f x ig yt
الأحد، 18 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

ملف الصحراء أمام مجلس الأمن.. هل يقود تعثر المفاوضات إلى خيارات أممية أكثر صرامة؟

مع اقتراب تجديد ولاية «المينورسو»، تتزايد التساؤلات بشأن خيارات مجلس الأمن لتجاوز تعثر المفاوضات. غير أن الانتقال إلى تدابير إلزامية يظل رهيناً بشروط قانونية وتوازنات سياسية تتجاوز مجرد استمرار الخلاف بين الأطراف.

دبلوماسية المغرب 📅 18 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
جلسة تصويت داخل مجلس الأمن الدولي بمقر الأمم المتحدة في نيويورك. الصورة: أرشيفية.

عاد ملف الصحراء إلى واجهة النقاش الدبلوماسي مع اقتراب موعد تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو»، المقرر انتهاؤها في 31 أكتوبر 2026. وتأتي هذه المحطة وسط استمرار الخلافات بشأن الإطار السياسي للتسوية، رغم التحول الذي حمله قرار مجلس الأمن رقم 2797 بشأن اعتماد المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات.

ويطرح تعثر العملية السياسية سؤالاً يتجاوز تجديد ولاية البعثة الأممية إلى طبيعة الأدوات التي يمكن أن يستخدمها مجلس الأمن لدفع الأطراف نحو اتفاق. فهل يكتفي المجلس بمواصلة الضغط الدبلوماسي، أم يمكن أن ينتقل إلى تدابير أكثر إلزاماً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؟

تكمن أهمية هذا السؤال في ضرورة الفصل بين ما يسمح به القانون الدولي وما ترجحه موازين القوى داخل المجلس. فامتلاك مجلس الأمن صلاحيات واسعة لا يعني أن استخدامها يصبح تلقائياً عند تعثر المفاوضات، كما أن استمرار النزاع لا يكفي وحده للتنبؤ بقرار عقابي أو بتدخل قسري.

القرار 2797.. تحول في مرجعية التفاوض لا نهاية للنزاع

شكّل القرار 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، محطة مهمة في معالجة مجلس الأمن لملف الصحراء. فقد دعا إلى مواصلة المفاوضات انطلاقاً من المقترح المغربي للحكم الذاتي، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، ومتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة.

واعتبر المجلس أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق، مع تأكيد ضرورة التوصل إلى حل يتيح تقرير مصير سكان الصحراء الغربية. كما شجع الأطراف على تقديم أفكار بناءة والمشاركة في المناقشات دون شروط مسبقة.

بالنسبة إلى المغرب، يعزز هذا القرار الموقع الدبلوماسي لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها سنة 2007. أما جبهة البوليساريو، فتواصل التمسك بموقف مختلف بشأن تقرير المصير وطبيعة الحل النهائي. ويظل هذا التباين أحد أبرز العوائق أمام الانتقال من التفاوض حول المبادئ العامة إلى الاتفاق على ترتيبات سياسية ومؤسساتية محددة.

ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين دعم مجلس الأمن أساساً تفاوضياً معيناً وبين إقرار تسوية نهائية. فالقرار لم ينه النزاع، ولم ينقل السيادة على الإقليم بموجب حكم قضائي أو اتفاق نهائي، بل حدد إطاراً سياسياً جديداً نسبياً لمواصلة البحث عن حل.

لماذا لا يؤدي الجمود تلقائياً إلى الفصل السابع؟

ينظم الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة الوسائل السلمية لتسوية المنازعات، بما فيها التفاوض والوساطة والتوفيق. أما الفصل السابع، فيمنح مجلس الأمن صلاحيات لاتخاذ تدابير عندما يقرر وجود تهديد للسلم أو إخلال به أو وقوع عمل عدواني.

وتشكل المادة 39 نقطة الانطلاق في هذا المسار، لأنها تخول المجلس تحديد طبيعة التهديد واتخاذ ما يراه مناسباً من توصيات أو تدابير. وقد تشمل هذه التدابير إجراءات غير عسكرية، وفق المادة 41، بينما تتناول المادة 42 إمكان اتخاذ إجراءات عسكرية في الحالات التي يقرر فيها المجلس أن التدابير الأخرى غير كافية.

غير أن الانتقال إلى هذا المستوى لا يحدث بمجرد إعلان فشل جولة تفاوضية. فمجلس الأمن يحتاج إلى تقدير قانوني وسياسي لطبيعة الوضع، وإلى توافق يسمح باعتماد قرار جديد. كما أن القرارات الموضوعية تتطلب تسعة أصوات مؤيدة على الأقل، مع عدم استخدام أي عضو دائم حق النقض.

لذلك، فإن الحديث عن الفصل السابع في ملف الصحراء يبقى احتمالاً قانونياً عاماً، وليس نتيجة يمكن استنتاجها مباشرة من تعثر الوساطة الأممية. وقد يختار المجلس تشديد صياغة قراراته أو توسيع أدوات المتابعة دون الانتقال إلى التدابير المنصوص عليها في هذا الفصل.

دي ميستورا أمام صعوبة الانتقال من المبادئ إلى التفاصيل

تتركز مهمة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، على تقريب المواقف وإعادة تنشيط العملية السياسية. غير أن هذه المهمة تواجه إشكالاً أساسياً يتعلق بتباعد تصورات الأطراف بشأن طبيعة الحل النهائي وضمانات تنفيذه.

فالتفاوض حول الحكم الذاتي، إذا تحول إلى مناقشة مؤسساتية مفصلة، سيطرح مسائل تتعلق بتوزيع الاختصاصات والموارد، وطبيعة المؤسسات المحلية، والضمانات القانونية والسياسية، وآليات تنفيذ أي اتفاق محتمل.

ولا يكفي الاتفاق على عنوان عام لتجاوز هذه الخلافات. فكل تسوية تحتاج إلى ترتيبات دقيقة تحدد المسؤوليات وتوفر ضمانات قابلة للتطبيق، بما يحد من احتمالات تجدد النزاع.

ومن هنا يمكن فهم أهمية الدور الذي ينتظر مجلس الأمن في المرحلة المقبلة. فقد يسعى إلى جعل العملية السياسية أكثر تحديداً من خلال تشجيع الأطراف على مناقشة مقترحات عملية، بدلاً من الاكتفاء بتكرار المواقف المعلنة.

لكن هذا الخيار سيظل مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف للتفاوض وبقدرة الوسطاء الدوليين على توفير أرضية مشتركة.

المينورسو.. بين استمرار المهمة ومراجعة دورها

أنشئت بعثة «المينورسو» سنة 1991 في سياق ترتيبات وقف إطلاق النار وخطة التسوية الأممية. وعلى امتداد العقود التالية، استمرت البعثة رغم تعثر تنفيذ التصور الأصلي للاستفتاء وتغير الظروف السياسية والميدانية.

وجدد القرار 2797 ولايتها إلى غاية 31 أكتوبر 2026، مع مطالبة الأمين العام بتقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل مهمتها في ضوء نتائج المفاوضات.

ويفتح ذلك نقاشاً حول مدى ملاءمة أدوات البعثة للمرحلة المقبلة. فقد يقرر مجلس الأمن تمديد الولاية دون تعديلات جوهرية، أو إدخال تغييرات على بعض جوانب المهمة، أو تعزيز الصلة بين حضور الأمم المتحدة ميدانياً والمسار السياسي الذي يقوده المبعوث الشخصي.

غير أن تعديل ولاية البعثة لا يعني بالضرورة إخضاع النزاع للفصل السابع. فهناك مساحة واسعة من القرارات الدبلوماسية والمؤسساتية التي يستطيع المجلس اتخاذها قبل اللجوء إلى تدابير أكثر إلزاماً.

ويظل استمرار الحضور الأممي مرتبطاً أيضاً بالحاجة إلى متابعة التطورات الميدانية والحد من مخاطر التصعيد، في ظل غياب اتفاق سياسي نهائي.

مواقف القوى الكبرى.. العامل الحاسم في خيارات المجلس

لا تتحدد قرارات مجلس الأمن بالنصوص القانونية وحدها، بل تتأثر كذلك بمواقف الدول الأعضاء، وخاصة الدول الخمس الدائمة العضوية. ولهذا فإن أي تصور بشأن الانتقال إلى الفصل السابع يحتاج إلى قراءة التوازنات الدولية المحيطة بالنزاع.

تدعم الولايات المتحدة وفرنسا المقترح المغربي للحكم الذاتي، بينما تختلف مقاربات بقية القوى الكبرى بشأن تفاصيل التسوية ودور الأمم المتحدة. وقد أظهرت عملية التصويت على القرار 2797 استمرار التباين داخل المجلس، رغم نجاحه في اعتماد النص.

ويجعل هذا الواقع التوافق على تدابير قسرية أكثر تعقيداً من التوافق على تجديد ولاية البعثة أو تشجيع المفاوضات. فالدول قد تتفق على ضرورة تجنب التصعيد، لكنها تختلف بشأن تحديد المسؤوليات أو طبيعة الضغوط التي ينبغي ممارستها.

كما أن استخدام الفصل السابع ليس إجراءً موجهاً تلقائياً ضد طرف بعينه. فطبيعة أي تدبير ونطاقه والجهات المخاطبة به تتحدد في القرار الذي يعتمده المجلس، وفق الوقائع التي يستند إليها والتوافق السياسي الذي يسمح بصدوره.

ثلاثة مسارات محتملة أمام مجلس الأمن

يمكن تصور ثلاثة اتجاهات رئيسية في ضوء المعطيات المتاحة، دون اعتبار أي منها نتيجة محسومة.

يتمثل الاتجاه الأول في تجديد ولاية «المينورسو» مع الإبقاء على الإطار السياسي العام للقرار 2797. وسيعني ذلك استمرار الوساطة الأممية ومحاولة دفع الأطراف نحو مفاوضات أكثر جدية، مع تجنب تغيير جوهري في أدوات المجلس.

أما الاتجاه الثاني، فيقوم على تشديد اللغة الدبلوماسية وتحديد مطالب أكثر وضوحاً بشأن الانخراط في العملية السياسية. وقد يتضمن ذلك دعوات إلى تقديم مقترحات مفصلة أو مراجعة بعض آليات المتابعة والتقييم.

ويرتبط الاتجاه الثالث بتصعيد قانوني أكبر إذا شهد الوضع تطورات ميدانية خطيرة أو خلص المجلس إلى وجود تهديد للسلم والأمن الدوليين يستدعي تدابير إضافية. غير أن هذا الاحتمال يتطلب شروطاً مستقلة عن مجرد استمرار الخلاف السياسي، فضلاً عن توافق داخل المجلس.

وبناءً على الوثائق الرسمية المتاحة حتى الآن، يبدو استمرار المسار التفاوضي مع احتمال تشديد الضغط السياسي أقرب إلى جدول أعمال المجلس المعلن من الانتقال الفوري إلى الفصل السابع.

هل يملك مجلس الأمن القدرة على إنهاء النزاع؟

تكشف تجربة الصحراء أن القرارات الدولية تستطيع تعديل الإطار السياسي للنزاع، لكنها لا تضمن وحدها الوصول إلى اتفاق قابل للتنفيذ. فقد استمرت العملية الأممية لعقود، وتعاقبت مبادرات ومبعوثون دون التوصل إلى تسوية نهائية.

ويعود جانب من هذه الصعوبة إلى اختلاف الأطراف حول مضمون تقرير المصير، وطبيعة السلطة السياسية التي يمكن أن تنشأ عن الاتفاق، والضمانات اللازمة لقبوله وتنفيذه.

كما أن النزاع يرتبط بعلاقات إقليمية معقدة، خصوصاً بين المغرب والجزائر، وبحسابات أمنية ودبلوماسية تتجاوز الإقليم نفسه. ولذلك يصعب فصل أي تقدم في المفاوضات عن المناخ السياسي الأوسع في المنطقة.

قد يستطيع مجلس الأمن توفير إطار أكثر تحديداً للمحادثات، أو زيادة الضغوط الدبلوماسية على الأطراف. لكنه سيظل بحاجة إلى تعاون فعلي يسمح بتحويل أي تسوية إلى مؤسسات وقواعد قابلة للاستمرار.

بين الضغط الدبلوماسي والحسم القانوني

لا يشير تعثر المفاوضات، في حد ذاته، إلى أن مجلس الأمن أصبح على وشك تفعيل الفصل السابع في ملف الصحراء. فمثل هذا الانتقال يتطلب تحديداً قانونياً لطبيعة التهديد، وتوافقاً سياسياً بين أعضاء المجلس، وقراراً يحدد التدابير المراد اتخاذها.

وفي المقابل، لا يعني استبعاد هذا السيناريو في المرحلة الراهنة أن المجلس عاجز عن تعديل مقاربته. فقد يشدد شروط المتابعة، أو يعيد النظر في بعض جوانب ولاية «المينورسو»، أو يطالب بمفاوضات أكثر تحديداً بشأن مضمون التسوية.

ويبدو أن الاختبار الأهم في أكتوبر 2026 لا يتعلق فقط بمستوى الضغط الذي سيمارسه المجلس، بل بقدرته على تحويل المرجعية السياسية التي حددها القرار 2797 إلى مسار تفاوضي منتج.

فبين دعم الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات والوصول إلى اتفاق نهائي، تظل هناك مسائل سياسية وقانونية ومؤسساتية تحتاج إلى معالجة. وعلى كيفية التعامل معها سيتوقف مستقبل العملية الأممية، أكثر مما يتوقف على مجرد تداول احتمال الفصل السابع.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً