يوم 21 شتنبر، أغلق تلاميذ ثانوية «سانت إكزوبيري» بمدينة كريتاي أبواب مؤسستهم. ولم يكونوا يتوقعون أن تصل احتجاجاتهم إلى البيت الأبيض. لكن بعد أسبوعين فقط، وجدوا أنفسهم في قلب تدوينة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فقد كتب ترامب يوم الثلاثاء 6 أكتوبر على منصته «تروث سوشيال»: «ما يحدث في فرنسا ليس سوى هجرة جماعية خارجة عن السيطرة». وأضاف: «الأمر لا يتعلق بالمدارس، بل بالإسلام الذي يريد السيطرة على بلد كان عظيماً في السابق».
ماذا يطلب التلاميذ فعلاً؟
غير أن الوقائع على الأرض ترسم صورة مختلفة. فقد انطلقت الحركة من الضاحية الباريسية، ثم امتدت إلى مناطق أخرى. وفي الثلاثين من شتنبر، طالت أكثر من 350 ثانوية، أي نحو واحدة من كل عشر ثانويات في فرنسا.
وفي يوم تدوينة ترامب نفسه، خرج قرابة 256 ألف متظاهر حسب وزارة الداخلية الفرنسية. أما الاتحاد النقابي للتلاميذ، فقدّر عددهم بـ450 ألفاً.
وتبدو المطالب بعيدة كل البعد عن الدين والهوية. فالتلاميذ يحتجون على الأقسام المكتظة وعلى غياب الأساتذة دون تعويضهم. كما يشتكون من البنايات المتهالكة ومشاكل التدفئة ونقص الممرضين والمساعدين التربويين.
ويلخص رياض راني، رئيس الاتحاد النقابي للتلاميذ، المشكلة بقوله: «المشكلة اليوم في الثانوية هي ألا يكون لديك أستاذ في سنة امتحان الباكالوريا في الفرنسية».
وتدعم الأرقام الرسمية هذا الطرح. فحسب وزارة التربية الفرنسية، لم تُنجز 9,8 في المائة من ساعات التدريس المبرمجة في الثانوي العمومي خلال موسم 2024-2025. وكان السبب في أغلب الحالات غياب أساتذة لم يُعوَّضوا.
احتجاج اجتماعي انزلق نحو العنف
في المقابل، لم تخلُ الحركة من انزلاقات. فقد تحولت بعض التجمعات إلى مواجهات مع قوات الأمن، واستُعملت فيها مفرقعات. كما قررت السلطات إغلاق أكثر من 400 مؤسسة بشكل وقائي يوم 2 أكتوبر.
وندد وزير التربية الوطنية، إدوار جيفراي، بالعنف. وقال إن «رفع المطالب حق، أما الضرب والتهديد والإحراق ومنع الآخرين من الدراسة فليس كذلك». كما اتهم بعض المنتخبين بـ«توظيف الشباب سياسياً».
ومع ذلك، لم يتطرق أي من هذه المواقف الرسمية إلى الهجرة أو الإسلام بوصفهما سبباً للأزمة.
قراءة من واشنطن
لماذا إذن هذه القراءة الأمريكية؟ يقدم السياق الداخلي جزءاً من الجواب. فالولايات المتحدة تقترب من انتخابات التجديد النصفي في نونبر المقبل. ووفق وكالة الأنباء الفرنسية، يراهن الجمهوريون على خطاب الهجرة لتعبئة قاعدتهم.
وقبل يوم من تدوينة ترامب، كان المعلق المحافظ غلين بيك قد وصف ما يجري في فرنسا بأنه «تحذير واضح لبقية الغرب».
وليست هذه المرة الأولى التي يربط فيها ترامب وإدارته أزمات أوروبا الاجتماعية بالهجرة. لكن الجديد هذه المرة هو تحويل احتجاج تلاميذ على شروط الدراسة إلى دليل على «سيطرة الإسلام». وذلك دون أي معطى يربط بين الأمرين.
ما الذي يعنيه ذلك للجاليات العربية؟
بالنسبة لملايين المسلمين والمنحدرين من أصول مغاربية في فرنسا والولايات المتحدة، يحمل هذا الخطاب كلفة مباشرة. فحين يصدر عن رئيس أقوى دولة في العالم، يتحول الربط بين الإسلام والفوضى إلى إطار يتبناه جمهور واسع. ثم يُستعمل لاحقاً في الحملات الانتخابية والسياسات العمومية.
ويبقى المفارق في هذه القصة أن التلاميذ الذين خرجوا إلى الشوارع، بمختلف أصولهم، كانوا يطالبون بشيء بسيط: أستاذ في القسم، وتدفئة في الشتاء.
