f x ig yt
الجمعة، 16 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

134 مليار درهم لتطوير السكك الحديدية بالمغرب.. من سيستفيد من التحول الجديد؟

ضع البرنامج الاستثماري للسكك الحديدية في أفق 2030 المغرب أمام فرصة لتحديث النقل وتعزيز الربط بين المدن. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الاستثمارات ستتحدد بمدى استفادة الجهات والسكان، وليس فقط بحجم المشاريع وسرعة القطارات.

أعمال واستثمار 📅 15 أكتوبر 2026 ⏱ 5 دقائق
قطار تابع للمكتب الوطني للسكك الحديدية بالمغرب، في سياق برنامج استثماري لتطوير الشبكة الوطنية في أفق 2030.

لم يعد تطوير السكك الحديدية في المغرب مجرد مشروع لتحديث وسائل النقل، بل أصبح جزءاً من التحولات الاقتصادية والعمرانية التي تشهدها المملكة استعداداً للاستحقاقات الدولية المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030. فالاستثمارات المعلنة في هذا القطاع، والتي تصل إلى 134 مليار درهم وفق المعطيات المتداولة بشأن البرنامج السككي، تعكس توجهاً نحو توسيع قدرات الشبكة وتحسين خدمات نقل المسافرين والبضائع. غير أن ضخامة الاعتمادات المالية تطرح سؤالاً يتجاوز الجانب التقني: كيف يمكن لهذه المشاريع أن تساهم في تقليص الفوارق المجالية، بدل الاكتفاء بتعزيز المحاور الاقتصادية الأكثر نشاطاً؟

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى التفاوتات القائمة في توزيع البنيات التحتية للنقل. فبعض المدن المغربية تستفيد من ارتباط مباشر بالشبكة السككية ومن خدمات نقل متطورة، بينما تعتمد مدن ومناطق أخرى على النقل الطرقي لتأمين تنقل السكان والبضائع. ومن ثم، فإن تقييم البرنامج الجديد ينبغي ألا يقتصر على عدد الكيلومترات المنجزة أو القطارات المقتناة، بل يجب أن يشمل أثره في الولوج إلى فرص العمل والخدمات والأسواق.

ويشكل النقل السككي، من الناحية الاقتصادية، أحد العوامل المؤثرة في جاذبية المجالات الترابية. فالربط المنتظم بين المدن قد يساهم في توسيع أسواق الشغل وتسهيل حركة الطلبة والعمال، كما يمكن أن يخفض بعض تكاليف نقل البضائع. لكن هذه الآثار ليست تلقائية، لأنها ترتبط بأسعار التذاكر، ومواقع المحطات، وجودة الربط بالنقل الحضري، ومدى اندماج المشاريع في سياسات التنمية المحلية.

استثمارات ضخمة.. لكن كيف ستوزع الأولويات؟

تثير القيمة الإجمالية المعلنة للبرنامج الاستثماري ضرورة التمييز بين المشاريع المختلفة التي يتضمنها. فتطوير الخطوط فائقة السرعة يختلف من حيث الكلفة والأهداف عن تحديث الشبكة التقليدية، كما أن اقتناء القطارات وتجديد أنظمة الإشارات والصيانة يمثلان استثمارات ضرورية لا تظهر آثارها دائماً في شكل خطوط جديدة.

ويحتاج تقييم هذه الاستثمارات إلى معرفة توزيع الاعتمادات بين توسيع الشبكة وتحسين الخدمات القائمة. كما يتطلب تحديد الجهات المستفيدة، والآجال الزمنية، ومصادر التمويل، والتكاليف التشغيلية المتوقعة بعد دخول المشاريع حيز الاستغلال.

ولا تعني هذه الأسئلة التشكيك في أهمية الاستثمار السككي، بل وضعه ضمن معايير واضحة للمردودية الاقتصادية والاجتماعية. فقد يكون مشروع معين ذا جدوى مرتفعة من حيث حركة المسافرين، لكنه محدود الأثر على المناطق الأقل ارتباطاً بالشبكة. وفي المقابل، قد تحقق بعض المشاريع الجهوية فوائد اجتماعية مهمة رغم ضعف مردوديتها التجارية المباشرة.

ولهذا، فإن المفاضلة بين المشاريع ينبغي أن تجمع بين حجم الطلب المتوقع وأثر الاستثمار في تقليص العزلة وتحسين الولوج إلى الخدمات.

القطار فائق السرعة.. بين تعزيز التنافسية واتساع الفوارق

أعاد نجاح تشغيل خط البراق بين طنجة والقنيطرة، وامتداده الخدمي نحو الرباط والدار البيضاء، وضع النقل فائق السرعة في قلب النقاش حول مستقبل التنقل بالمغرب. ويمثل تطوير هذا النوع من النقل فرصة لتحسين الربط بين المراكز الاقتصادية الكبرى، خصوصاً عندما يكون الطلب على السفر مرتفعاً والمسافات ملائمة.

غير أن التوسع في القطارات فائقة السرعة يطرح أيضاً إشكالية العدالة المجالية. فالمدن التي ترتبط بهذه الخدمات قد تستفيد من زيادة جاذبيتها الاقتصادية والسياحية، بينما تظل مناطق أخرى خارج نطاق التأثير المباشر للمشاريع.

ولا يعني ذلك أن الاستثمار في السرعة يتعارض بالضرورة مع التنمية المتوازنة. فقد يساهم تحسين المحاور الرئيسية في تخفيف الضغط على الشبكة التقليدية، ويفتح المجال أمام تطوير خدمات جهوية ونقل البضائع. لكن تحقيق هذه الفوائد يتوقف على طبيعة التخطيط وعلى الاستثمارات المكملة التي تسمح بتوزيع المكاسب خارج المدن الكبرى.

وتصبح المسألة أكثر أهمية عندما ترتبط المشاريع بأحداث دولية كبرى. فالبنيات التي تُنجز لتلبية الطلب الاستثنائي خلال التظاهرات الرياضية ينبغي أن تستجيب أيضاً لحاجات السكان بعد انتهاء تلك الأحداث، حتى تتحول إلى استثمارات طويلة الأمد لا إلى تجهيزات مرتبطة بظرفية محدودة.

النقل السككي الجهوي.. الحلقة التي تحدد استفادة السكان

لا يقتصر البرنامج على القطارات فائقة السرعة، بل يشمل أيضاً تطوير خدمات القرب في التجمعات الحضرية الكبرى. وتكتسب هذه المشاريع أهمية مباشرة بالنسبة إلى السكان الذين يتنقلون يومياً بين أماكن السكن والعمل والدراسة.

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن برنامج الدار البيضاء الكبرى وحده تبلغ كلفته 20 مليار درهم، ويشمل تطوير المحطات والمسارات السككية وخدمات القطارات الحضرية والجهوية.

غير أن نجاح هذه الاستثمارات يتطلب ربط المحطات بالحافلات ووسائل النقل الأخرى، وضمان أسعار مناسبة وانتظام الخدمات. فالمحطة الحديثة لا تحقق أهدافها الاجتماعية إذا ظلت بعيدة عن الأحياء السكنية أو كانت كلفة الوصول إليها مرتفعة.

التمويل والمديونية.. الوجه الآخر للاستثمار

يفرض حجم البرنامج الاستثماري مساءلة مصادر التمويل وتكاليفه المستقبلية. فوفق التقرير المالي السنوي للمكتب الوطني للسكك الحديدية، ارتفعت مديونيته المالية من 36.5 مليار درهم سنة 2024 إلى 42.2 مليار درهم سنة 2025، بالتزامن مع تسارع الاستثمارات.

ولا يعني ارتفاع المديونية بالضرورة وجود اختلال مالي، خصوصاً عندما يرتبط بتمويل بنيات تحتية طويلة الأمد. لكنه يفرض تقييم قدرة المشاريع على توليد إيرادات كافية، ومدى الحاجة إلى مساهمات عمومية لتغطية تكاليف الاستثمار والتشغيل.

ومن ثم، ينبغي ألا يقتصر تقييم المشاريع على كلفة إنجازها، بل أن يشمل الصيانة والتشغيل والأسعار والآثار الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.

من سيستفيد فعلياً من 134 مليار درهم؟

أكد وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح، في التصريحات المقدمة خلال المنتدى الدولي لتمويل المشاريع السككية بإفريقيا يوم 14 أكتوبر 2026، أن الغلاف الاستثماري الإجمالي، مع البرنامج التكميلي، يبلغ 134 مليار درهم في أفق 2030. ويشمل تمديد الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، وربط ميناء الناظور غرب المتوسط، وتطوير قطارات القرب.

ومن الضروري هنا التمييز بين البرنامج الأساسي البالغ 96 مليار درهم، الذي وثقه المكتب الوطني للسكك الحديدية، وبين الغلاف الإجمالي الجديد البالغ 134 مليار درهم بعد إضافة البرنامج التكميلي. ولم تتضح بعد، في المصادر التي راجعناها، التفاصيل المالية الكاملة لتوزيع الزيادة البالغة 38 مليار درهم.

وتبقى القضية الأساسية مرتبطة بالأثر الفعلي لهذه الاستثمارات. فإذا ساهمت في تقليص زمن التنقل وتحسين جودة الخدمات وتوسيع فرص الوصول إلى العمل والأسواق، فإن فوائدها ستتجاوز قطاع النقل نفسه. أما إذا تركزت المكاسب في محاور محدودة دون تطوير الربط الجهوي، فقد تستمر الفوارق القائمة بين المجالات الترابية.

وعليه، فإن نجاح البرنامج السككي المغربي لن تقيسه سرعة القطارات وحدها، وإنما قدرة الشبكة الجديدة على خدمة السكان والاقتصاد، ومدى تحول الإنفاق العمومي الكبير إلى منفعة اجتماعية مستدامة.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً