f x ig yt
الخميس، 15 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

ميثاق الأغلبية الحكومية.. حرية النقاش وحدود الانضباط

أنهت لجنة إعداد ميثاق الأغلبية الرباعية أشغالها، وفق معطيات صحفية، في انتظار مصادقة قادة الأحزاب على الوثيقة. وبين ضمان حرية البرلمانيين والحفاظ على وحدة التصويت، يواجه التحالف الحكومي الجديد اختباراً سياسياً يتجاوز توزيع الحقائب الوزارية.

الحكومة والبرلمان 📅 15 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
مجلس النواب المغربي، حيث ينتظر أن يخضع انسجام الأغلبية الحكومية الجديدة لاختبار التشريع والرقابة والتصويت على مشاريع القوانين.

لم تكد الأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية الحكومية الجديدة تنتهي من إعلان تحالفها، حتى انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بتحديد قواعد العمل المشترك داخل الحكومة والبرلمان. فالتوافق على تشكيل أغلبية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري لا يعني بالضرورة الاتفاق على جميع الاختيارات السياسية والتشريعية التي ستواجهها خلال المرحلة المقبلة. ومن هنا تبرز أهمية ميثاق الأغلبية، باعتباره وثيقة يفترض أن تنظم العلاقة بين الشركاء وتحدد كيفية تدبير الاختلافات التي قد تظهر عند الانتقال من المشاورات إلى ممارسة السلطة.

وبحسب معطيات نشرتها الصحافة المغربية اليوم الخميس 15 أكتوبر، أنهت اللجنة المكلفة بإعداد مشروع الميثاق أشغالها مساء الأربعاء، بعد اجتماع ضم ممثلين عن الأحزاب الأربعة بمقر حزب الأصالة والمعاصرة. غير أن انتهاء اللجنة من إعداد الوثيقة لا يعني اعتمادها رسمياً، إذ ما زالت الصيغة المقترحة تنتظر عرضها على الأمناء العامين للأحزاب المعنية للمصادقة أو إدخال تعديلات محتملة.

وتشير المعلومات المتداولة بشأن المشروع إلى توجه يمنح البرلمانيين المنتمين إلى الأغلبية هامشاً أوسع للنقاش وإبداء الملاحظات ومساءلة الوزراء، مقابل الالتزام بالمواقف المشتركة عند التصويت. ويبدو هذا التوجه محاولة للتوفيق بين متطلبين يصعب الجمع بينهما دائماً: المحافظة على الانسجام السياسي للتحالف، وعدم تحويل الانضباط الحزبي إلى قيد على النقاش البرلماني.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا التوجه لن تتحدد بما تتضمنه الوثيقة من مبادئ، وإنما بطريقة تطبيقها عندما تظهر أولى الخلافات حول مشاريع القوانين والقرارات الحكومية. فالميثاق قد يوفر إطاراً لتنظيم الاختلاف، لكنه لا يستطيع بمفرده ضمان استقلالية المواقف أو منع التوترات بين الأحزاب التي تختلف في تاريخها السياسي وقواعدها الانتخابية وأولوياتها الاجتماعية.

تحالف رباعي يجمع تجارب سياسية مختلفة

تضم الأغلبية الجديدة أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. وقد أعلن التحالف رسمياً يوم 12 أكتوبر، بعد مشاورات قادتها فاطمة الزهراء المنصوري إثر تكليفها بتشكيل الحكومة.

وأكد البيان التأسيسي أن الأحزاب الأربعة تتقاسم رؤية إصلاحية، وتعتزم تشكيل حكومة سياسية قادرة على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية. كما ربط التحالف بين العمل الحكومي وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي وتعزيز الحقوق والحريات.

لكن الاتفاق على المبادئ العامة يختلف عن الاتفاق على السياسات التفصيلية. فالأحزاب المشاركة تحمل مرجعيات سياسية وتجارب تنظيمية متفاوتة، وقد تجد نفسها أمام خيارات تتطلب المفاضلة بين أولويات لا تحظى بالضرورة بالمستوى نفسه من التأييد داخل مكونات الأغلبية.

وتبرز هذه الصعوبة بصورة خاصة في الملفات المرتبطة بالسياسات الاجتماعية والمالية والحقوقية. فالإصلاح الضريبي، وتوزيع الموارد العمومية، وتنظيم سوق الشغل، ومراجعة بعض التشريعات، كلها قضايا يمكن أن تثير تباينات بين الأحزاب حتى عندما تتفق على الأهداف العامة.

ولهذا لا تكفي الأغلبية العددية لضمان الفعالية الحكومية. فالحكومة تحتاج أيضاً إلى اتفاق سياسي قادر على الصمود أمام القرارات الصعبة، وإلى آليات تسمح بمناقشة الخلافات قبل تحولها إلى أزمات علنية.

حرية النقاش وانضباط التصويت.. أين تبدأ الرقابة البرلمانية؟

يبدو التمييز بين حرية التعبير داخل الأغلبية والالتزام عند التصويت من أبرز المقتضيات المنسوبة إلى مشروع الميثاق. ووفق المعطيات المنشورة، يُراد السماح للبرلمانيين بمناقشة السياسات الحكومية وتوجيه الأسئلة وإبداء الملاحظات، دون اعتبار ذلك خروجاً تلقائياً عن التضامن السياسي بين أحزاب التحالف.

ومن حيث المبدأ، يمكن لهذا التوجه أن يخفف التوتر بين الانتماء إلى الأغلبية وممارسة الوظيفة الرقابية للبرلمان. فالنائب لا يفقد مسؤوليته في مساءلة الحكومة لمجرد انتمائه إلى حزب مشارك فيها، كما أن الرقابة البرلمانية لا ينبغي أن تصبح اختصاصاً حصرياً للمعارضة.

غير أن الإشكال يظهر عندما يُسمح بالنقاش والاعتراض، بينما يصبح الالتزام بالتصويت شرطاً ثابتاً في جميع الحالات. ففي هذه الوضعية قد يتمكن البرلماني من انتقاد مشروع قانون أو مساءلة الوزير بشأنه، لكنه يجد نفسه مطالباً بالتصويت لصالح النص نفسه عندما يحين موعد الحسم.

ولا يمثل هذا الترتيب بالضرورة تناقضاً، لأن التحالفات البرلمانية تقوم عادة على التزامات مشتركة. لكن فعاليته الديمقراطية تتوقف على وجود مساحة حقيقية للتأثير في مضمون القرارات قبل التصويت. فإذا كان النقاش لا يغير شيئاً في الاختيارات المتخذة مسبقاً، فقد يتحول إلى ممارسة شكلية لا تؤثر في صناعة السياسة العمومية.

ومن ثم، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بحق البرلمانيين في التعبير عن آرائهم، بل بمدى قدرتهم على تعديل مشاريع القوانين، وإدخال مقترحاتهم، والتأثير في القرارات التي يتعين عليهم الدفاع عنها لاحقاً.

التنسيق المسبق.. بين تفادي الخلافات وإضعاف النقاش

تتضمن المعطيات المتداولة بشأن مشروع الميثاق توجهاً نحو تعزيز التنسيق بين الأحزاب عند إعداد مشاريع القوانين والنصوص التنظيمية، بما يسمح بمناقشة الاختيارات قبل عرضها على المؤسسات المعنية.

ويمكن أن يساعد هذا التنسيق على تجنب تضارب المواقف داخل الأغلبية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإصلاحات تتداخل فيها اختصاصات وزارات متعددة. كما قد يساهم في تقليص التأخر الناتج عن الخلافات التي تظهر بعد إحالة النصوص إلى البرلمان.

لكن التنسيق السياسي يطرح بدوره حدوداً ينبغي الانتباه إليها. فإذا تحولت الاجتماعات الحزبية السابقة إلى فضاء تُحسم فيه جميع الخيارات، فقد تتراجع أهمية النقاش البرلماني العلني، ويصبح دور المؤسسة التشريعية أقرب إلى إقرار تفاهمات جرى التوصل إليها خارجها.

ولهذا ينبغي التمييز بين التنسيق المشروع بين الشركاء السياسيين وبين احتكار صناعة القرار. فالمسار التشريعي لا يقتصر على اتفاق الأغلبية، وإنما يشمل مناقشة النصوص داخل اللجان البرلمانية والاستماع إلى الآراء المختلفة وإتاحة الفرصة للمعارضة للمشاركة في النقاش والتعديل.

كما أن وجود أغلبية مستقرة لا يلغي الحاجة إلى النقاش العمومي، خصوصاً في الإصلاحات التي تمس الحقوق والحريات أو ترتب التزامات اقتصادية واجتماعية واسعة.

العودة إلى إرث الكتلة الديمقراطية.. تقارب سياسي أم تحالف ظرفي؟

يستحضر تشكيل الأغلبية الجديدة جانباً من تاريخ التحالفات الحزبية المغربية، خصوصاً مع اجتماع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية داخل حكومة واحدة. وقد أعاد ذلك إلى النقاش تجربة الكتلة الديمقراطية التي تشكلت في بداية التسعينيات، وارتبطت بالمطالبة بإصلاحات سياسية ودستورية.

غير أن استعادة هذا الإرث لا تعني بالضرورة عودة الكتلة بصيغتها التاريخية. فالبيان التأسيسي للأغلبية الجديدة لم يعلن إعادة تأسيسها، كما أن السياق السياسي والمؤسساتي الحالي يختلف عن الظروف التي نشأت فيها قبل أكثر من ثلاثة عقود.

وتكمن أهمية المقارنة في اختبار طبيعة المشروع السياسي الذي يجمع الأحزاب الثلاثة مع الأصالة والمعاصرة. فهل يتعلق الأمر بتقارب برنامجي يسمح بإنتاج اختيارات مشتركة، أم بتوافق على تدبير مرحلة حكومية تفرضها نتائج الانتخابات وتوازنات البرلمان؟

لا يمكن حسم هذا السؤال انطلاقاً من الانتماءات التاريخية وحدها. فالمعيار سيكون مضمون البرنامج الحكومي، وطبيعة الإصلاحات التي سيتبناها التحالف، ومدى استعداد الأحزاب لتحمل مسؤولية القرارات التي قد لا تنسجم بالكامل مع خطابها السابق.

الأغلبية والمعارضة.. هل تتغير قواعد التوازن البرلماني؟

يفتح تشكيل التحالف الرباعي مرحلة جديدة في العلاقة بين الحكومة والبرلمان، خصوصاً بعد انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة. ويفرض هذا التحول إعادة ترتيب الأدوار السياسية والرقابية داخل المؤسسة التشريعية.

فالأغلبية مطالبة بتوفير الدعم البرلماني للحكومة، بينما تتحمل المعارضة مسؤولية مراقبة عملها وتقديم البدائل. غير أن جودة الحياة البرلمانية لا تتحدد بعدد المقاعد وحده، وإنما أيضاً بمدى فعالية اللجان، وحق النواب في الحصول على المعلومات، وقدرتهم على مساءلة المسؤولين ومناقشة السياسات العمومية.

وفي هذا السياق، قد يشكل السماح بنقاش أوسع داخل الأغلبية فرصة لتعزيز الرقابة، بشرط ألا يصبح بديلاً عن دور المعارضة أو وسيلة لحصر الاختلافات داخل التحالف الحاكم.

كما ينبغي ألا يؤدي التنسيق بين الأحزاب الحكومية إلى إضعاف استقلالية العمل التشريعي. فالدستور يمنح البرلمان اختصاصات في التشريع ومراقبة الحكومة وتقييم السياسات العمومية، وهي وظائف لا يجوز اختزالها في تأمين الأصوات اللازمة لتمرير المشاريع الحكومية.

الميثاق الحقيقي سيُختبر عند أول خلاف

يأتي إعداد ميثاق الأغلبية في مرحلة تواجه فيها الحكومة المرتقبة ملفات اقتصادية واجتماعية وتشريعية معقدة. ومن بين القضايا التي تنتظر المعالجة إصلاحات مرتبطة بالقانون الجنائي ومدونة الأسرة، إلى جانب مشاريع أخرى لم تستكمل مسارها التشريعي.

وستكشف هذه الملفات قدرة التحالف على الانتقال من الاتفاق السياسي العام إلى إنتاج قرارات مشتركة. فقد يكون التوافق سهلاً عندما يتعلق الأمر بإعلان مبادئ واسعة، لكنه يصبح أكثر صعوبة عند تحديد مضمون الإصلاحات وتوزيع تكاليفها الاجتماعية والسياسية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى ميثاق يحدد قواعد واضحة لتدبير الخلاف، وآليات للتنسيق بين الأحزاب، ومسؤوليات كل طرف عند ظهور تباينات في المواقف. كما ينبغي أن يتيح قدراً من الشفافية بشأن الالتزامات التي تتعهد بها مكونات الأغلبية أمام المواطنين.

ومع ذلك، فإن الوثيقة، مهما بلغت دقتها، لن تكون ضمانة كافية للانسجام الحكومي. فالتحالفات السياسية لا تختبر في لحظة التوقيع، بل عندما تواجه قرارات تتعارض فيها المصالح والحسابات الانتخابية والالتزامات الاجتماعية.

وبذلك، فإن ميثاق الأغلبية الجديدة يمثل محاولة لتنظيم العلاقة بين أربعة أحزاب اختارت تحمل مسؤولية الحكم المشترك. أما نجاح هذه المحاولة فسيتوقف على قدرتها على تحويل حرية النقاش إلى مشاركة فعلية في القرار، وتحويل الانضباط السياسي إلى التزام ببرنامج واضح، دون إضعاف الرقابة البرلمانية أو إفراغ الاختلاف من مضمونه الديمقراطي.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً