كلما أصدر صندوق النقد الدولي تقريراً عن المغرب، يتكرر المشهد نفسه تقريباً. فريق يلتقط الأرقام الإيجابية ويقدمها باعتبارها شهادة دولية على نجاح الاختيارات الاقتصادية. وفي المقابل، ينظر فريق آخر إلى البطالة والأسعار وصعوبة الحياة اليومية، ليخلص إلى أن هذه التقارير لا تقول الكثير عن المغرب الذي يعرفه المواطن.
في تقديري، تختزل القراءتان المسألة أكثر مما ينبغي. فصندوق النقد ليس مؤسسة تمنح الحكومات شهادات النجاح السياسي. كما أن الأرقام الاقتصادية لا تفقد قيمتها لمجرد أن المواطن لا يشعر فوراً بأثرها في جيبه. المشكلة الحقيقية توجد في المسافة الفاصلة بين الأمرين: ماذا تقول المؤشرات فعلاً، وكم منها يتحول إلى شغل ودخل وخدمات وفرص أفضل للمغاربة؟
أرقام جيدة.. ولكنها ليست القصة كلها
في مشاورات المادة الرابعة لسنة 2026، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يسجل الاقتصاد المغربي نمواً حقيقياً في حدود 4.4 في المائة هذه السنة. ويأتي ذلك بعد نمو يقدره بنحو 4.9 في المائة خلال 2025. ويربط الصندوق هذه الدينامية بتحسن الإنتاج الزراعي واستمرار الاستثمار في مشاريع البنية التحتية. كما يتوقع نمواً بنحو 4.5 في المائة في 2027.
لا ينبغي التقليل من أهمية هذه الأرقام. فاقتصاد يحافظ على نمو يتجاوز أربعة في المائة، وسط محيط دولي مضطرب، يمتلك بلا شك عناصر قوة. وقد راكم المغرب خلال السنوات الأخيرة بنية تحتية وصناعات وموانئ وشبكات لوجستية مهمة. لذلك أصبحت صورته الاقتصادية مختلفة عما كانت عليه قبل عقدين.
غير أن صندوق النقد يضع إلى جانب أرقام النمو مؤشراً آخر لا يسمح بالاكتفاء بالاحتفال: البطالة.
يقدر الصندوق معدلها بنحو 13 في المائة خلال 2025، ويتوقع تراجعها إلى 12.3 في المائة في 2026. والأكثر دلالة أن بطالة الشباب بين 15 و24 عاماً بلغت 37.3 في المائة خلال 2025. وتشير البيانات التي يستند إليها التقرير أيضاً إلى أن نحو ربع الشباب كانوا خارج العمل والتعليم والتكوين.
هنا تبدأ، بالنسبة إليّ، القصة الاقتصادية الحقيقية. فعندما ينمو الاقتصاد ويظل أكثر من ثلث الشباب الباحثين عن العمل أمام صعوبة الحصول عليه، يصبح معدل النمو وحده غير كاف. ويصبح السؤال الأهم متعلقاً بطبيعة النمو، والجهات المستفيدة منه، وقدرته الفعلية على خلق الوظائف.
المواطن لا يعيش داخل الناتج الداخلي الخام
يستطيع الاقتصادي أن يشرح لنا الناتج الداخلي الخام والاستثمار وعجز الميزانية والحساب الجاري. وكلها مؤشرات ضرورية لفهم صحة الاقتصاد. لكن المواطن يقيس الاقتصاد بطريقة مختلفة.
يقيسه بما يتبقى من راتبه بعد دفع الإيجار أو القرض، وبفاتورة السوق، وبثمن النقل. ويقيسه أيضاً بقدرته على علاج أسرته، وبجودة مدرسة أبنائه، وبفرص حصولهم على العمل بعد التخرج.
لهذا يمكن أن تكون الأرقام الاقتصادية صحيحة، ويكون شعور المواطن بالضغط صحيحاً في الوقت نفسه.
خذوا التضخم مثالاً. يتوقع صندوق النقد متوسط تضخم في حدود 1.6 في المائة خلال 2026. للوهلة الأولى يبدو الرقم مطمئناً، لكنه لا يعني أن الأسعار التي ارتفعت خلال السنوات الماضية عادت إلى مستوياتها السابقة.
انخفاض التضخم يعني أساساً أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ. ولا يعني أن البقال سيعيد غداً أثمان الزيت والخضر والمواد الأخرى إلى مستويات سنوات سابقة. فإذا ارتفعت كلفة معيشة الأسرة ثم استقرت عند مستوى مرتفع، فقد يتحسن مؤشر التضخم من دون أن يختفي الضغط على قدرتها الشرائية.
وهنا نفهم جزءاً من الفجوة بين لغة التقارير الاقتصادية ولغة الشارع.
المشكلة ليست في الاستثمار.. بل فيما يتركه وراءه
لا يمكن إنكار التحول الذي تعرفه البنية التحتية المغربية. هناك طرق وموانئ ومطارات وقطارات ومناطق صناعية جديدة. ومع اقتراب كأس العالم 2030، تتسارع مشاريع أخرى بحجم مالي كبير.
ويرى صندوق النقد في توسيع الاستثمار العمومي فرصة لتعزيز النمو وخلق الوظائف. لكنه يربط ذلك بإدارة المخاطر بصورة جيدة وتعزيز رأس المال البشري. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها.
فالمشروع الكبير لا يصبح مشروعاً تنموياً لمجرد ضخامة ميزانيته. قيمته الحقيقية تتحدد بما يبقى بعد انتهاء الأشغال. هل ساهم في بناء مقاولات مغربية أقوى؟ هل كوّن عمالاً وتقنيين ومهندسين؟ وهل حسن حركة الناس والاقتصاد ورفع إنتاجية المدينة؟
تزداد أهمية هذه الأسئلة ونحن نستعد لكأس العالم. البطولة ستنتهي بعد أسابيع، لكن القطار والمطار والطريق والملعب ستبقى لسنوات. لذلك لا ينبغي قياس نجاح الاستثمار بإنجاز المنشأة في موعدها فقط. الأهم هو ما ستضيفه إلى الاقتصاد وحياة السكان بعد 2030.
المغرب لا يعاني من غياب الاستثمار بقدر ما يحتاج إلى مضاعفة أثره
نجح المغرب في بناء قطاعات صناعية لم تكن موجودة بالحجم نفسه قبل سنوات. صناعة السيارات مثال واضح، إلى جانب الطيران والأسمدة والطاقات المتجددة والخدمات اللوجستية.
لكن المرحلة التالية أكثر صعوبة.
ليس المطلوب فقط أن تأتي شركة أجنبية وتفتح مصنعاً وتصدر منتجات من المغرب. الأهم هو معرفة عدد الشركات المغربية التي ستنشأ حولها، وحجم المكونات التي ستنتج محلياً. ويهم أيضاً مقدار المعرفة التقنية التي ستنتقل إلى المهندسين والمقاولات الوطنية، ونوعية الوظائف التي ستولدها هذه المنظومة.
الدول التي انتقلت من الاقتصادات المتوسطة إلى مستويات أكثر تقدماً لم تعتمد على الاستثمار الأجنبي وحده. لقد تعلمت منه، ثم بنت حوله قاعدة إنتاج محلية.
لهذا أرى أن الدرس الأهم للمغرب ليس البحث عن نموذج أجنبي ونسخه. فلا فيتنام هي المغرب، ولا ماليزيا هي المغرب، وظروف كل دولة مختلفة. ومع ذلك، تشترك التجارب الناجحة في عنصر أساسي: الاستثمار في الإنسان لم يكن هامشاً بجانب الطرق والمصانع، بل كان شرطاً لنجاحها.
التعليم ليس ملفاً اجتماعياً منفصلاً عن الاقتصاد
عندما يتحدث صندوق النقد عن رأس المال البشري وضرورة تسريع إصلاح التعليم والصحة، فإنه يقترب من جوهر المعضلة المغربية.
لا يمكن أن نطمح إلى اقتصاد يقوم على التكنولوجيا والصناعة المتقدمة والطاقة والرقمنة، ثم نتعامل مع المدرسة باعتبارها قطاعاً منفصلاً عن المشروع الاقتصادي.
العامل الأعلى مهارة ينتج قيمة أكبر، والمهندس الجيد يسمح للمقاولة بالابتكار. كما تساعد الجامعة المرتبطة بالصناعة على تطوير منتجات وتقنيات بدلاً من استيرادها باستمرار. ومن ثم، فإن أزمة التعليم ليست أزمة المدرسة والأسرة فقط. إنها أيضاً قضية إنتاجية وأجور وقدرة على المنافسة.
الأمر نفسه ينطبق على المقاولات الصغيرة والمتوسطة. يستطيع المغرب جذب استثمارات دولية ضخمة، لكن الاقتصاد يحتاج أيضاً إلى قاعدة محلية قوية. ولا يتحقق ذلك إذا ظلت آلاف المقاولات تواجه صعوبات التمويل والولوج إلى الصفقات والأسواق والتكنولوجيا.
ومن أهم رسائل تقرير الصندوق أن خلق الوظائف المستدامة يحتاج إلى قطاع خاص أكثر دينامية. كما يتطلب منافسة أكثر تكافؤاً بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
التنمية التي أريد أن أراها في الأرقام
لا أتعامل مع تقرير صندوق النقد باعتباره شهادة حسن سلوك للحكومة، ولا أراه أداة لإخفاء الواقع الاجتماعي. إنه تقرير اقتصادي ينبغي أن نقرأ ما فيه، بما في ذلك ما لا يناسب الخطاب المتفائل.
يقول التقرير إن النمو قوي نسبياً، وهذه نقطة إيجابية. ويشير إلى أن التضخم منخفض نسبياً، وهو مؤشر مهم أيضاً. لكنه ينبه في الوقت نفسه إلى استمرار البطالة والحاجة الملحة إلى خلق فرص عمل مستدامة.
كما يضع أمام المغرب تحديات أخرى، من بينها تنشيط القطاع الخاص والاستثمار في رأس المال البشري. ومن هنا لا يبدو منطقياً أن نأخذ من التقرير مؤشرات النمو ونترك بقية الصورة.
بالنسبة إليّ، الاقتصاد القوي ليس اقتصاداً ينتج أرقاماً جيدة فقط. قوته تظهر عندما يستطيع تحويل تلك الأرقام إلى حركة اجتماعية حقيقية.
يجب أن يستطيع ابن الأسرة محدودة الدخل الحصول على تعليم جيد ثم على وظيفة تتيح له حياة أفضل. وينبغي أن يجد صاحب المشروع الصغير فرصة للنمو على أساس الكفاءة والمنافسة العادلة. أما المواطن في القرية، فمن حقه نصيب عادل من المدرسة والطبيب والطريق وفرص العمل، من دون اضطراره إلى الهجرة نحو المدن الكبرى بحثاً عن الخدمات الأساسية.
هذه هي المسافة التي ما يزال على المغرب قطعها.
لقد تحسنت البنية التحتية، وتطورت قطاعات صناعية، وأصبحت الموانئ المغربية جزءاً مهماً من التجارة العالمية. كما نجحت المملكة في جذب استثمارات دولية كبيرة. وهذه مكتسبات حقيقية لا معنى لإنكارها.
في المقابل، ما تزال البطالة الشبابية مرتفعة، وتستمر الفوارق الاجتماعية والمجالية. ويحتاج التعليم إلى قفزة نوعية، فيما تقيس الأسر وضعها الاقتصادي بما يبقى لديها في نهاية الشهر، لا بما تقوله المؤشرات وحدها.
لذلك، فإن السؤال المفيد بعد تقرير صندوق النقد ليس ما إذا كان الاقتصاد المغربي ناجحاً أو فاشلاً. الأهم هو معرفة كيف يمكن تحويل ما حققه الاقتصاد إلى حياة أفضل لعدد أكبر من المغاربة.
عندما تنخفض البطالة بصورة محسوسة، ويصبح التعليم طريقاً حقيقياً للارتقاء الاجتماعي، ستضيق المسافة بين المؤشرات والواقع. وسيحدث الأمر نفسه عندما تخلق الصناعة وظائف أعلى قيمة، وتصل الخدمات الجيدة إلى المدن الصغيرة والقرى.وحينها لن نحتاج إلى إقناع المغاربة بأن الاقتصاد يتحسن.سيعرفون ذلك بأنفسهم.
