f x ig yt
الجمعة، 16 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

مصنع سافران بالمغرب.. 400 وظيفة جديدة مرتقبة

توسعة صناعية جديدة بعين عتيق ترفع مساحة مصنع سافران إلى 31,400 متر مربع، وتفتح آفاقاً لتوظيف مئات العاملين. غير أن الأثر الاقتصادي للاستثمار يتوقف على جودة الوظائف ونقل التكنولوجيا واندماج المقاولات المغربية في سلاسل الإنتاج.

اقتصاد 📅 15 أكتوبر 2026 ⏱ 8 دقائق
عين عتيق: شركة «سافران Electrical & Power Morocco/ارشيف.

لم يعد حضور المغرب في صناعة الطيران يقتصر على استقطاب المصانع الأجنبية وتوفير اليد العاملة اللازمة لتشغيلها، بل أصبح يطرح سؤالاً أكثر تعقيداً يتعلق بطبيعة الموقع الذي تحتله الصناعة الوطنية داخل سلاسل الإنتاج العالمية. فالتوسع الجديد الذي دشنته مجموعة سافران الفرنسية، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، بموقعها الصناعي في عين عتيق التابعة لعمالة الصخيرات-تمارة، يقدم مثالاً على التحولات التي يشهدها هذا القطاع. لكنه يفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد المغربي، ومدى استفادة العمال والمقاولات المحلية من الاستثمارات المتزايدة.

وتتعلق العملية بتوسعة وحدة صناعية متخصصة في تصنيع الضفائر الكهربائية للطائرات، وهي مكونات أساسية في ربط الأنظمة الكهربائية والإلكترونية داخل الطائرة. وتبلغ المساحة الإضافية 5700 متر مربع، لترتفع المساحة الإجمالية للمصنع إلى 31,400 متر مربع. كما تتوقع الشركة إحداث 400 منصب شغل إضافي، إلى جانب 1610 عاملين يشغلهم الموقع حالياً.

وتعكس هذه الأرقام أهمية الموقع في النشاط الصناعي للمجموعة، لكنها لا تكفي وحدها لقياس أثر الاستثمار على التنمية الاقتصادية. فعدد الوظائف المعلنة لا يوضح طبيعة العقود أو مستويات الأجور أو فرص الترقية المهنية، كما أن توسيع المساحة الإنتاجية لا يعني بالضرورة انتقال جزء أكبر من أنشطة البحث والتطوير والتصميم إلى المغرب.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة تتجاوز الاحتفاء بحجم الاستثمار، وتبحث في الشروط التي تجعل من التوسع الصناعي فرصة لتعزيز القدرات الوطنية، وليس مجرد زيادة في الطاقة الإنتاجية لشركة دولية.

عشرون سنة من الحضور الصناعي.. ماذا تغير في موقع المغرب؟

تزامنت التوسعة الجديدة مع مرور عشرين سنة على حضور سافران في المغرب. وخلال هذه الفترة، تطورت أنشطة المجموعة داخل المنظومة الصناعية الوطنية، مستفيدة من موقع المغرب الجغرافي وقربه من الأسواق الأوروبية وتطور البنيات الصناعية واللوجستية المرتبطة بقطاع الطيران.

ويشكل مصنع عين عتيق جزءاً من شبكة إنتاج دولية تخضع لمعايير دقيقة في الجودة والسلامة والتتبع التقني. فالضفائر الكهربائية المستخدمة في الطائرات لا تُصنع بمعزل عن باقي مكونات المنظومة الصناعية، بل تدخل ضمن عمليات إنتاج تتطلب التنسيق بين الموردين والمصنعين ومراكز الاختبار والمراقبة.

وتوفر المشاركة في هذه الشبكات فرصة لاكتساب خبرات صناعية متخصصة، لكنها تضع أيضاً حدوداً أمام الاستقلال الإنتاجي. فالمقاولة التي تنجز مكونات وفق مواصفات يحددها زبون دولي قد تحقق مستويات مرتفعة من الجودة، دون أن تتحكم بالضرورة في تصميم المنتج أو التكنولوجيا المستخدمة فيه.

ولذلك فإن تطور الصناعة الوطنية لا ينبغي قياسه بعدد المصانع وحده، وإنما كذلك بقدرة المقاولات المغربية على الانتقال إلى أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، تشمل الهندسة والتطوير والاختبارات التقنية والخدمات الصناعية المتقدمة.

ويكتسب هذا التحدي أهمية إضافية في قطاع الطيران، حيث تتوزع مراحل الإنتاج بين بلدان متعددة، بينما تتركز بعض الوظائف الأكثر ارتباطاً بالبحث والتطوير والملكية الفكرية في عدد محدود من المراكز الصناعية.

400 منصب شغل جديد.. بين الإعلان والإنجاز

تعد الشركة بإحداث 400 منصب شغل إضافي نتيجة التوسعة، وهو رقم مهم بالنسبة إلى سوق العمل المحلي. غير أن الصياغة الدقيقة تقتضي التمييز بين الوظائف المرتقبة والوظائف التي جرى إحداثها فعلياً، لأن المعطيات الرسمية لم تحدد جدولاً زمنياً مفصلاً لاستكمال عمليات التوظيف.

وتبرز أهمية هذا التمييز في تقييم المشاريع الصناعية، إذ إن الإعلان عن فرص العمل يمثل التزاماً استثمارياً يحتاج إلى متابعة لاحقة. كما أن قياس أثره الاجتماعي يستلزم معرفة طبيعة الوظائف، ومستويات التأهيل المطلوبة، ونوعية العقود، وفرص التطور المهني.

ومن الناحية الاقتصادية، لا تتساوى جميع الوظائف في أثرها على التنمية. فقد يساهم منصب يتطلب مهارات تقنية متقدمة في تطوير خبرات قابلة للانتقال إلى قطاعات أخرى، بينما تكون فرص التطور المهني أكثر محدودية في الوظائف التي تقتصر على عمليات إنتاج متكررة.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التشغيل الصناعي المباشر، بل التأكيد على أن جودة العمل واستقراره يشكلان جزءاً أساسياً من تقييم الاستثمار. فخلق الوظائف يمكن أن يحسن الدخل المحلي، لكن تحويلها إلى رافعة للتنمية يتطلب أيضاً مسارات للتكوين والترقية واكتساب المهارات.

النساء يشكلن 87% من العاملين.. رقم يستحق قراءة اجتماعية

من أبرز المعطيات التي أعلنتها وزارة الصناعة والتجارة أن النساء يشكلن 87 في المائة من مجموع العاملين بموقع عين عتيق، الذي يضم حالياً 1610 مستخدمين. وهي نسبة مرتفعة تميز البنية البشرية لهذا المصنع وتستحق معالجة تتجاوز الإشارة إليها باعتبارها مؤشراً إيجابياً في حد ذاته.

فالحضور النسائي الواسع في النشاط الصناعي يمكن أن يعكس فرصاً مهمة للإدماج الاقتصادي، خصوصاً في المهن المرتبطة بالإنتاج والتجهيزات التقنية. لكنه لا يكشف وحده عن طبيعة توزيع المسؤوليات داخل المؤسسة، أو نسبة النساء في الوظائف الهندسية والإدارية ومواقع اتخاذ القرار.

كما أن تقييم جودة الإدماج المهني يحتاج إلى معطيات عن الأجور والترقيات والتكوين وظروف العمل. فقد ترتفع نسبة مشاركة النساء في مصنع معين، بينما تظل فرص الوصول إلى المناصب القيادية محدودة. وقد يحدث العكس أيضاً، وهو ما لا تسمح الأرقام الإجمالية بالحسم فيه.

ومن ثم، فإن الرقم المعلن يفتح مجالاً لبحث صحفي أوسع حول طبيعة التشغيل النسائي في صناعة الطيران المغربية، ومدى مساهمته في الاستقلال الاقتصادي للعاملات وتطوير مساراتهن المهنية.

نقل التكنولوجيا.. الحلقة الحاسمة في تطوير الصناعة الوطنية

أكد مسؤولو سافران أن توسعة عين عتيق ستسمح بتعزيز القدرات الإنتاجية وإدماج برامج صناعية جديدة. كما أشاروا إلى استمرار استثمارات المجموعة في أنشطة المحركات الكهربائية وفرامل الهبوط والتجهيزات الكهروميكانيكية بموقع الدار البيضاء.

وتكشف هذه التوجهات عن اتساع مجالات النشاط الصناعي للمجموعة بالمغرب، لكنها لا تقدم بمفردها دليلاً على انتقال التكنولوجيا إلى المقاولات الوطنية. فنقل التكنولوجيا عملية أكثر تعقيداً من مجرد توطين خطوط إنتاج جديدة، لأنها ترتبط بامتلاك المعرفة التقنية وتطوير المهارات والمشاركة في عمليات التصميم والابتكار.

وقد تستفيد الصناعة المغربية من وجود شركات دولية متخصصة إذا تمكنت المؤسسات التعليمية والمقاولات المحلية من بناء علاقات إنتاجية ومعرفية معها. لكن تحقق هذه الفوائد يتطلب سياسات تشجع التعاون الصناعي وتطوير الموردين المحليين، بدلاً من الاكتفاء بتوفير البنيات التحتية والحوافز الاستثمارية.

وتبرز هنا أهمية الجامعات ومؤسسات التكوين المهني. فقد أشارت مسؤولة سافران بالمغرب، ليلى الغريب، إلى دور التعاون مع مؤسسات التعليم والتكوين في إعداد الكفاءات اللازمة لتطوير أنشطة المجموعة. غير أن فعالية هذه الشراكات تحتاج إلى تقييم نتائجها، من حيث عدد المتدربين وفرص إدماجهم وتطور مؤهلاتهم المهنية.

المقاولات المغربية.. هل تستفيد من توسع المصانع الأجنبية؟

لا يقتصر الأثر الاقتصادي للاستثمار الصناعي على الوظائف المباشرة داخل المصنع. فقد يؤدي توسع الإنتاج إلى زيادة الطلب على خدمات النقل والصيانة والتجهيزات والخدمات التقنية، وهو ما يمكن أن يخلق فرصاً لمقاولات محلية.

لكن هذا الأثر ليس مضموناً بصورة تلقائية. فالشركات العاملة في صناعة الطيران تعتمد على معايير صارمة في اختيار الموردين، وقد تستورد جزءاً مهماً من مكوناتها من شبكات إنتاج دولية مرتبطة بها مسبقاً.

ولهذا فإن السؤال يتعلق بمدى قدرة المقاولات المغربية على الاندماج في هذه الشبكات، سواء من خلال الحصول على الاعتمادات التقنية المطلوبة أو تطوير قدراتها الإنتاجية والاستثمار في الجودة والابتكار.

ويظل معدل الإدماج المحلي من المؤشرات الأساسية التي ينبغي تتبعها، لأنه يساعد على معرفة نسبة القيمة التي ينتجها الاقتصاد الوطني داخل سلسلة التصنيع. ولا تتضمن البيانات المنشورة بشأن توسعة عين عتيق تقديراً مفصلاً لهذا المعدل على مستوى المشروع الجديد.

ومن دون هذه المعطيات، يصعب تحديد حجم المنافع غير المباشرة التي يمكن أن تحققها التوسعة خارج أسوار المصنع.

صناعة الطيران والتحول البيئي.. رهانات تتجاوز التصنيع

ربطت إدارة سافران توسع أنشطتها الكهربائية بالتوجه العالمي نحو تحسين كفاءة الطائرات وتقليل أثرها البيئي. وتندرج هذه الاستراتيجية ضمن مساعٍ صناعية تشمل تطوير الأنظمة الكهربائية واستخدام وقود طيران أكثر استدامة وتقنيات الدفع الهجين.

غير أن المساهمة في تصنيع مكونات مرتبطة بهذه التحولات لا تعني تلقائياً أن النشاط الصناعي نفسه أصبح محايداً كربونياً. فالتقييم البيئي يحتاج إلى قياس استهلاك الطاقة والموارد والانبعاثات المرتبطة بالإنتاج والنقل وسلاسل التوريد.

كما ينبغي التمييز بين الأهداف المستقبلية للشركات والنتائج التي تحققت فعلياً. فالوصول إلى طيران أقل انبعاثاً يظل رهناً بتطور التكنولوجيا ومصادر الطاقة وأنظمة النقل الجوي، وليس بمجرد توسيع إنتاج التجهيزات الكهربائية.

وبالنسبة إلى المغرب، تبرز فرصة لربط تطور الصناعة الجوية بالطاقات المتجددة وتطوير الكفاءات التقنية، بشرط أن تستند هذه الخيارات إلى مؤشرات قابلة للقياس ومتابعة دورية للأداء البيئي.

من استقطاب الاستثمارات إلى قياس أثرها الاجتماعي

تؤكد توسعة مصنع سافران أن المغرب ما زال قادراً على جذب استثمارات صناعية في قطاعات تتطلب مستويات مرتفعة من التنظيم والجودة. كما تكشف أن صناعة الطيران أصبحت نشاطاً يتجاوز التجميع البسيط، بالنظر إلى تنوع المكونات والعمليات التقنية التي تستضيفها المنظومة الصناعية الوطنية.

لكن التوسع الكمي يظل مرحلة واحدة من مسار التنمية الصناعية. فالتحدي الأكثر أهمية يتعلق بقدرة الاقتصاد المغربي على تحويل هذه الاستثمارات إلى تراكم مستدام للمعرفة والمهارات، وإلى فرص عمل مستقرة ومداخيل أفضل، مع توسيع مشاركة المقاولات الوطنية في الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة.

ولا تسمح المعطيات المتاحة حالياً بالحكم على مدى تحقق هذه الأهداف في مشروع عين عتيق الجديد. فالوظائف الإضافية ما زالت مرتقبة، وتفاصيل الأجور غير منشورة، كما لا تتوافر بيانات كافية عن نسبة الإدماج المحلي أو حجم نقل التكنولوجيا الناتج عن التوسعة.

ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للاستثمار لن يكون في يوم التدشين، وإنما خلال السنوات المقبلة، عندما يصبح ممكناً قياس الوظائف التي أُحدثت فعلياً، والمهارات التي اكتسبها العاملون، والفرص التي حصلت عليها المقاولات المغربية.

فنجاح السياسة الصناعية لا يتحدد بعدد الوحدات الإنتاجية التي تستقطبها البلاد وحده، بل بمدى مساهمتها في بناء اقتصاد يمتلك قدرات تقنية متنامية، ويوفر فرصاً مهنية ذات جودة، ويحتفظ بحصة أكبر من القيمة التي ينتجها.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً