لم تعد حرية التعبير في المغرب شأناً يخص الصحفيين والكتاب والفاعلين السياسيين وحدهم. فقد أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي للمواطنين مجالاً واسعاً لانتقاد القرارات الحكومية ومساءلة المسؤولين والتعبير عن المطالب الاجتماعية. غير أن اتساع المشاركة في النقاش العام لم ينهِ الخلاف حول الحدود القانونية للكلام المنشور، بل نقل جزءاً منه إلى المحاكم. وهكذا أصبحت تدوينات وتصريحات مرتبطة بالشأن العام موضوع متابعات تثير أسئلة عن طبيعة الأفعال المنسوبة إلى أصحابها ومدى تناسب العقوبات معها.
وتنبع حساسية هذا النقاش من تداخل حقوق يكفلها القانون، وإن اختلفت طبيعتها. فحرية التعبير تحمي حق المواطن في إبداء رأيه وانتقاد السياسات العمومية، بينما تحمي قواعد أخرى السمعة والحياة الخاصة من الاعتداءات غير المشروعة. ولا يفترض أن يؤدي الاعتراف بأحد الحقين إلى إلغاء الآخر. لذلك يبقى دور القضاء أساسياً في تحديد المسؤولية وفق الوقائع والأدلة، دون تحويل الاختلاف السياسي إلى جريمة أو اعتبار حرية التعبير حصانة من المساءلة.
وقد أعادت تقارير حقوقية صدرت خلال سنة 2026 هذا الإشكال إلى الواجهة، من خلال تناول أحكام مرتبطة بمنشورات وانتقادات موجهة إلى السلطات. وفي المقابل، يستند المدافعون عن مشروعية التجريم في بعض الحالات إلى ضرورة حماية الأفراد والمؤسسات من أفعال يحددها القانون. وبين الموقفين يبرز السؤال الذي تتوقف عليه قيمة الضمانات الدستورية: كيف يمكن التمييز بين نقد مشروع، ولو كان حاداً، وسلوك تتوافر فيه عناصر جريمة محددة؟
من الضمان الدستوري إلى اختبار التطبيق
يضمن الفصل 25 من الدستور المغربي حرية الفكر والرأي والتعبير بمختلف أشكالها، فيما يكرس الفصل 28 حرية الصحافة ويمنع الرقابة القبلية. وتؤسس هذه المقتضيات لحماية النقاش العام، باعتباره جزءاً من ممارسة المواطنة والمشاركة في تدبير الشأن العام. غير أن وجود الضمانات الدستورية لا يحسم وحده طبيعة النزاعات المرتبطة بالنشر، لأن تطبيق القيود القانونية يقتضي تحديد الأفعال التي تستوجب المسؤولية.
وتظهر أهمية هذا التمييز عندما يتعلق التعبير بمسؤول عمومي أو مؤسسة حكومية. فانتقاد الأداء والمطالبة بالمحاسبة يدخلان ضمن النقاش السياسي، بينما يختلف عنهما توجيه اتهام محدد بارتكاب فعل غير مشروع دون سند. ومن ثم، لا يكفي انزعاج مسؤول من تصريح لإثبات وقوع جريمة، كما لا تكفي صفة الناشط أو الصحفي لإعفاء صاحب المنشور من الالتزامات القانونية.
وهنا تصبح جودة التعليل القضائي عنصراً حاسماً في حماية الحقوق. فالمحكمة مطالبة بفحص العبارات وسياقها والأدلة المتعلقة بها، ثم بيان سبب انطباق النص القانوني على الوقائع. وكلما كان هذا التعليل واضحاً، أمكن للرأي العام فهم الحد الفاصل بين النقد والمسؤولية الجنائية.
سعيدة العلمي.. عندما تختلف القراءة الحقوقية عن التكييف القضائي
تبرز قضية المدونة والناشطة الحقوقية سعيدة العلمي ضمن الملفات التي أعادت طرح هذا النقاش خلال سنة 2026. فقد نشرت منظمة العفو الدولية، في التاسع من يوليوز، وثيقة تناولت وضعها القضائي وطالبت بإطلاق سراحها وإلغاء إدانتها. واعتبرت المنظمة أن العقوبة مرتبطة بممارستها حرية التعبير والتجمع السلمي.
وبحسب الوثيقة، اعتُقلت العلمي في الدار البيضاء يوم الأول من يوليوز 2025، عقب بث مباشر لاحتجاج يتعلق بوفاة أثناء الاحتجاز. وفي 16 شتنبر من السنة نفسها، صدر حكم بسجنها ثلاث سنوات وتغريمها 20 ألف درهم. وربطت المنظمة الحكم بمنشورات وتصريحات انتقدت السلطات وتناولت مزاعم فساد وانتهاكات حقوقية. ثم أيدت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء الإدانة والعقوبة يوم 17 دجنبر 2025.
وتوفر هذه الوثيقة معطيات محددة عن تسلسل القضية، لكنها تقدم أيضاً تقييماً حقوقياً ينبغي تمييزه عن التعليل القضائي. فاعتبار المنظمة أن المتابعة تمثل انتهاكاً لحرية التعبير لا يلغي وجود حكم قضائي، كما أن صدور الحكم لا ينهي النقاش حول مدى توافق العقوبة مع المعايير الدولية.
ولذلك، فإن التقييم المهني للقضية يحتاج إلى الاطلاع على القرار القضائي وأسانيده القانونية، إلى جانب التقارير الحقوقية. وتكمن أهمية هذا التمييز في أنه يمنع اختزال النزاع في موقف واحد، ويجعل طبيعة الأفعال المثبتة ومعايير تجريمها أساساً للتحليل.
حسن الداودي.. هل تتحول الدعوةمن الاحتجاج إلى تحريض؟
تتخذ الإشكالية بعداً اجتماعياً عندما ترتبط المتابعة بالتعبير عن مطالب اقتصادية. ففي الرابع من غشت 2026، نشرت لجنة العدالة بياناً انتقدت فيه قراراً استئنافياً صدر بالرباط يوم 18 يوليوز. ووفق المنظمة، أيد القرار حكماً ابتدائياً بسجن الفاعل الجمعوي والنقابي حسن الداودي خمسة أشهر نافذة.
وربطت اللجنة القضية بتدوينات دعت إلى الاحتجاج على ارتفاع الأسعار، معتبرة أن المتابعة تقيد حرية التعبير والنشاط النقابي. كما أشارت في بيان سابق إلى أن القضية تتعلق باتهام بالتحريض على ارتكاب جنح وجنايات. غير أن هذه المعطيات تظل مستمدة من بيانات المنظمة، في غياب نسخة منشورة من الحكم تسمح بفحص تعليله والأدلة التي استند إليها.
وتتجاوز أهمية القضية وضع الشخص المعني إلى طبيعة الحدود الفاصلة بين الدعوة السلمية إلى الاحتجاج والتحريض المعاقب عليه. فالاعتراض على سياسة اقتصادية، أو المطالبة بتنظيم احتجاج سلمي، لا ينبغي أن يساوى تلقائياً بالدعوة إلى ارتكاب جرائم. وفي المقابل، قد يترتب على خطاب يتضمن تحريضاً مجرماً مسؤولية قانونية، متى ثبتت عناصر الفعل وفق النصوص المعمول بها.
ومن هنا تظهر ضرورة التدقيق في التكييف القضائي، لأن الخلط بين المجالين قد يجعل التعبير عن المطالب الاجتماعية عرضة لتأويلات واسعة. كما أن تجاهل الأفعال المجرمة فعلاً لا يخدم حماية الحقوق، بل يضعف القدرة على التمييز بين الاحتجاج المشروع والسلوك الذي يهدد الآخرين.
قانون الصحافة والقانون الجنائي.. إصلاح لم يحسم التداخل
أحدث القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر تحولاً مهماً سنة 2016، بعدما استبعد العقوبات الحبسية من الجزاءات المنصوص عليها فيه. وقد اعتُبر هذا التوجه تقدماً في حماية العمل الصحفي، لكنه لم ينهِ الجدل حول العقوبات المرتبطة بالتعبير. فالقانون الجنائي ظل يتضمن مقتضيات مستقلة يمكن أن تترتب عليها عقوبات سالبة للحرية.
وقد تناولت منظمة هيومن رايتس ووتش هذه الإشكالية في تقرير أصدرته سنة 2017، قارنت فيه بين إصلاح قانون الصحافة ومقتضيات القانون الجنائي. واعتبرت أن إلغاء الحبس من أحد النصوص لا يوفر حماية شاملة إذا بقيت أفعال تعبيرية غير عنيفة معاقباً عليها بالسجن بموجب نصوص أخرى.
وفي المقابل، عرض التقرير رد الحكومة المغربية على عدد من انتقادات المنظمة. فقد دافعت الحكومة عن إصلاحات شملت تقليص بعض العقوبات وتضييق نطاق بعض الجرائم، إلى جانب تعزيز الضمانات المتعلقة بحجز المنشورات وإيقافها. كما اعتبرت أن بعض القيود تستجيب لمتطلبات حماية النظام القانوني والمصالح التي يحددها التشريع.
ويكشف هذا الاختلاف عن جوهر المشكلة التشريعية. فالتقييم لا ينبغي أن يقتصر على وجود نص يسمح بالمتابعة، بل يجب أن يشمل وضوح صياغته ومدى ضرورة العقوبة. وتزداد أهمية ذلك في البيئة الرقمية، حيث قد يخضع مضمون منشور لتكييف مختلف بحسب الوقائع وصفة الناشر والإطار القانوني المعتمد.
ولا تعني المطالبة بمراجعة هذا التداخل إلغاء المسؤولية عن التهديد أو التحريض أو الاعتداء على الحقوق الشخصية. لكنها تقتضي الفصل بين الأفعال التي تستوجب التجريم والنقد السلمي للشأن العام، حتى عندما يكون مزعجاً أو غير مقبول لدى الجهات المعنية.
انتقاد القضاء بين حرية النقاش وحماية استقلال المحاكم
يصبح التوازن أكثر دقة عندما يتعلق التعبير بالقضاء نفسه. فاستقلال المحاكم وثقة المواطنين في العدالة مصلحتان أساسيتان، لكن حمايتهما لا تقتضي منع مناقشة الأحكام أو انتقاد السياسات القضائية. فالتعليل القانوني للأحكام قابل للتحليل، كما أن أداء المؤسسات القضائية يدخل ضمن القضايا التي تهم المجتمع.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين نقد حكم قضائي وتوجيه اتهام شخصي إلى قاضٍ بارتكاب فعل غير مشروع. فالحالة الأولى تتعلق بمناقشة قرار وأسانيده، بينما تستلزم الثانية أدلة يمكن فحصها قانونياً. كما تفرض التغطية الصحفية احترام قرينة البراءة وسرية بعض الإجراءات، وتجنب تقديم الاتهامات باعتبارها حقائق ثابتة.
وقد تناول تقرير هيومن رايتس ووتش لسنة 2017 مقتضيات جنائية مرتبطة بالنيل من سلطة القضاء أو استقلاله، داعياً إلى ضمان ألا تؤدي إلى منع النقد المشروع. وتظل أهمية هذا النقاش مرتبطة بإيجاد حدود تحمي المحاكم من الضغط غير المشروع، دون أن تحول استقلال القضاء إلى حصانة من المساءلة العمومية.
المعايير الدولية.. لماذا لا تكفي مشروعية النص وحدها؟
تضمن المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية الرأي والتعبير، مع السماح بقيود تستجيب لشروط محددة. وتشمل هذه الشروط وجود أساس قانوني وهدف مشروع، إلى جانب ضرورة التدخل وتناسبه مع المصلحة المراد حمايتها.
ويعني ذلك أن وجود نص يجرم فعلاً معيناً لا يكفي وحده لتبرير كل عقوبة. فقد يكون من المشروع حماية شخص من ادعاء كاذب يلحق ضرراً بسمعته، لكن اختيار الجزاء يظل خاضعاً للتقييم. وفي بعض الحالات، قد توفر آليات التصحيح أو حق الرد أو التعويض المدني معالجة أكثر تناسباً من العقوبة الحبسية.
وتكتسب هذه المعايير أهمية إضافية عندما يتعلق التعبير بمسؤول عمومي أو سياسة حكومية. فالنقاش الديمقراطي يحتاج إلى مساحة واسعة للمساءلة، بما في ذلك الانتقادات الحادة. غير أن هذه الحماية لا تشمل التهديدات الحقيقية أو الأفعال التي تستوفي شروط التحريض المجرم قانوناً.
ولهذا لا يقوم التوازن المطلوب على إعطاء أولوية مطلقة لأحد الحقين، بل على فحص الوقائع والضرر والوسيلة القانونية المناسبة. وكلما كانت القيود دقيقة ومعللة، تراجعت احتمالات استخدامها بصورة تمس النقاش المشروع.
المجال الرقمي يوسع حرية التعبير ومسؤولية النشر
أعادت المنصات الرقمية تشكيل العلاقة بين المواطن والمجال العام، بعدما أتاحت النشر والوصول إلى جمهور واسع دون المرور عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية. لكن سرعة تداول المحتوى جعلت بعض الأضرار أكثر انتشاراً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باتهامات غير مثبتة أو معطيات شخصية.
فقد تنتشر تدوينة خارج سياقها الأصلي، أو يعاد تداول مقطع مقتطع من تصريح طويل بصورة تغير معناه. ومع اتساع الانتشار، تصبح معالجة المعلومات الخاطئة أكثر صعوبة، وقد يتضرر أشخاص قبل التحقق من صحة ما نسب إليهم.
وتفرض هذه البيئة مسؤولية أكبر في التمييز بين الوقائع والآراء، والتحقق من المعلومات قبل نشر اتهامات محددة. غير أن الدعوة إلى المسؤولية لا ينبغي أن تتحول إلى مطالبة المواطنين بتجنب القضايا الحساسة. فالمجتمع يحتاج إلى نقاش مفتوح حول القرارات العمومية، حتى عندما يثير ذلك خلافاً سياسياً أو اجتماعياً.
ومن ثم، فإن حماية المجال الرقمي تستلزم الجمع بين ضمان حرية النقد وتوفير وسائل فعالة لإنصاف المتضررين. كما تحتاج إلى تطبيق قضائي واضح، حتى لا يصبح الغموض في حدود المسؤولية سبباً للعزوف عن المشاركة في النقاش العام.
حماية حرية التعبير لا تعني إلغاء المسؤولية
تكشف القضايا التي تناولتها التقارير الحقوقية خلال سنة 2026 أن النقاش المغربي لم يعد متعلقاً بالاعتراف الدستوري بحرية التعبير وحده. فقد أصبح مرتبطاً بكيفية تطبيق النصوص، وبمدى قدرة القضاء على التمييز بين النقد المشروع والأفعال التي تستوجب المسؤولية الجنائية.
ولا تعني المطالبة بمراجعة القوانين إلغاء حق الأفراد في حماية سمعتهم وكرامتهم، كما لا يستلزم الدفاع عن هذه الحقوق اعتبار كل خطاب حاد جريمة. فالمسؤولية القانونية ينبغي أن تقوم على وقائع مثبتة وتكييف واضح، مع مراعاة طبيعة التعبير وسياقه والضرر الناتج عنه.
وتظهر القيمة الفعلية لحرية التعبير عندما يتناول النقاش قضايا خلافية أو يوجه انتقادات إلى أصحاب السلطة والنفوذ. ففي هذه الحالات، يصبح وضوح التشريع واستقلال القضاء وجودة التعليل عناصر حاسمة في حماية المجال العام.
أما الحد الفاصل بين النقد والجريمة، فلا ينبغي أن يرسمه انزعاج المسؤول من الكلام أو مجرد ادعاء المتحدث أنه يمارس حقاً دستورياً. بل يجب أن يحدده قانون واضح وتقييم قضائي مستقل، يراعي الأدلة والضرورة والتناسب. وبذلك يمكن أن يصبح القانون ضمانة مشتركة لحرية التعبير وحقوق الأفراد، بدلاً من أن يتحول إلى مصدر للخوف من المشاركة في النقاش العام.
