f x ig yt
السبت، 17 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

انتقال السلطة التنفيذية بين استمرارية الدولة ومساءلة السياسات الحكومية

يثير انتقال رئاسة الحكومة المغربية من عزيز أخنوش إلى فاطمة الزهراء المنصوري نقاشاً يتجاوز مراسم تسليم السلط، ليشمل حصيلة التدبير السابق وحدود التغيير داخل السلطة التنفيذية، ومدى قدرة القيادة الجديدة على تصحيح الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية دون التنصل من المسؤولية السياسية عن استمرارها.

الحكومة والبرلمان 📅 17 أكتوبر 2026 ⏱ 9 دقائق
فاطمة الزهراء المنصوري وعزيز أخنوش خلال لقاء بمناسبة انتقال رئاسة الحكومة المغربية. (صورة توضيحية )

لم تكن مراسم تسليم السلط بين عزيز أخنوش وفاطمة الزهراء المنصوري، التي جرت السبت 17 أكتوبر 2026 بمقر رئاسة الحكومة في الرباط، مجرد إجراء بروتوكولي يعلن انتهاء مسؤولية حكومية وبداية أخرى. فقد شكلت هذه المحطة انتقالاً سياسياً ومؤسساتياً يفتح النقاش حول العلاقة بين استمرارية الدولة وتغيير القيادة التنفيذية، وحول المسؤولية عن السياسات السابقة ومدى قدرة الحكومة الجديدة على مراجعتها دون تعطيل المشاريع القائمة.

وجاء انتقال المسؤولية غداة تعيين أعضاء الحكومة الجديدة من طرف الملك محمد السادس، في أعقاب انتخابات تشريعية أفضت إلى تغيير الحزب الذي يقود الأغلبية الحكومية. وقد جرى خلال مراسم التسليم استعراض الملفات الاستراتيجية والأوراش الاجتماعية والاقتصادية الجارية، مع التأكيد على مواصلة العمل المؤسساتي وضمان انتظام تنفيذ البرامج الكبرى. غير أن هذا التأكيد على الاستمرارية، رغم أهميته الإدارية، لا يقدم وحده جواباً عن السؤال السياسي الذي يفرض نفسه مع كل تغيير حكومي: ما الذي ينبغي الحفاظ عليه من حصيلة المرحلة السابقة، وما الذي يستوجب المراجعة والتصحيح؟

تسليم السلط بين الرمزية السياسية واستمرارية المؤسسات

تكتسب مراسم تسليم السلط أهميتها من كونها تجسد انتقال المسؤولية داخل المؤسسات، بما يضمن استمرار الإدارة العمومية وعدم ارتباط عمل الدولة ببقاء الأشخاص في مناصبهم. فالحكومة الجديدة لا تتسلم إدارة تبدأ من الصفر، وإنما ترث برامج والتزامات مالية واتفاقيات ومشاريع تتجاوز في كثير من الأحيان مدة الولاية الحكومية الواحدة.

وقد عكست مراسم انتقال المسؤولية بين أخنوش والمنصوري هذا البعد المؤسساتي، من خلال التأكيد على استمرارية الأوراش الكبرى والتنسيق بين المسؤولين لضمان حسن سير العمل الحكومي. غير أن الانتقال المنظم للسلطة لا ينبغي الخلط بينه وبين المصادقة السياسية على جميع الاختيارات السابقة، لأن احترام استمرارية الدولة لا يلغي حق الحكومة الجديدة في مراجعة السياسات أو تعديل أولوياتها.

وتظهر هنا إحدى المفارقات الأساسية في التداول الحكومي، إذ يتعين على المسؤول الجديد ضمان استمرار المرافق العمومية، وفي الوقت نفسه تقديم ما يبرر سياسياً وصوله إلى موقع المسؤولية. فإذا كانت جميع السياسات ستستمر دون مراجعة، فإن التغيير قد يبدو محدوداً في أثره. أما إذا اتجهت الحكومة إلى إلغاء البرامج السابقة لمجرد اختلاف القيادة، فقد يؤدي ذلك إلى هدر الموارد وتعطيل مشاريع يحتاج إليها المواطنون.

ومن ثم، فإن التمييز بين استمرارية المؤسسات واستمرارية الاختيارات السياسية يمثل شرطاً ضرورياً لفهم طبيعة المرحلة الجديدة.

حصيلة حكومة أخنوش.. بين الإصلاحات المعلنة والنتائج الاجتماعية

لا يمكن تقييم انتقال السلطة التنفيذية دون العودة إلى حصيلة الحكومة السابقة، التي تولت تدبير مرحلة اتسمت بتحديات اقتصادية واجتماعية متداخلة، شملت تداعيات التضخم والجفاف وضغوط القدرة الشرائية، إلى جانب مواصلة برامج الحماية الاجتماعية والاستثمار وإصلاح الخدمات العمومية.

وقد ارتبطت مرحلة أخنوش بإطلاق وتنفيذ مجموعة من الأوراش الاجتماعية والمؤسساتية، خصوصاً توسيع الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر وإصلاح المنظومة الصحية. غير أن وجود هذه البرامج لا يكفي وحده للحكم على نجاحها، لأن التقييم يتطلب التمييز بين الأهداف المعلنة وحجم الموارد المخصصة والنتائج التي تحققت فعلياً.

ففي مجال الحماية الاجتماعية، ينبغي قياس أثر البرامج على أوضاع الأسر المستفيدة ومدى انتظام الخدمات وجودتها، وليس الاكتفاء بعدد المسجلين أو المستفيدين. كما أن إصلاح الصحة لا يمكن اختزاله في التغطية القانونية، ما دام الحصول على العلاج يرتبط أيضاً بتوفر الأطباء والتجهيزات وجودة المستشفيات وتوزيع الخدمات بين المناطق.

أما في المجال الاقتصادي، فإن تقييم حصيلة الحكومة السابقة يحتاج إلى فحص تطور التشغيل والدخل والاستثمار والإنتاجية، مع مراعاة الظروف المناخية والدولية التي أثرت في الاقتصاد المغربي. فليس من الموضوعية تحميل الحكومة مسؤولية جميع العوامل الخارجية، كما لا يصح استخدام هذه العوامل لتبرير كل اختلال داخلي أو إعفاء السياسات العمومية من المحاسبة.

وتبرز أهمية هذا التقييم في أنه يمنع تحويل انتقال السلطة إلى مجرد مواجهة بين خطاب يمجد الحصيلة السابقة وآخر ينفي عنها كل إنجاز. فالقراءة النقدية الجادة تقتضي الاعتراف بما تحقق، وتحديد ما تعثر، والبحث في أسباب النتائج دون محاباة أو أحكام مسبقة.

حكومة المنصوري.. التجديد السياسي وحدود القطيعة

يمثل وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة تحولاً في قيادة السلطة التنفيذية، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث قطيعة شاملة مع السياسات السابقة. فقد احتفظت التشكيلة الجديدة بعدد من الوزراء في قطاعات أساسية، من بينها الداخلية والخارجية والعدل والتجهيز والماء والصناعة والنقل، بينما شهدت حقائب أخرى تغييرات في المسؤولين.

ويمكن تفسير هذا التوزيع باعتباره محاولة للجمع بين الاستمرارية المؤسساتية والتجديد السياسي، غير أن طبيعة التغيير لا تتحدد بالأسماء وحدها. فاستمرار وزير في منصبه قد يسمح بمواصلة إصلاحات تحتاج إلى وقت، لكنه يفرض أيضاً مساءلته عن النتائج السابقة. وفي المقابل، فإن تعيين مسؤول جديد لا يضمن تحسين الأداء إذا ظلت آليات التدبير والتمويل والمحاسبة دون تغيير.

وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بالقطاعات الاجتماعية، حيث تتراكم الإصلاحات عبر سنوات وتتداخل مسؤوليات الحكومات المتعاقبة. ولذلك فإن حكومة المنصوري مطالبة بتوضيح ما ستحتفظ به من البرامج السابقة، وما ستعمل على مراجعته، وما إذا كانت ستعتمد مؤشرات جديدة لتقييم الأداء.

فالتغيير السياسي الذي لا يقدم تفسيراً واضحاً لاختياراته قد يتحول إلى مجرد إعادة توزيع للمسؤوليات، بينما يصبح أكثر مصداقية عندما يستند إلى تشخيص معلن وقرارات قابلة للتنفيذ والمساءلة.

أين تنتهي مسؤولية الحكومة السابقة وتبدأ مسؤولية الجديدة؟

تطرح عملية انتقال السلطة إشكالاً يتعلق بتحديد المسؤولية السياسية عن المشاريع والقرارات التي تمتد عبر أكثر من ولاية حكومية. فبعض البرامج تنطلق في عهد حكومة، ثم تستمر خلال حكومة أخرى، وقد لا تظهر نتائجها إلا بعد سنوات من بدء تنفيذها.

وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري التمييز بين مسؤولية اتخاذ القرار الأصلي، ومسؤولية تنفيذه، ومسؤولية مراجعته عندما تظهر اختلالات. فلا يجوز للحكومة الجديدة أن تنسب إلى نفسها جميع النتائج الإيجابية للبرامج الموروثة، ثم تحمل الحكومة السابقة وحدها مسؤولية جوانب القصور التي تستمر بعد انتقال السلطة.

كما أن الحكومة المنتهية ولايتها لا تستطيع اعتبار مجرد إطلاق مشروع دليلاً نهائياً على نجاحه، لأن النجاح يرتبط بالنتائج والاستدامة والكلفة ومدى استفادة المواطنين.

ومن هنا، فإن إحدى الأولويات التي يمكن أن تعزز الشفافية تتمثل في نشر حصيلة انتقالية دقيقة للبرامج الحكومية، توضح ما أنجز وما يزال قيد التنفيذ، والموارد التي صرفت، والالتزامات المالية المتبقية، والصعوبات التي تواجه التنفيذ.

وسيتيح هذا النوع من التقييم للبرلمان والرأي العام التمييز بين المسؤوليات، والحد من استخدام الحصيلة الحكومية أداة للدعاية أو تبادل الاتهامات بين الأحزاب.

موازين القرار في النظام الدستوري المغربي

لا يمكن فهم انتقال رئاسة الحكومة بمعزل عن توزيع الاختصاصات داخل النظام الدستوري المغربي. فدستور 2011 يحدد صلاحيات الملك ورئيس الحكومة والمجلسين الوزاري والحكومي، بما يجعل ممارسة السلطة التنفيذية مرتبطة بإطار مؤسساتي تتوزع داخله المسؤوليات وفق طبيعة القرارات والقطاعات.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المجالات الاستراتيجية التي تتجاوز أفق الولاية الحكومية، حيث تستمر توجهات ومشاريع كبرى رغم تغير الأغلبية. غير أن وجود اختيارات استراتيجية طويلة المدى لا يلغي مسؤولية الحكومة عن تدبير البرامج والميزانيات والقرارات التي تدخل ضمن اختصاصاتها.

وتبرز المفارقة عندما تستخدم استمرارية التوجهات العامة لتفسير محدودية التغيير الحكومي، في حين تقدم الأحزاب خلال الانتخابات برامج تتعهد فيها بتحسين الأداء وتعديل السياسات. ويقتضي التعامل الموضوعي مع هذه المسألة تحديد المجالات التي تستطيع الحكومة التدخل فيها، والقرارات التي تتطلب تنسيقاً مؤسساتياً أوسع، بدلاً من تقديم السلطة التنفيذية باعتبارها مسؤولة عن كل شيء أو غير مسؤولة عن أي شيء.

فالعمل الحكومي لا يقاس فقط بحجم الصلاحيات النظرية، وإنما أيضاً بكيفية استعمال الاختصاصات المتاحة، ومدى قدرة رئيسة الحكومة على تنسيق العمل الوزاري وتحسين فعالية الإدارة العمومية.

الأحزاب السياسية.. هل تعني خسارة القيادة مراجعة التجربة؟

يفتح انتقال رئاسة الحكومة من عزيز أخنوش إلى فاطمة الزهراء المنصوري نقاشاً داخل الأحزاب المغربية حول العلاقة بين المسؤولية الحكومية والمحاسبة الانتخابية. فقد انتقل حزب التجمع الوطني للأحرار من قيادة الحكومة إلى موقع سياسي مختلف، بينما تولى حزب الأصالة والمعاصرة قيادة الأغلبية الجديدة ضمن تحالف يضم أحزاباً ذات مرجعيات وتجارب متباينة.

ولا ينبغي تفسير هذا الانتقال باعتباره حكماً شاملاً على جميع السياسات السابقة، لأن نتائج الانتخابات تتأثر بعوامل متعددة، من بينها أداء الحكومة والأوضاع الاقتصادية والتحالفات المحلية والتنظيم الحزبي. غير أن فقدان موقع القيادة يفرض على الحزب المعني تقديم قراءة سياسية لحصيلته، وتفسير أسباب تراجع موقعه أو تغير علاقته بالناخبين.

وفي المقابل، فإن الأحزاب المشاركة في الحكومة الجديدة تتحمل مسؤولية توضيح الأسس التي يقوم عليها تحالفها، خصوصاً عندما تختلف برامجها أو مواقفها السابقة من بعض الملفات الاجتماعية والاقتصادية.

وتكمن أهمية هذه المساءلة في منع تحول التداول الحكومي إلى مجرد انتقال للمناصب بين الأحزاب، دون مراجعة فعلية للبرامج والالتزامات التي قدمتها للناخبين.

من الاستمرارية الإدارية إلى المحاسبة السياسية

تحتاج الحكومة الجديدة إلى الحفاظ على انتظام العمل الإداري، لكنها تحتاج أيضاً إلى بناء علاقة واضحة بين البرنامج الذي ستقدمه والنتائج التي ستلتزم بتحقيقها. فاستمرارية المؤسسات تمثل شرطاً ضرورياً للاستقرار، لكنها لا تصبح قيمة سياسية كافية إذا لم تقترن بتحسين الأداء والاستجابة للحاجات الاجتماعية.

وتبرز هنا أهمية البرلمان، الذي يفترض أن يتجاوز دوره منح الثقة إلى مراقبة تنفيذ الالتزامات الحكومية وتقييم السياسات العمومية. كما ينبغي أن تشمل هذه الرقابة البرامج الموروثة، حتى لا تصبح المسؤوليات المتعاقبة سبباً في ضياع المحاسبة.

ويقتضي ذلك تحديد مؤشرات واضحة في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والاستثمار والعدالة المجالية، مع نشر نتائج دورية تسمح بمقارنة الأهداف المعلنة بما تحقق فعلياً.

فالحكومة التي ترث برنامجاً ناجحاً تستطيع تطويره، والتي ترث برنامجاً متعثراً تتحمل مسؤولية تقييمه وتصحيحه، أما الاكتفاء بتبادل المسؤولية بين السابق واللاحق فلا يقدم للمواطنين حلولاً عملية.

انتقال السلطة لا يكفي لصناعة التغيير

تؤكد مراسم تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري انتظام الانتقال المؤسساتي واستمرار عمل الدولة، لكنها لا تسمح وحدها بالحكم على طبيعة المرحلة الحكومية الجديدة. فالتغيير الحقيقي سيظهر في مضمون البرنامج الحكومي، وفي ترتيب الأولويات، وفي القرارات التي ستتخذها السلطة التنفيذية لمعالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.

ولا يمكن مطالبة الحكومة الجديدة بإحداث تحول شامل خلال أيام، كما لا يصح منحها حصانة سياسية بحجة أنها ورثت مشكلات تراكمت عبر سنوات. فالمحاسبة العادلة تقتضي منح الإصلاحات الوقت اللازم، مع تحديد المسؤوليات ومراقبة التنفيذ وعدم التساهل مع استمرار الاختلالات دون تفسير.

ومن هذا المنطلق، فإن انتقال السلطة التنفيذية لا ينبغي أن ينهي النقاش حول حصيلة حكومة أخنوش، ولا أن يحصر تقييم حكومة المنصوري في رمزية التغيير السياسي. فالمسؤولية الحكومية عملية متصلة، تتعاقب خلالها القيادات بينما تستمر آثار القرارات في حياة المواطنين.

وبين استمرارية الدولة وضرورة مراجعة السياسات، ستتحدد قدرة الحكومة الجديدة على إثبات أن انتقال السلطة لم يكن مجرد تغيير في القيادة، بل فرصة لتحسين الأداء العام وترسيخ المحاسبة السياسية. أما المعيار النهائي فلن يكون في نجاح مراسم التسليم أو حجم التعهدات المعلنة، وإنما في النتائج التي ستظهر داخل المدارس والمستشفيات وسوق العمل، وفي قدرة المؤسسات على الاعتراف بما تعثر وتصحيح ما يحتاج إلى إصلاح.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً