اختتم مؤتمر «Giga Africa 2026» أعماله في مراكش بعد يومين من النقاش حول مستقبل المعادن الحيوية وصناعة البطاريات في إفريقيا، لكن أهمية اللقاء لم تتوقف عند حجم الموارد المعدنية التي تمتلكها القارة. النقاش الذي جمع مسؤولين حكوميين ومؤسسات تمويل وشركات تعدين وصناعة كشف أن المنافسة الدولية انتقلت بصورة متزايدة من البحث عن المناجم إلى سؤال أكثر تعقيداً: أين ستتم معالجة المعادن، ومن سيمول المصانع، ومن سيسيطر على حلقات سلسلة القيمة التي تسبق إنتاج البطارية؟
وفي قلب هذا النقاش برز المغرب، ليس فقط باعتباره البلد المضيف، وإنما باعتباره إحدى الدول الإفريقية التي تحاول الانتقال من موقع المورد للمواد الأولية إلى موقع صناعي داخل سلسلة البطاريات والسيارات الكهربائية.
أما الحضور الأمريكي، فقد أعطى المؤتمر بعداً يتجاوز النقاش الصناعي الإفريقي، إذ عرضت وزارة الطاقة الأمريكية في مراكش توجه واشنطن لتأمين سلاسل توريد المعادن الحيوية ودعم عمليات المعالجة والمراحل الوسيطة، بالتوازي مع مشاركة مؤسسة التمويل الأمريكية للتنمية الدولية في النقاش حول تمويل مشاريع البطاريات والمعادن في القارة.
واشنطن تبحث عن سلاسل توريد أكثر تنوعاً
خلال اليوم الثاني للمؤتمر، قدمت وِداد ويتمان، المسؤولة عن أمن سلاسل التوريد في مكتب المعادن والمواد الحيوية والتصنيع التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، عرضاً خصص للطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع توطين وتمويل مشاريع المعادن ومراحل المعالجة الوسيطة.
ويأتي هذا التحرك في سياق سعي واشنطن إلى تقليل مخاطر الاعتماد الكبير على مصادر محدودة في سلاسل توريد المعادن الضرورية للبطاريات والطاقة والتكنولوجيات الحديثة.
لكن ما ظهر في مراكش هو أن الاستراتيجية لا تتوقف عند زيادة الإنتاج داخل الولايات المتحدة. فإفريقيا تدخل بدورها في معادلة تنويع الإمدادات، خصوصاً مع امتلاكها مجموعة واسعة من المعادن المطلوبة في صناعة البطاريات.
وتضم القارة مصادر لليثيوم والكوبالت والنحاس والنيكل والمنغنيز والغرافيت، فيما يمتلك المغرب احتياطيات فوسفاتية كبيرة تمنحه موقعاً مختلفاً داخل هذه الخريطة، خصوصاً مع توسع الاهتمام ببطاريات فوسفات الحديد والليثيوم المعروفة اختصاراً بـLFP.
التمويل يدخل إلى قلب المعادلة
بعد العرض الأمريكي، انتقل النقاش مباشرة إلى واحدة من أكبر العقبات أمام تحويل الموارد الإفريقية إلى صناعة محلية: التمويل.
وشاركت سياني سميث، مديرة التمويل المهيكل وتمويل المشاريع في مؤسسة التمويل الأمريكية للتنمية الدولية DFC، في جلسة خصصت لفرص الاستثمار والحلول التمويلية لمشاريع البطاريات والسيارات الكهربائية والمعادن الحيوية في إفريقيا.
وضمت الجلسة كذلك ممثلين عن Africa Finance Corporation والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في إشارة إلى أن المنافسة على سلاسل المعادن لا تُحسم بامتلاك الخام وحده، وإنما بالقدرة على تمويل المناجم والمصافي ومصانع المواد الوسيطة والبنية التحتية المرتبطة بها.
ولم يعلن المؤتمر، وفق المعطيات المنشورة حتى الآن، عن اتفاق تمويل أمريكي جديد خاص بالمغرب جرى توقيعه خلال اللقاء. لذلك فإن أهمية المشاركة الأمريكية تكمن أساساً في عرض توجهات التمويل وأمن الإمدادات ووجود مؤسسات أمريكية مباشرة في النقاش مع القطاع الإفريقي، وليس في صفقة جديدة يمكن اعتبارها نتيجة محسومة للمؤتمر.
المغرب يريد تجاوز مرحلة تصدير الخام
بالنسبة إلى المغرب، الرهان يتجاوز استخراج المعادن أو تصدير الفوسفات. فقد قدم ممثلون مغاربة خلال المؤتمر تصوراً يقوم على تطوير موقع المملكة داخل حلقات أكثر تقدماً من سلسلة القيمة، مستفيدين من قاعدة صناعية مرتبطة بالسيارات ومن مشاريع البطاريات وموادها التي بدأت تتشكل خلال السنوات الأخيرة.
وتحول هذا التوجه إلى مشاريع ملموسة، من أبرزها مشروع Gotion Power Morocco في القنيطرة، الذي تستهدف مرحلته الأولى قدرة سنوية تبلغ 20 غيغاواط/ساعة من بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم، إلى جانب إنتاج 100 ألف طن من مواد الكاثود.
وبدأت أشغال المشروع في المنطقة الحرة الأطلسية خلال يوليوز 2025، وفق وثائق البنك الإفريقي للتنمية.
وجاء مستجد آخر قبيل مؤتمر مراكش ليعطي المشروع بعداً أوروبياً أكبر. ففي 28 شتنبر، أعلنت PowerCo التابعة لمجموعة Volkswagen استثمار 470 مليون يورو في مشاريع مرتبطة بـGotion، تشمل مصنع الخلايا في سلوفاكيا ومشروع مواد الكاثود في المغرب، مع الاستحواذ على حصة تبلغ 49 في المائة في المشروعين.
ويضع ذلك المغرب عند نقطة التقاء بين موارد إفريقية ومشاريع صناعية داخل المملكة وسوق أوروبية تبحث بدورها عن تنويع سلاسل البطاريات.
إفريقيا تملك المعادن.. لكن أين تبقى القيمة؟
أحد أبرز الأسئلة التي خرج بها المؤتمر يتعلق بالفارق بين امتلاك الثروة المعدنية والاستفادة الصناعية منها.
فبحسب Benchmark Mineral Intelligence، تمتلك إفريقيا تقريباً جميع المكونات المعدنية الأساسية المطلوبة لصناعة البطاريات: الليثيوم في دول مثل زيمبابوي، والكوبالت والنحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والنحاس والنيكل في زامبيا، والمنغنيز في جنوب إفريقيا، والفوسفات في المغرب، والغرافيت في موزمبيق.
لكن الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية لا يوجد بالضرورة في استخراج هذه المواد فقط، بل في تحويلها وتنقيتها وإنتاج المواد الفعالة وصناعة الخلايا والبطاريات وإعادة التدوير.
ولهذا ركزت نقاشات مراكش على ما يعرف بالـ«midstream»، أي الحلقة الواقعة بين استخراج المعدن واستخدامه النهائي في الصناعة.
كما ناقش المؤتمر فكرة إنشاء ممر لمعالجة المعادن انطلاقاً من جمهورية الكونغو الديمقراطية ومتصلاً بسلاسل توريد متوافقة مع الأسواق الغربية، إلى جانب جلسات حول الكوبالت والفوسفات والعناصر الأرضية النادرة.
المغرب بين أوروبا وأمريكا وإفريقيا
تمنح هذه التحولات المغرب فرصة، لكنها تضعه أيضاً وسط منافسة جيو-اقتصادية متزايدة.
فالولايات المتحدة تريد سلاسل توريد أكثر تنوعاً وأقل تعرضاً لمخاطر الاعتماد على مصدر واحد، وأوروبا تبحث عن تأمين المعادن ومواد البطاريات الضرورية لقطاع السيارات، بينما تريد الدول الإفريقية الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة بدلاً من تصدير المواد الخام ثم استيراد المنتجات المصنعة.
ويملك المغرب عدة عناصر تسمح له بمحاولة الجمع بين هذه المصالح: موقع قريب من أوروبا، صناعة سيارات قائمة، بنية لوجستية وموانئ مرتبطة بالأسواق الدولية، الفوسفات، واتفاقيات تجارية مع عدد من الاقتصادات الكبرى.
لكن مؤتمر مراكش أظهر كذلك أن امتلاك هذه العناصر لا يكفي وحده. فالانتقال إلى صناعة البطاريات يتطلب استثمارات ضخمة، وطاقة تنافسية، وتقنيات معالجة، وتمويلاً طويل الأجل، إضافة إلى القدرة على مواكبة التحولات السريعة في كيمياء البطاريات والأسواق العالمية.
لهذا ربما يكون أهم ما خرج به «Giga Africa 2026» بالنسبة إلى المغرب هو انتقال النقاش من سؤال امتلاك المعادن إلى سؤال موقع المملكة داخل السلسلة التي تحول المعدن إلى قيمة صناعية.
الحضور الأمريكي في مراكش، إلى جانب المؤسسات الأوروبية والإفريقية والشركات الصناعية، يؤكد أن هذه السلسلة أصبحت جزءاً من المنافسة الاقتصادية الدولية. أما الاختبار الحقيقي بالنسبة إلى المغرب فسيكون في مقدار ما يستطيع الاحتفاظ به داخل حدوده من عمليات المعالجة والتصنيع والبحث والتطوير وفرص العمل، بدل أن يظل دوره مقتصراً على توفير المواد أو الموقع الجغرافي.
