد المتاحة والقرارات التي ستتخذها.

غير أن فعالية المعارضة لا تتحدد بعدد المقاعد وحده، مثلما لا يضمن التفوق العددي للأغلبية جودة العمل الحكومي. فالمعيار الأهم يتمثل في مستوى النقاش التشريعي، وقدرة البرلمان على مراقبة التنفيذ، ومدى تجاوب الحكومة مع الملاحظات والتعديلات والمطالب الاجتماعية.

حكومة لم تتشكل نهائياً بعد

رغم الإعلان الرسمي عن مكونات الأغلبية يوم 12 أكتوبر، فإن الحكومة الجديدة لم تستكمل بعد مراحل تشكيلها. فقد أكد البلاغ المشترك أن الأحزاب الأربعة ستقترح أسماء المرشحين للاستوزار، على أن يجري إعداد البرنامج الحكومي في أقرب الآجال. ولذلك ينبغي التمييز بين الاتفاق على التحالف السياسي والإعلان عن التشكيلة الوزارية النهائية.

وتبقى طبيعة الحقائب المسندة إلى كل حزب، وطريقة توزيع المسؤوليات، ومضمون ميثاق الأغلبية، عناصر أساسية لفهم التوازنات داخل الحكومة المقبلة. فقد تسمح هذه الترتيبات بتقوية الانسجام، لكنها قد تكشف أيضاً عن اختلاف الأولويات بين الأطراف المشاركة.

وبذلك، فإن حصول تحالف المنصوري على 207 مقاعد يمثل بداية المسار الحكومي لا نهايته. فالأغلبية التي نجحت في الاتفاق على المشاركة مطالبة الآن بإثبات قدرتها على الاتفاق بشأن السياسات، ثم تحمل مسؤولية تنفيذها أمام البرلمان والمواطنين. وبين الأرقام التي تضمن الدعم البرلماني والنتائج التي ينتظرها المجتمع، ستتحدد القيمة السياسية الفعلية لهذا التحالف.

 

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً