f x ig yt
السبت، 17 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

المنصوري أمام البرلمان.. هل يتحول البرنامج الحكومي إلى التزامات قابلة للمحاسبة؟

تستعد الحكومة المغربية الجديدة لعرض برنامجها أمام البرلمان، وسط اختبار سياسي يتجاوز الحصول على ثقة الأغلبية إلى تحديد أولويات الإصلاح وكلفة الوعود وآليات تنفيذها، في ظل تحديات اجتماعية واقتصادية تضع السلطة التنفيذية والأحزاب الداعمة لها أمام مسؤولية مشتركة.

الحكومة والبرلمان 📅 17 أكتوبر 2026 ⏱ 8 دقائق
مجلس النواب المغربي يستعد لاستقبال جلسة تقديم البرنامج الحكومي، الاثنين 19 أكتوبر 2026، تمهيداً لمناقشته والتصويت على الثقة. (الصورة: أرشيفية)

تدخل الحكومة المغربية الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، مرحلة سياسية حاسمة مع اقتراب عرض برنامجها أمام البرلمان، في جلسة مشتركة مقررة يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026. وإذا كان هذا الموعد يمثل محطة دستورية ضرورية في مسار تنصيب الحكومة، فإن أهميته السياسية تتجاوز تقديم وثيقة تتضمن التوجهات العامة والالتزامات القطاعية، لتطرح مسألة أكثر جوهرية تتعلق بمدى قدرة السلطة التنفيذية على تحويل وعودها إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم والمحاسبة.

وتأتي هذه المحطة في سياق يعرف تراكم انتظارات اجتماعية واقتصادية، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية والعدالة المجالية. وهي ملفات لا تحتاج إلى مزيد من التشخيص بقدر ما تتطلب تحديد المسؤوليات والموارد والآجال، بعدما أظهرت تجارب حكومية سابقة أن المسافة بين الإعلان عن الإصلاح وتحقيق نتائجه قد تكون أوسع مما توحي به البرامج الرسمية.

البرنامج الحكومي بين الالتزام الدستوري والاختبار السياسي

ينص الفصل 88 من الدستور المغربي على أن رئيس الحكومة يقدم، بعد تعيين أعضاء الحكومة، البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، وأن هذا البرنامج يتضمن الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني، وبالأخص ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية.

ويعرض البرنامج أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ثم تجري مناقشته في كل مجلس على حدة، قبل أن يصوت مجلس النواب على الثقة. ولا تعتبر الحكومة منصبة إلا بعد حصولها على ثقة الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب.

غير أن هذا الإطار الدستوري، على أهميته، لا يضمن وحده جودة البرنامج أو قابليته للتنفيذ. فالحكومة قد تحصل على الأغلبية المطلوبة بحكم التوازنات الحزبية، بينما تبقى بعض التزاماتها فضفاضة أو غير مرتبطة بموارد مالية واضحة. وهنا يظهر الفرق بين الشرعية البرلمانية التي يمنحها التصويت على الثقة، والمصداقية السياسية التي لا تتشكل إلا من خلال النتائج.

ومن ثم، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في عدد النواب الذين سيدعمون الحكومة، بل في طبيعة التعهدات التي ستقدمها، ومدى وضوح الوسائل التي تعتزم اعتمادها لتحقيقها.

أغلبية مريحة لا تعني رقابة ضعيفة بالضرورة

تستند حكومة المنصوري إلى تحالف حزبي يتيح لها السعي للحصول على ثقة مجلس النواب، لكن امتلاك أغلبية برلمانية لا يعفي مكوناتها من واجب المناقشة والمساءلة. فالدور الدستوري للبرلمان لا يقتصر على دعم الحكومة أو معارضتها، وإنما يشمل التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.

وتبرز هنا إحدى المفارقات المتكررة في الممارسة السياسية، عندما تتحول العلاقة بين الحكومة وأغلبيتها إلى تضامن سياسي يجعل مساءلة الوزراء تبدو وكأنها خروج عن الانضباط الحزبي. والحال أن الرقابة البرلمانية لا تفقد مشروعيتها عندما يمارسها نواب الأغلبية، بل تكتسب أهمية إضافية لأنها تسمح بتصحيح الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمات.

وفي المقابل، لا ينبغي للمعارضة أن تعتبر رفض البرنامج موقفاً كافياً في حد ذاته. فالمعارضة الجادة مطالبة بتحديد مكامن الضعف وتقديم بدائل قابلة للنقاش، مع التمييز بين القرارات التي تختلف معها سياسياً وتلك التي يمكن أن تحقق مصلحة عامة رغم صدورها عن حكومة لا تشارك فيها.

وسيكون مستوى النقاش البرلماني مؤشراً أولياً على طبيعة المرحلة الجديدة، خصوصاً إذا انتقل من تبادل الاتهامات والخطابات العامة إلى مناقشة التمويل والآجال والمؤشرات والنتائج المنتظرة.

الوعود الاجتماعية أمام اختبار الميزانية

تحتل الملفات الاجتماعية موقعاً مركزياً في انتظارات المواطنين، غير أن تحويل هذه الانتظارات إلى التزامات حكومية يقتضي تحديد كلفتها المالية ومصادر تمويلها. فالتوسع في الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات الصحية وتطوير التعليم وتوفير فرص العمل تتطلب موارد بشرية ومؤسساتية ومالية، ولا يمكن تحقيقها بمجرد الإعلان عن أولويات جديدة.

وتواجه الحكومة في هذا المجال معادلة دقيقة تتعلق بالتوفيق بين تمويل الاستثمارات الكبرى والاستجابة للحاجات الاجتماعية، مع المحافظة على التوازنات المالية. ولا يعني ذلك وجود تعارض حتمي بين الاستثمار الاقتصادي والإنفاق الاجتماعي، لأن بعض المشاريع قد تسهم في خلق فرص العمل وتحسين الخدمات، لكن الحكم على جدواها ينبغي أن يستند إلى عائدها الفعلي وتوزيع منافعها.

ومن هنا، ستكون الحكومة مطالبة بتوضيح الكيفية التي ستربط بها البرنامج الحكومي بمشاريع قوانين المالية المقبلة، حتى لا تبقى التعهدات منفصلة عن الاعتمادات التي يفترض أن تسمح بتنفيذها.

فإذا أعلنت الحكومة مثلاً تحسين الخدمات الصحية أو تقليص الفوارق التعليمية، فإن المعيار الأساسي لن يكون حجم المبالغ المعلنة وحده، بل أثرها على جودة الخدمات وعدالة توزيعها. كما ينبغي تحديد الجهات المسؤولة عن التنفيذ، والآجال المنتظرة، وآليات نشر النتائج بصورة تسمح للمواطنين والبرلمان بتقييم الأداء.

التعليم والصحة.. من إصلاح المؤسسات إلى إصلاح الخدمات

يمثل التعليم والصحة اختباراً مباشراً لمصداقية أي برنامج حكومي، لأن أثر السياسات في هذين القطاعين يظهر في الحياة اليومية للأسر، ولا يمكن تعويضه بالخطاب السياسي أو المؤشرات الإجمالية وحدها.

ففي التعليم، لا يكفي الحديث عن تحسين جودة المدرسة العمومية دون تحديد كيفية معالجة الفوارق بين المؤسسات والمناطق، وتقييم مستوى التعلمات، وتحسين ظروف التدريس، والحد من الانقطاع المدرسي. كما أن تغيير المسؤولين أو البرامج لا ينبغي أن يؤدي إلى إلغاء المبادرات السابقة دون تقييم موضوعي لنتائجها.

أما في الصحة، فإن نجاح الإصلاح يتوقف على قدرة المنظومة على توفير خدمات فعلية للمواطنين، خصوصاً في المناطق التي تعاني نقص الموارد البشرية والتجهيزات. وقد تكون إعادة التنظيم المؤسساتي ضرورية لتحسين الحكامة، لكنها لا تصبح إنجازاً اجتماعياً إلا عندما تنعكس على الولوج إلى العلاج وجودة الاستقبال وتقليص فترات الانتظار.

وتكمن المفارقة في أن الحكومات قد تقدم حصيلة إيجابية من حيث عدد المؤسسات المحدثة أو النصوص القانونية المعتمدة، بينما يظل المواطن يواجه صعوبات في الحصول على الخدمة. ولذلك فإن البرنامج الحكومي سيكون أكثر إقناعاً إذا انتقل من عرض الوسائل والإجراءات إلى تحديد النتائج التي يلتزم بتحقيقها.

التشغيل والقدرة الشرائية.. حدود المؤشرات الاقتصادية

لا يمكن فصل تقييم البرنامج الحكومي عن مسألة التشغيل، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب وحاملي الشهادات وسكان المناطق التي لا تستفيد بالقدر نفسه من فرص الاستثمار. فالنمو الاقتصادي لا يتحول تلقائياً إلى تحسن اجتماعي إذا لم يرافقه خلق فرص عمل منتجة ومستقرة، وتوزيع أوسع لمنافع النشاط الاقتصادي.

ويقتضي ذلك أن توضح الحكومة طبيعة القطاعات التي تراهن عليها في التشغيل، ومدى قدرة برامجها على معالجة الفجوة بين التكوين ومتطلبات سوق العمل. كما ينبغي التمييز بين فرص العمل المؤقتة والوظائف المستقرة، وبين ارتفاع عدد المستفيدين من برنامج معين وتحقيق إدماج اقتصادي فعلي.

أما القدرة الشرائية، فلا يمكن اختزالها في تطور الأسعار وحده، لأنها ترتبط أيضاً بمستويات الدخل وتكاليف السكن والنقل والتعليم والصحة. وقد تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية دون أن تشعر الأسر بتحسن مماثل في أوضاعها، خصوصاً عندما تستمر الفوارق الاجتماعية والمجالية.

