يرتبط النقاش حول تولي نبيل بنعبد الله حقيبة التربية الوطنية بسؤال أعمق من التغيير الوزاري: لماذا تتعاقب البرامج الإصلاحية بينما تستمر المدرسة العمومية في مواجهة صعوبات تتعلق بجودة التعلمات والإنصاف الاجتماعي؟ فالرهان لا يقتصر على توسيع المؤسسات وتطوير المناهج، بل يشمل قدرة المدرسة على منح التلاميذ المعارف والمهارات التي يحتاجون إليها.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب إعداد التوجهات المالية للسنة المقبلة. فالتعليم يتطلب استثمارات مستمرة، لكنه يحتاج أيضاً إلى تقييم نتائج الإنفاق العمومي. ولا يكفي الإعلان عن برامج جديدة ما لم تتضح علاقتها بالإصلاحات السابقة ومؤشرات نجاحها.
تأكد تعيين نبيل بنعبد الله وزيراً للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، يوم 16 أكتوبر 2026. ويأتي إلى الوزارة بخبرة سياسية وحكومية سابقة، في مرحلة تفرض تقييم نتائج الإصلاحات التربوية قبل إطلاق برامج جديدة.
وتكشف نتائج دراسة PISA 2025 أن متوسط أداء التلاميذ المغاربة تراجع في الرياضيات والقراءة مقارنة بسنة 2022، بينما ظل الأداء في العلوم قريباً من مستواه السابق. وهي معطيات تجعل جودة التعلمات، لا مجرد توسيع العرض المدرسي، في قلب مسؤوليات الوزير الجديد.
نبيل بنعبد الله أمام امتحان المدرسة العمومية.. هل يتحول الإصلاح إلى نتائج داخل الأقسام؟
العنوان الفرعي: يتسلم الوزير الجديد قطاع التربية الوطنية في مرحلة تتداخل فيها أزمة التعلمات مع الهدر المدرسي والتفاوتات المجالية، بينما تفرض حصيلة مدارس الريادة وإصلاح التكوين المهني مراجعة دقيقة لأولويات المرحلة المقبلة.
الرباط – الاختيار24 | 16 أكتوبر 2026
يحمل تعيين نبيل بنعبد الله وزيراً للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل دلالة تتجاوز عودة شخصية حزبية إلى المسؤولية الحكومية. فالوزير الجديد يتسلم قطاعاً شهد إصلاحات متعاقبة، ورُصدت له استثمارات وبرامج متعددة. ومع ذلك، لا تزال المدرسة العمومية تواجه صعوبات في ضمان التعلمات الأساسية وتكافؤ الفرص بين التلاميذ.
وتأتي هذه العودة الحكومية في سياق سياسي مختلف، بعدما انتقل بنعبد الله من موقع قيادة حزب التقدم والاشتراكية إلى تدبير قطاع اجتماعي حساس. وهو قطاع ترتبط نتائجه بالحياة اليومية للأسر، وبمستقبل الشباب، وبقدرة الاقتصاد الوطني على توفير فرص الشغل.
غير أن التحدي لا يتعلق بإطلاق إصلاح جديد يحمل اسم الوزير، بل بتحديد ما نجح في البرامج السابقة وما يحتاج إلى تصحيح. فاستمرار تغيير المسؤولين دون تقييم واضح للسياسات قد يحول المدرسة إلى مجال لتراكم المشاريع، بدل بناء إصلاح متدرج ومستقر.
نتائج التعلمات.. المؤشر الذي يصعب تجاوزه
تقدم نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ PISA 2025 صورة تستحق التوقف عندها. فقد سجل المغرب تراجعاً في متوسط الأداء في الرياضيات والقراءة مقارنة بنتائج سنة 2022. أما العلوم، فبقي متوسط الأداء فيها قريباً من المستوى السابق.
ولا تعني هذه النتائج أن جميع المؤسسات تعرف الوضع نفسه. لكنها تكشف استمرار تحديات بنيوية تتعلق بقدرة المنظومة على ضمان التعلمات الأساسية لدى فئات واسعة من التلاميذ.
وتزداد أهمية هذه المؤشرات لأنها تقيس مهارات استعمال المعرفة، وليس مجرد استظهار المعلومات المدرسية. فالقدرة على فهم نص أو حل مسألة رياضية ترتبط بنوعية التعليم الذي يتلقاه التلميذ طوال سنوات الدراسة.
ومن هنا، سيكون مطلوباً من الوزارة تجاوز الخطاب العام حول تحسين الجودة. ويقتضي ذلك تحديد مستويات التعلم المستهدفة، ونشر نتائج التقييم بانتظام، وتوجيه الدعم نحو المؤسسات والتلاميذ الأكثر حاجة.
كما ينبغي قراءة النتائج الدولية في ضوء الخصوصيات الاجتماعية والمجالية للمغرب. فتوسيع الولوج إلى التعليم قد يغير تركيبة التلاميذ المشاركين في التقييم. ولهذا، يحتاج تحليل الأداء إلى الجمع بين تطور النتائج وتغير نسب التمدرس.
مدارس الريادة.. بين نتائج التجربة وحدود التعميم
يمثل مشروع مدارس الريادة أحد أبرز البرامج التي ورثها الوزير الجديد. وقد أُطلق ضمن خارطة الطريق 2022-2026، بهدف تحسين التعلمات الأساسية وتطوير الممارسات التربوية داخل المؤسسات العمومية.
ويعتمد المشروع على تقييم مستويات التلاميذ، وتقديم دعم موجه للمتعثرين، وتطوير تكوين المدرسين. كما يمنح أهمية للتدبير التربوي داخل المؤسسة وللعلاقة مع الأسر.
وقد تناول المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي نتائج المرحلة التجريبية في تقييم خارجي صدر سنة 2025. وأبرز التقييم جوانب إيجابية، لكنه أشار أيضاً إلى تحديات ترتبط بالتفاوت بين المؤسسات والجهات وشروط التنفيذ.
وفي المقابل، أعلنت الوزارة السابقة توسيع البرنامج تدريجياً، مع استهداف تعميمه على التعليم الابتدائي خلال السنوات المقبلة.
لكن التوسع العددي لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن تقييم الأثر التربوي. فنجاح المشروع يتطلب معرفة ما إذا كان التلاميذ قد حققوا تقدماً مستداماً في القراءة والكتابة والحساب. كما ينبغي تحديد مدى قدرة المؤسسات الأقل تجهيزاً على تطبيق النموذج بالشروط نفسها.
وسيكون أمام نبيل بنعبد الله خيار مؤسساتي مهم. ويتمثل في مواصلة البرنامج مع تصحيح اختلالاته، أو إدخال تعديلات مبنية على نتائج التقييم. أما إلغاء التجربة أو تعميمها دون مراجعة علمية، فقد يؤدي إلى فقدان مكتسبات أو توسيع صعوبات قائمة.
الهدر المدرسي.. حين تتحول الفوارق الاجتماعية إلى انقطاع عن الدراسة
لا يرتبط الهدر المدرسي بضعف التحصيل وحده. فهناك عوامل اجتماعية واقتصادية ومجالية تؤثر في استمرار التلاميذ داخل المؤسسات التعليمية.
وتواجه بعض الأسر تكاليف مرتبطة بالنقل واللوازم المدرسية والإقامة بعيداً عن المنزل. كما تبرز صعوبات خاصة في المناطق القروية والجبلية، حيث تتباعد المؤسسات وتتراجع بعض خدمات الدعم.
وتزداد مخاطر الانقطاع خلال الانتقال بين المستويات الدراسية، خصوصاً عندما يتطلب استكمال الدراسة التنقل إلى مركز حضري بعيد.
ولهذا، لا يمكن معالجة الهدر المدرسي بإجراءات بيداغوجية معزولة عن محيط التلميذ. فالنقل المدرسي والإطعام والإيواء والدعم الاجتماعي عناصر تؤثر مباشرة في تكافؤ الفرص.
كما ينبغي تطوير آليات الإنذار المبكر لرصد الغياب المتكرر والتعثر الدراسي. فالتدخل قبل الانقطاع أكثر فعالية من محاولة إعادة إدماج التلميذ بعد مغادرته المؤسسة.
وسيكون نجاح السياسة الجديدة مرتبطاً بقدرتها على الجمع بين تحسين التعلمات وإزالة العوائق الاجتماعية أمام التمدرس.
المدرس في قلب الإصلاح.. من تدبير الموارد إلى جودة الممارسة
يصعب تصور مدرسة ذات جودة دون مدرس يمتلك التكوين المناسب ويعمل في ظروف مهنية مستقرة. ولذلك، يحتل ملف الموارد البشرية موقعاً مركزياً في أي سياسة تعليمية جادة.
وقد شهد القطاع خلال السنوات الماضية نقاشات حول النظام الأساسي والتكوين والحركة الانتقالية والأعباء المهنية. كما برزت مطالب تتعلق بتحسين ظروف العمل وتخفيف الضغط داخل المؤسسات.
غير أن تحسين الوضعية المهنية لا ينبغي فصله عن تطوير الممارسة التربوية. فالمدرس يحتاج إلى تكوين مستمر ووسائل تعليمية مناسبة، وإلى إدارة مدرسية توفر شروط العمل الجماعي.
وتظهر أهمية هذا الجانب في الأقسام التي تضم تلاميذ بمستويات تعلم متفاوتة. فالتعامل مع هذا التفاوت يتطلب أدوات للتشخيص والدعم، وليس الاكتفاء بإتمام المقرر الدراسي.
ومن ثم، سيكون الحوار مع الهيئات النقابية والمهنية ضرورياً لضمان استقرار القطاع. لكنه يحتاج أيضاً إلى ربط الالتزامات المتبادلة بأهداف تربوية قابلة للتقييم.
المدرسة القروية.. إصلاح لا يكتمل دون عدالة مجالية
تختلف شروط التمدرس بين الأحياء الحضرية والمناطق القروية البعيدة. ويظهر هذا التفاوت في البنيات الأساسية والنقل والتجهيزات، وأحياناً في استقرار الأطر التعليمية.
ولا يعني بناء مؤسسة جديدة بالضرورة توفير تعليم جيد. فالمؤسسة تحتاج إلى مدرسين وتجهيزات وصيانة، وإلى خدمات تضمن استمرار التلاميذ في الدراسة.
كما أن طبيعة المجال القروي تفرض حلولاً تتناسب مع المسافات والكثافة السكانية. فقد تكون المدارس الجماعاتية مناسبة في بعض المناطق، لكنها تحتاج إلى نقل آمن وإيواء ملائم عند الضرورة.
وتبرز هنا أهمية التنسيق بين وزارة التربية الوطنية والجماعات الترابية والقطاعات المكلفة بالتجهيز والنقل والتنمية الاجتماعية. فالمؤسسة التعليمية ليست معزولة عن محيطها.
ولهذا، ينبغي تقييم العدالة المجالية من خلال النتائج الفعلية للتلاميذ وفرص استمرارهم في الدراسة. أما الاكتفاء بإحصاء المؤسسات والمقاعد الدراسية، فلا يكشف جميع أوجه التفاوت.
التكوين المهني.. هل تصبح الشهادة جسراً نحو التشغيل؟
تضم الحقيبة الوزارية الجديدة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل. ويمنح هذا الجمع فرصة لتعزيز العلاقة بين المسارات التعليمية والتكوين المؤهل لسوق العمل.
فكثير من الشباب يواجهون صعوبات في الانتقال من الدراسة إلى الشغل. ولا ترتبط هذه الصعوبات بنقص فرص العمل وحده، بل تشمل أحياناً عدم التوافق بين المهارات المكتسبة وحاجيات المقاولات.
ويحتاج تطوير التكوين المهني إلى معرفة دقيقة بالتحولات الاقتصادية داخل الجهات. فالحاجيات المرتبطة بالصناعة والسياحة والخدمات والتقنيات الحديثة ليست متطابقة في جميع المناطق.
كما ينبغي تجنب التعامل مع التكوين المهني باعتباره مساراً موجهاً حصرياً إلى التلاميذ المتعثرين. فنجاحه يتطلب تحسين جاذبيته، وتطوير جودة التكوين، وفتح إمكانات متابعة الدراسة والتطور المهني.
ويظل قياس إدماج الخريجين في سوق الشغل مؤشراً أساسياً لتقييم البرامج. فعدد المسجلين والمتخرجين لا يكفي إذا لم تتوفر معطيات عن فرص التشغيل وجودتها واستمراريتها.
ميزانية التعليم.. الإنفاق ضروري لكنه ليس معيار النجاح الوحيد
تحتاج المدرسة المغربية إلى موارد مالية مستمرة لتوسيع العرض وتحسين البنيات وتكوين المدرسين. غير أن ارتفاع الإنفاق لا يضمن وحده تحسناً موازياً في النتائج.
فقد تتأخر مشاريع بسبب صعوبات التدبير أو ضعف التنسيق بين المتدخلين. كما يمكن أن تتراجع مردودية بعض البرامج إذا لم تُحدد أهدافها بصورة دقيقة.
ولهذا، سيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027 مناسبة لتقييم الأولويات الجديدة. وسيظهر من خلال توزيع الاعتمادات مدى الاهتمام بالتعلمات الأساسية والدعم الاجتماعي والتكوين وتجهيز المؤسسات.
لكن الأهم هو متابعة تنفيذ الميزانية، وليس الاكتفاء بالأرقام المعلنة عند تقديم المشروع. فالفارق بين الاعتمادات المرصودة والمشاريع المنجزة قد يكشف اختلالات تستحق المعالجة.
وتحتاج الوزارة إلى نشر مؤشرات واضحة بشأن كلفة البرامج ونتائجها. ومن شأن ذلك تعزيز الرقابة البرلمانية وتمكين الأسر والباحثين من متابعة تطور المنظومة.
هل يحتاج المغرب إلى إصلاح جديد أم إلى استكمال الإصلاح القائم؟
عرف قطاع التعليم المغربي خلال العقود الماضية وثائق مرجعية وبرامج متعددة. وتراكمت معها أهداف تتعلق بالجودة والإنصاف والحكامة وربط التعليم بالتنمية.
غير أن تكرار إعلان الإصلاح قد يفقد معناه عندما لا يصاحبه تقييم واضح لما تحقق. فالمؤسسات تحتاج إلى الاستقرار، والمدرسون يحتاجون إلى الوقت لاستيعاب التغييرات وتطبيقها.
ولا يعني ذلك رفض المراجعة أو تصحيح السياسات. بل يقتضي التمييز بين الإصلاحات التي أثبتت جدواها وتلك التي لم تحقق النتائج المطلوبة.
وقد يكون التحدي الأكبر أمام نبيل بنعبد الله هو بناء استمرارية نقدية. وتقوم هذه المقاربة على الاحتفاظ بالمكتسبات، وتصحيح الاختلالات، وتجنب تغيير البرامج لمجرد تغير المسؤولين.
كما تتطلب إشراك الفاعلين التربويين والأسر والباحثين في تقييم السياسات. فالإصلاح لا يمكن أن ينجح إذا ظل قراراً إدارياً بعيداً عن واقع الأقسام.
امتحان الوزير الجديد يبدأ من القسم الدراسي
لا يمكن اختزال مستقبل المدرسة العمومية في اسم الوزير أو انتمائه الحزبي. فالمعيار الحاسم هو قدرة السياسات الجديدة على تحسين تعلم التلاميذ وتقليص الفوارق بينهم.
ويواجه نبيل بنعبد الله تحدياً مزدوجاً. فمن جهة، عليه ضمان استمرارية المؤسسات والبرامج الجارية. ومن جهة أخرى، سيكون مطالباً بإظهار قدرة الحكومة على معالجة الاختلالات التي كشفتها التقييمات الوطنية والدولية.
وسيكون النجاح مرتبطاً بتطور مستويات القراءة والرياضيات، والحد من الانقطاع الدراسي، وتحسين ظروف عمل المدرسين. كما سيتوقف على جعل التكوين المهني مساراً فعلياً لاكتساب المهارات والاندماج الاقتصادي.
وفي النهاية، لن تُقاس حصيلة الوزارة بعدد المذكرات والبرامج الجديدة. بل ستُقاس بما يتعلمه التلميذ داخل القسم، وبقدرته على مواصلة دراسته في ظروف عادلة. عندئذ فقط يمكن الحديث عن تحول حقيقي في المدرسة العمومية المغربية.
