3,8 مليار درهم. هذا هو المبلغ الذي قالت مجلة “ملفات” المتخصصة في الصحافة الاستقصائية، في عددها الصادر شهر شتنبر 2026، إن شركتين للمحروقات حصلتا عليه في صفقات لتزويد محطات المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بالفيول، خلال أقل من عامين. رقم كبير في حد ذاته، لكنه يكتسب دلالة أعمق حين يوضع إلى جانب رقم آخر: مشروع غازي بقيمة تقارب مليار دولار، كان يفترض أن يقلص حاجة المغرب إلى هذا الفيول، لكنه لا يزال يراوح مكانه.
ما كشفه التحقيق
وفق ما نقلته مواقع إخبارية عن تحقيق المجلة، الذي أنجزه فريقها بقيادة الصحفي يوسف الحيرش، حصلت شركة “إفريقيا” في دجنبر 2024 على صفقة بقيمة 2,443 مليار درهم لتزويد محطتي المحمدية وطانطان بالفيول. وفي دجنبر 2025، حازت شركة “بيتروم” ثلاث صفقات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 1,331 مليار درهم، لتزويد محطات المحمدية وطانطان والقنيطرة والعيون. ثم عادت “إفريقيا” في فبراير 2026 لتحصل على صفقة جديدة بقيمة 52,6 مليون درهم تقريباً، لتزويد محطة تطوان بنوع خاص من الفيول.
ويطرح التحقيق، بحسب المصادر نفسها، سؤالاً مركزياً: من المستفيد من استمرار اعتماد المكتب الوطني للكهرباء على الفيول، في وقت يتأخر فيه مشروع غازي يفترض أن يوفر بديلاً تدريجياً للوقود السائل؟ ويثير كذلك شبهات تتعلق بتضارب المصالح وتداخل النفوذ الاقتصادي والسياسي في القطاع، بالنظر إلى أن “إفريقيا” تنتمي إلى مجموعة تعود ملكيتها لعائلة رئيس الحكومة المنتهية ولايته.
وتجدر الإشارة إلى أن “الاختيار24” لم تطلع على النص الكامل للتحقيق، وأن هذه الأرقام تبقى منسوبة إلى المجلة، في انتظار أن تؤكدها أو تنفيها الجهات المعنية، وفي مقدمتها المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
لماذا لا يزال المغرب يحرق الفيول لإنتاج الكهرباء؟
لفهم هذه الصفقات، لا بد من العودة إلى أكتوبر 2021. في ذلك الشهر، قررت الجزائر عدم تجديد عقد أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، الذي كان يعبر التراب المغربي نحو إسبانيا. وبذلك فقد المغرب، بين ليلة وضحاها، الغاز الذي كان يحصل عليه كحقوق عبور، والذي كان يغذي محطتي تهدارت وعين بني مطهر لإنتاج الكهرباء.
منذ ذلك الحين، لجأ المغرب إلى حلول مؤقتة، أبرزها استيراد الغاز الطبيعي المسال عبر المحطات الإسبانية، ثم ضخه في الاتجاه المعاكس عبر الأنبوب نفسه. لكن هذه الكميات تبقى محدودة، وظلت محطات عدة تعتمد على الفيول، وهو وقود أغلى وأكثر تلويثاً.
ومن هنا جاءت فكرة المشروع الذي يوجد اليوم في قلب الجدل.
الناظور: مشروع كبير على الورق
في إطار خارطة طريق الغاز الطبيعي 2025-2030، أطلق المغرب مشروعاً وصفته وسائل الإعلام بأنه الأكبر من نوعه في تاريخ البلاد. ويقوم على إنشاء محطة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في ميناء الناظور غرب المتوسط، عبر وحدة عائمة للتخزين وإعادة التغويز، بقدرة تصل إلى 5,1 مليار متر مكعب سنوياً، قابلة للتوسع إلى 7,5 مليار.
وتربط هذه المحطة شبكة أنابيب تمتد من الأنبوب المغاربي الأوروبي نحو المحمدية، مع فرع ثانٍ نحو القنيطرة، لتغذية محطات الكهرباء والمناطق الصناعية على الساحل الأطلسي. وحسب ما نشر من تقديرات في دجنبر 2025، تبلغ كلفة المحطة نحو 273 مليون دولار، وتمديد الأنبوب نحو المحمدية حوالي 638,7 مليون دولار، ليناهز مجموع الاستثمار 954 مليون دولار.
وبالموازاة مع ذلك، أطلق المكتب الوطني للكهرباء مسطرة لإنجاز دراسة التأثير البيئي لمحطة كهربائية جديدة بالناظور، تشتغل بالغاز الطبيعي وفق تقنية الدورة المركبة، بقدرة 1200 ميغاواط، ويفترض أن تدخل الخدمة في أفق سنة 2029.
فبراير 2026: التعليق المفاجئ
غير أن المشروع اصطدم بعقبة أولى في فبراير 2026. فقد أعلنت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة أنها أوقفت مؤقتاً طلب العروض الخاص ببناء خط الأنابيب، الذي كانت قد أطلقته قبل شهر واحد فقط. وبررت الوزارة قرارها بظهور “معايير وافتراضات جديدة” تتعلق بالمشروع، دون تقديم تفاصيل إضافية.
ولم تكشف الوزارة علناً، حسب ما اطلعنا عليه، عن طبيعة هذه المعايير الجديدة، ولا عن جدول زمني محين لاستئناف المسطرة. وهذا الغموض هو بالضبط ما فتح الباب أمام التأويلات.
قراءتان متعارضتان
أمام هذه المعطيات، تتقاطع قراءتان لا يمكن للصحافة المسؤولة أن تنحاز لإحداهما دون دليل.
القراءة الأولى، التي يطرحها تحقيق “ملفات” ومنتقدو الحكومة، ترى أن تعثر مشروع الغاز يطيل عمر الاعتماد على الفيول، وأن هذا الاعتماد يستفيد منه موزعون بعينهم، بينهم شركة مرتبطة بعائلة رئيس الحكومة. ومن هذا المنظور، يصبح التأخير سؤالاً سياسياً قبل أن يكون تقنياً.
أما القراءة الثانية، فتذكّر بأن مشاريع البنية التحتية الطاقية من هذا الحجم تعرف تأخيرات متكررة في كل دول العالم، لأسباب مالية وتقنية وجيوسياسية. وتذكّر أيضاً بأن الحرب في الخليج منذ أواخر فبراير قلبت حسابات سوق الغاز المسال عالمياً، وهو ما قد يفسر مراجعة “الافتراضات” التي تحدثت عنها الوزارة. كما أن صفقات الفيول تمر، من حيث المبدأ، عبر طلبات عروض عمومية تخضع لقواعد المنافسة والرقابة، وتبقى ضرورية لضمان استمرار إنتاج الكهرباء إلى أن يصبح البديل الغازي جاهزاً.
بين القراءتين، لا يمكن الحسم إلا بشيء واحد: الشفافية.
ما الذي يجب أن يُكشف؟
إن أفضل رد على الشبهات ليس الصمت ولا الاتهام المضاد، بل نشر المعطيات. وفي هذا الملف تحديداً، ثمة أسئلة ملموسة تنتظر أجوبة رسمية: كم عدد الشركات التي تقدمت بعروض في صفقات الفيول المذكورة؟ وما هي الأسعار المقترحة من كل منها؟ وعلى أي أساس تم الإسناد؟ وما هي بالتحديد “المعايير والافتراضات الجديدة” التي أدت إلى تعليق مشروع أنبوب الغاز، وما هو الجدول الزمني الجديد؟
هذه الأسئلة لا تستهدف شركة ولا شخصاً. إنها أسئلة يطرحها أي دافع ضرائب، لأن الفيول الذي يُشترى بالمليارات يُدفع ثمنه في النهاية من المال العام، ومن فاتورة الكهرباء التي تصل إلى كل بيت.
ولعل الحكومة المقبلة، أياً كانت تركيبتها، ستجد في هذا الملف اختباراً مبكراً لالتزامها بمبدأ الحكامة. كما يملك البرلمان الجديد، والمجلس الأعلى للحسابات، أدوات رقابية كفيلة بتبديد الشكوك أو تأكيدها.
في الجزء الرابع من هذا الملف، نضع الأرقام جنباً إلى جنب: سعر البرميل، وسعر اللتر في المحطة، وهوامش الربح، والغرامات، لنفهم بلغة الحساب ما الذي يدفعه المواطن فعلاً.
تنويه: تواصل “الاختيار24” مساعيها للحصول على توضيحات من المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، والشركات الواردة أسماؤها في هذا الجزء. وصفحاتنا مفتوحة لحق الرد.
ملف المحروقات: اقرأ الأجزاء كاملة
- الجزء الأول: افتتاحية | الوقود الذي يحرك السياسة
- الجزء الثاني: تسع شركات وسوق واحدة: تشريح قطاع توزيع المحروقات في المغرب
- الجزء الرابع: من البرميل إلى الخزان: ما الذي يدفعه المغربي فعلاً في لتر الغازوال؟