ومن ثم، فإن البرنامج الحكومي يحتاج إلى مقاربة تربط السياسات الاقتصادية بالنتائج الاجتماعية، وتسمح بتقييم أثر القرارات على الفئات المختلفة، بدلاً من الاكتفاء بالمعدلات الوطنية التي قد تخفي تفاوتات واسعة.

العدالة المجالية.. الاختبار الذي يتجاوز الرباط والدار البيضاء

تطرح الفوارق بين الجهات تحدياً إضافياً أمام الحكومة الجديدة، لأن توزيع الاستثمارات والخدمات لا يزال من القضايا الأساسية في النقاش حول التنمية بالمغرب. فالمواطن في منطقة قروية أو مدينة صغيرة لا يقيم نجاح السياسات بالضرورة من خلال المشاريع الكبرى المعلنة وطنياً، وإنما من خلال توفر النقل والخدمات الصحية والمؤسسات التعليمية وفرص العمل.

وتزداد أهمية هذه المسألة مع استمرار الحديث عن الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، إذ لا يكفي نقل بعض الاختصاصات إلى المستوى الترابي دون توفير الموارد والكفاءات وآليات المحاسبة اللازمة لممارستها.

وسيكون من الضروري أن يوضح البرنامج الحكومي كيف تعتزم السلطة التنفيذية معالجة الفوارق في توزيع الخدمات والاستثمارات، وما إذا كانت ستعتمد مؤشرات جهوية تسمح بتتبع أثر السياسات على المناطق الأقل استفادة.

فالعدالة المجالية لا تتحقق بمجرد توزيع المشاريع على الخريطة، وإنما من خلال تقليص الفجوات الفعلية في شروط العيش والفرص الاقتصادية والاجتماعية.

من المسؤول عن الوعود عندما تتعثر؟

من أبرز الإشكالات التي تواجه البرامج الحكومية مسألة تحديد المسؤولية عند عدم تحقيق الأهداف. فكثيراً ما تقدم الحكومات التزامات جماعية، ثم تتوزع المسؤوليات بين الوزارات والمؤسسات والهيئات الترابية، بما يجعل تحديد أسباب التعثر أمراً معقداً.

ولا يعني ذلك أن جميع الإخفاقات تعود إلى سوء التدبير، لأن السياسات العمومية قد تتأثر بظروف اقتصادية أو مناخية أو دولية يصعب التحكم فيها. لكن وجود عوامل خارجية لا يعفي الحكومة من واجب التفسير، ولا من مراجعة اختياراتها عندما تظهر مؤشرات عدم فعاليتها.

ومن هنا، فإن البرنامج الحكومي الذي يحدد أهدافاً قابلة للقياس، ويربطها بآجال ومسؤوليات واضحة، يوفر أساساً أفضل للمحاسبة من برنامج يكتفي بالتوجهات العامة. كما أن نشر تقارير دورية عن تقدم التنفيذ من شأنه تعزيز قدرة البرلمان والمجتمع على التمييز بين الإنجازات الفعلية والتبريرات السياسية.

الثقة البرلمانية بداية المحاسبة وليست نهايتها

لا ينبغي التعامل مع جلسة تقديم البرنامج الحكومي باعتبارها نهاية مرحلة تشكيل الحكومة فحسب، بل بوصفها بداية اختبار سياسي ومؤسساتي سيمتد طوال الولاية. فالحصول على ثقة مجلس النواب يمنح الحكومة الأساس الدستوري لمباشرة مسؤولياتها، لكنه لا يمنحها تفويضاً مفتوحاً بعيداً عن الرقابة والتقييم.

وسيكون من السابق لأوانه الحكم على برنامج لم يعرض بعد، غير أن ذلك لا يمنع من تحديد المعايير التي ينبغي اعتمادهـا عند مناقشته. فوضوح الأولويات، وواقعية التمويل، وتحديد الآجال، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كلها عناصر تسمح بالتمييز بين برنامج سياسي قابل للتنفيذ ووثيقة عامة تجمع الوعود دون ضمانات كافية.

وبالنسبة إلى حكومة المنصوري، فإن التحدي لا يتمثل فقط في تأمين أغلبية برلمانية تدعمها، بل في إثبات أن هذه الأغلبية قادرة على إنتاج سياسات أكثر فعالية، وأن الاختلافات بين مكوناتها لن تتحول إلى عائق أمام اتخاذ القرارات الصعبة.

أما بالنسبة إلى البرلمان، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما ينتقل من التصويت على الثقة إلى مراقبة كيفية استعمالها. فالحكومة التي تحصل على الأغلبية تتحمل مسؤولية التنفيذ، والبرلمان الذي يمنحها الثقة يتحمل مسؤولية مساءلتها، بينما يبقى المواطن صاحب المصلحة الأساسية في أن تتحول التعهدات إلى نتائج ملموسة.

وبين الخطاب الحكومي والواقع الاجتماعي ستتحدد مصداقية المرحلة المقبلة، لأن الثقة السياسية لا تستمد قوتها من التصويت وحده، وإنما من القدرة على الوفاء بالالتزامات والاعتراف بالاختلالات وتصحيحها.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً