أكد البلاغ الرسمي المنشور على البوابة الوطنية للمملكة المغربية تعيين يونس بجيجو وزيراً للصحة والحماية الاجتماعية في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، خلفاً لأمين التهراوي. ويأتي التعيين في مرحلة قطع فيها إصلاح المنظومة الصحية أشواطاً تشريعية وتنظيمية، بينما تظل فعالية هذه التحولات في الحياة اليومية للمواطنين موضع اختبار.
ويطرح وصول مسؤول جديد إلى الوزارة سؤالاً يتجاوز سيرته المهنية أو خلفيته الأكاديمية، ويتعلق بقدرة الدولة على تحويل إصلاح مؤسساتي واسع إلى خدمات علاجية يسهل الوصول إليها. فالمواطن الذي ينتظر موعداً طبياً، أو يضطر إلى التنقل بين مدن مختلفة للحصول على علاج متخصص، لا يقيس نجاح الإصلاح بعدد النصوص القانونية الصادرة، بل بمدى توفر الطبيب والدواء والتجهيزات، وبجودة الاستقبال واستمرارية العلاج.
وزير جديد أمام إصلاح بدأ قبل تعيينه
لا يبدأ يونس بجيجو عمله من نقطة الصفر، فقد تسلم قطاعاً شهد خلال السنوات الماضية إصلاحات تشريعية ومؤسساتية واسعة. وشملت هذه الإصلاحات إعادة تنظيم المنظومة الصحية وإحداث المجموعات الصحية الترابية. كما امتدت إلى تطوير حكامة المستشفيات وتوسيع نطاق التغطية الصحية.
وتشير المعلومات المنشورة عن مساره المهني إلى تجربة في الطب والتدريس والبحث العلمي وتدبير المؤسسات الصحية. وقد تساعده هذه الخبرة على فهم الصعوبات اليومية التي تواجه العاملين داخل المستشفيات. غير أن التجربة المهنية لا تضمن وحدها نجاح التدبير الوزاري، لأن القطاع يرتبط بالتمويل والتكوين والتجهيز والإدارة والحماية الاجتماعية.
وتبرز هنا إحدى الإشكاليات الأساسية للإصلاح الصحي المغربي، وهي الفجوة بين بناء المؤسسات وتنفيذ السياسات على المستوى المحلي. فقد تُحدث مؤسسة جديدة وتُحدد اختصاصاتها بدقة، دون أن ينعكس ذلك مباشرة على جودة العلاج. ويحدث هذا عندما تغيب الموارد البشرية أو التجهيزات، أو يضعف التنسيق بين مختلف مستويات الرعاية الصحية.
ولهذا، سيكون من أولويات الوزير الجديد تقييم ما تحقق وتحديد البرامج التي تحتاج إلى تسريع أو مراجعة. وينبغي أن يجري ذلك دون إرباك الخدمات القائمة أو تعطيل المشاريع التي بلغت مراحل متقدمة.
المجموعات الصحية الترابية.. هل يتغير تدبير المستشفيات؟
يمثل إحداث المجموعات الصحية الترابية أحد أبرز التحولات التي عرفتها المنظومة الصحية المغربية. ويهدف هذا الإصلاح إلى تنظيم العرض الصحي جهوياً، وتحسين توزيع الموارد والتنسيق بين المؤسسات الاستشفائية والمراكز الصحية.
وقد دخلت هذه المجموعات مرحلة التفعيل التدريجي خلال سنة 2026، مع انعقاد مجالس إدارية في عدد من الجهات. كما صدر مرسوم لإعادة تنظيم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في فبراير من السنة نفسها. وحدد المرسوم العلاقة بين الإدارة المركزية والمجموعات الصحية الترابية، إلى جانب قواعد مواكبة أدائها وتقييم نتائجها.
غير أن نجاح هذا النموذج لا يتوقف على تغيير الهياكل الإدارية وحده. فالمطلوب تنظيم انتقال المرضى بين مستويات العلاج، وتوزيع الموارد البشرية والتجهيزات وفق الحاجيات الفعلية لكل منطقة.
وتزداد أهمية هذا الرهان في الجهات التي تعاني ضعف العرض الصحي أو تباعد المؤسسات الاستشفائية. فالمساواة في العلاج لا تعني توزيع المستشفيات بصورة حسابية. بل تقتضي مراعاة حجم السكان وطبيعة الأمراض والمسافات التي يقطعها المرضى.
وسيكون على الوزير الجديد توضيح معايير تقييم المجموعات الصحية الترابية والجدول الزمني لاستكمال تفعيلها. كما يتعين ضمان الشفافية في تدبير الموارد العمومية المخصصة لها.
الموارد البشرية.. الحلقة التي يتوقف عليها الإصلاح
لا يمكن لأي إصلاح استشفائي أن يحقق أهدافه دون أطباء وممرضين وتقنيين وإداريين يعملون في ظروف مناسبة. وتظل الموارد البشرية من أكثر الملفات تعقيداً، بسبب تفاوت توزيع الأطر بين الجهات وصعوبة استقطاب بعض التخصصات.
ولا ترتبط المشكلة بعدد الخريجين وحده، بل تشمل شروط التوظيف والتكوين المستمر والاستقرار المهني وتنظيم العمل. فقد يمتلك مستشفى تجهيزات حديثة، لكنه يعجز عن تشغيلها بكامل طاقتها بسبب نقص الأطر المؤهلة. وقد تزيد صعوبات الصيانة والخدمات المساندة من تعقيد الوضع.
كما يحتاج إصلاح تكوين الأطباء إلى متابعة دقيقة لآثاره على جودة التكوين وجاذبية المهن الصحية. فالزيادة في أعداد المتخرجين لا تحقق النتائج المرجوة دون قدرة المؤسسات على استيعابهم وتوزيعهم بصورة متوازنة.
ومن ثم، فإن نجاح الوزير الجديد سيتوقف جزئياً على بناء حوار مهني مستمر مع العاملين في القطاع. وينبغي أن يربط هذا الحوار بين تحسين ظروف العمل وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
المستشفى العمومي بين الاستثمار وجودة العلاج
شهد المغرب إطلاق مشاريع استشفائية جديدة وإعادة تأهيل مؤسسات قائمة، بهدف توسيع العرض الصحي وتحديث بنياته. وتمثل هذه الاستثمارات خطوة ضرورية، لكنها لا تقدم وحدها صورة مكتملة عن أداء المنظومة.
فالمستشفى الحديث يحتاج إلى أطر طبية وتمريضية وتجهيزات وأدوية وصيانة منتظمة. كما يتطلب أنظمة معلومات فعالة وتدبيراً إدارياً يضمن استمرارية الخدمات. وإذا اختل أحد هذه العناصر، فقد تتراجع جودة العلاج رغم توفر البناية والتجهيزات الأساسية.
وتبدأ تجربة المريض قبل وصوله إلى المستشفى. فالحصول على موعد ومعرفة المؤسسة المناسبة للعلاج وتوفر النقل الصحي عوامل تؤثر في جودة الخدمة. وتستمر هذه التجربة بعد مغادرة المستشفى، من خلال المتابعة الطبية وتوفير العلاج اللازم.
ولهذا، ينبغي ألا يقتصر تقييم المشاريع الصحية على عدد المؤسسات المفتتحة أو قيمة الاستثمارات المعلنة. فالأهم قياس مدة انتظار المواعيد وتوفر التخصصات وجودة الخدمات واستمرارية العلاج.
ومن شأن نشر هذه المؤشرات بانتظام أن يساعد المواطنين والبرلمان على تقييم أداء المؤسسات الصحية. كما يتيح للوزارة تحديد الاختلالات واتخاذ قرارات تستند إلى النتائج الفعلية.
الحماية الاجتماعية.. التغطية لا تعني العلاج تلقائياً
يتولى يونس بجيجو وزارة تجمع بين الصحة والحماية الاجتماعية، وهو ارتباط يعكس أهمية التنسيق بين تمويل العلاج وتوفير الخدمات.
وقد وسع المغرب خلال السنوات الماضية نطاق التغطية الصحية في إطار الورش الوطني للحماية الاجتماعية. غير أن الاستفادة القانونية من التأمين لا تعني بالضرورة الحصول على العلاج بسهولة. فذلك يرتبط بتوفر المؤسسات الصحية وشروط التعويض وكلفة الأدوية والإجراءات الإدارية.
وقد يكون المواطن مشمولاً بالتغطية الصحية، لكنه يواجه صعوبة في الحصول على موعد متخصص أو يتحمل نفقات إضافية. كما تؤثر الفوارق بين القطاعين العام والخاص في طبيعة الخدمات المتاحة والأعباء المالية للأسر.
ومن هنا، ينبغي أن يتجاوز تقييم الحماية الاجتماعية عدد المسجلين في أنظمة التغطية. فالأهم دراسة أثرها على النفقات الصحية للأسر وقدرتها على الحصول على العلاج في الوقت المناسب.
وسيكون مطلوباً من الوزارة تعزيز التنسيق مع الهيئات المكلفة بالتأمين والتمويل. كما ينبغي تبسيط المساطر وتحسين شفافية المعلومات المقدمة للمستفيدين.
الصحة في القرى والجهات البعيدة.. اختبار العدالة المجالية
تظل الفوارق المجالية من أبرز التحديات التي تواجه السياسة الصحية المغربية. فالمدن الكبرى تستفيد من تركز المؤسسات الاستشفائية المتخصصة، بينما تواجه مناطق قروية وجبلية صعوبات مرتبطة بالمسافة والنقل ونقص الخدمات.
ولا يمكن معالجة هذه الفوارق ببناء المؤسسات وحده. فتوفير خدمة صحية مستمرة يحتاج إلى أطر مستقرة وتجهيزات مناسبة وربط فعال بالمستشفيات المتخصصة.
كما تختلف الحاجيات الصحية بحسب طبيعة السكان وظروفهم الاجتماعية والبيئية. ولهذا، ينبغي إعداد خرائط صحية تستند إلى المعطيات المحلية، بدلاً من اعتماد توزيع إداري موحد.
وتكتسب الرعاية الصحية الأولية أهمية خاصة، لأنها تساعد على الكشف المبكر عن الأمراض ومتابعة الحالات المزمنة. كما تساهم في تخفيف الضغط على المستشفيات. غير أن فعاليتها تتطلب أدوية أساسية وأطراً مؤهلة ونظاماً واضحاً لإحالة المرضى عند الحاجة.
وبذلك، لا تتحقق العدالة الصحية بمجرد إعلان المساواة في الحق في العلاج. بل تحتاج إلى سياسات تعالج الفوارق الفعلية في الوصول إلى الخدمات.
الرقمنة الصحية.. فرصة للإصلاح ومخاطر ينبغي ضبطها
تتجه الإصلاحات التنظيمية الأخيرة نحو تطوير منظومة معلومات صحية وطنية مندمجة. ويهدف هذا التوجه إلى تحسين التنسيق بين المؤسسات وتدبير البيانات الصحية.
ويمكن للرقمنة أن تساعد على تنظيم المواعيد وتبادل المعلومات الطبية بين المؤسسات المخولة. كما تتيح تتبع الأدوية والتجهيزات وتطوير أدوات تقييم الأداء. وقد تسهم أيضاً في تقليص الإجراءات الإدارية التي تثقل كاهل المرضى والعاملين في القطاع.
غير أن نجاح هذا التحول يتطلب حماية المعطيات الشخصية وضمان أمن الأنظمة المعلوماتية. كما يحتاج إلى تكوين العاملين ومراعاة المواطنين الذين يجدون صعوبة في استخدام الخدمات الرقمية.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع توجه الحكومة نحو تعزيز اختصاصات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. فتطوير الخدمات الصحية الرقمية يحتاج إلى تنسيق مؤسساتي يحترم خصوصية البيانات الطبية ومتطلبات السلامة.
ماذا ينبغي أن يتضمن البرنامج الصحي للحكومة الجديدة؟
تنتظر الحكومة الجديدة مرحلة تقديم برنامجها أمام البرلمان، وسيكون القطاع الصحي من أبرز المجالات المطروحة للنقاش. وينبغي أن يشمل هذا النقاش الأهداف والموارد المالية والآجال المحددة لتنفيذ الإصلاحات.
ويقتضي ذلك توضيح وضعية المشاريع الاستشفائية الجارية وخطة توزيع الموارد البشرية. كما يستلزم تحديد مراحل تفعيل المجموعات الصحية الترابية وآليات تقييم جودة الخدمات.
ومن الضروري اعتماد مؤشرات قابلة للقياس تسمح بتتبع التقدم خلال الولاية الحكومية. فالأهداف العامة لا تكفي إذا تعذر التحقق من نتائجها على أرض الواقع.
ولا يعني ذلك مطالبة الوزارة بحل جميع الاختلالات في فترة قصيرة. فإصلاح المنظومة الصحية يحتاج إلى وقت واستثمارات وتنسيق بين مؤسسات متعددة. غير أن وضوح الأولويات ونشر المعطيات يساعدان على بناء الثقة وتعزيز التقييم والمساءلة.
من تغيير الوزير إلى تغيير تجربة المريض
يفتح تعيين يونس بجيجو مرحلة جديدة في تدبير وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، لكنه لا يضمن وحده نجاح الإصلاح. فقد أصبح المغرب يتوفر على إطار قانوني ومؤسساتي أوسع لإعادة تنظيم منظومته الصحية. ومع ذلك، يبقى التحدي الأساسي مرتبطاً بسرعة التنفيذ وجودته وعدالته المجالية.
وسيتحدد نجاح المرحلة المقبلة بقدرة الوزارة على تقليص الفجوة بين الإمكانات المعلنة والخدمات المتاحة فعلياً. كما سيتوقف على تحسين ظروف عمل الأطر الصحية وتسهيل حصول المواطنين على العلاج دون أعباء غير ضرورية.
وفي النهاية، لن يكون المعيار الحاسم عدد القرارات التنظيمية أو المشاريع المعلنة. فالأهم أن يجد المواطن موعداً طبياً في وقت معقول، وطبيباً مؤهلاً، ودواءً متوفراً، وخدمة تحفظ كرامته. وعندئذ يمكن تقييم مدى انتقال إصلاح المنظومة الصحية من النصوص والمؤسسات إلى حياة الناس.
