f x ig yt
الجمعة، 16 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

حكومة المنصوري أمام امتحان البرلمان.. هل تتحول الأغلبية الرباعية إلى برنامج قابل للتنفيذ؟

بعد تعيين الحكومة المغربية الجديدة، تنتقل الأنظار إلى البرنامج الحكومي والتصويت على الثقة. وبين التوافق الحزبي والالتزامات الاجتماعية، يبرز سؤال قدرة الأغلبية على تحويل اتفاقها السياسي إلى نتائج ملموسة.

الحكومة والبرلمان 📅 16 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المغربية الجديدة 2026 (ارشيف)

أكدت البوابة الرسمية للمملكة تعيين الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، اليوم الجمعة 16 أكتوبر، بالقصر الملكي بالرباط. وتضم الأغلبية أربعة أحزاب هي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.

كما أعلنت رئيسة الحكومة أن فريقها سيعمل على إعداد برنامج مشترك لعرضه أمام البرلمان. وبذلك، تنتقل المرحلة السياسية من توزيع الحقائب إلى اختبار الالتزامات والاختيارات العمومية.

من مشاورات تشكيل الحكومة إلى امتحان الأغلبية البرلمانية

انتهت مرحلة تشكيل الحكومة المغربية الجديدة بتعيين أعضائها، لكن الاختبار السياسي الأكثر أهمية لم يبدأ بعد. فانتقال الأحزاب الأربعة من التفاوض حول الحقائب إلى تدبير الشأن العام يتطلب اتفاقاً يتجاوز توزيع المسؤوليات. كما يحتاج إلى برنامج يحدد الأولويات والموارد والآجال، ويتيح للمواطنين تقييم النتائج.

وقد جمعت فاطمة الزهراء المنصوري أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية في أغلبية حكومية واحدة. وجاء هذا التحالف بعد مشاورات أعقبت الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026. غير أن الاتفاق على تشكيل الحكومة لا يعني بالضرورة التطابق الكامل في التصورات الاقتصادية والاجتماعية بين مكوناتها.

وتتباين المرجعيات السياسية لهذه الأحزاب، كما تختلف تجاربها في تدبير المؤسسات ومواقفها السابقة من بعض الإصلاحات. لذلك، فإن نجاح التحالف سيتوقف على قدرته على إنتاج اختيارات مشتركة، لا على الاكتفاء بإعلان الانسجام السياسي.

ويبرز هنا دور البرلمان باعتباره المؤسسة التي ستناقش البرنامج الحكومي وتختبر مدى تماسك الأغلبية. فالتعيين الملكي لأعضاء الحكومة يمثل مرحلة دستورية أساسية، لكنه لا يغني عن المسطرة المتعلقة بتقديم البرنامج والتصويت عليه.

البرنامج الحكومي.. من التوافق السياسي إلى الالتزامات القابلة للقياس

أعلنت رئيسة الحكومة أن فريقها سيعمل على بلورة برنامج يستجيب لانتظارات المواطنين. ويمثل هذا الإعلان توجهاً عاماً، لكنه لا يكشف بعد طبيعة التدابير التي ستعتمدها الحكومة أو الموارد المخصصة لتنفيذها.

وسيكون مطلوباً من الأغلبية تحويل الاتفاق السياسي إلى أهداف واضحة في التشغيل والصحة والتعليم والسكن والقدرة الشرائية. كما ينبغي أن يتضمن البرنامج مؤشرات تسمح بتقييم الإنجاز خلال الولاية الحكومية.

فالمشكلة لا تكمن دائماً في غياب الأهداف المعلنة، بل في اتساع الفجوة بين الوعود والتنفيذ. وقد شهد المغرب خلال السنوات الماضية إطلاق برامج اجتماعية واستثمارية متعددة، دون أن يؤدي ذلك إلى اختفاء التفاوتات المجالية أو الصعوبات التي تواجه بعض الفئات.

ولهذا، فإن البرنامج الحكومي يحتاج إلى تحديد المسؤوليات بين القطاعات، وتوضيح مصادر التمويل، والتمييز بين الإجراءات العاجلة والإصلاحات التي تتطلب سنوات.

ومن شأن هذه المقاربة أن تمنح النقاش البرلماني مضموناً عملياً. فبدلاً من الاكتفاء بتبادل المواقف السياسية، يمكن تقييم مدى واقعية الالتزامات وإمكان تنفيذها ضمن الموارد المتاحة.

أغلبية من أربعة أحزاب.. قوة عددية أم تحديات في التنسيق؟

يوفر التحالف الرباعي للحكومة قاعدة سياسية داخل مجلس النواب. غير أن قوة الأغلبية لا تُقاس بعدد الأحزاب المشاركة وحده، بل بقدرتها على اتخاذ قرارات متماسكة وتحمل مسؤوليتها أمام المواطنين.

فكل حزب يدخل الحكومة وهو يحمل تاريخه السياسي وبرنامجه الانتخابي وعلاقته بقواعده الاجتماعية. وقد تظهر الاختلافات عند مناقشة الخيارات الضريبية أو أولويات الإنفاق أو بعض الإصلاحات الاجتماعية.

ولا يمثل الاختلاف في حد ذاته مشكلة داخل حكومة ائتلافية. بل قد يساهم في تحسين القرارات عندما يُدار عبر مؤسسات واضحة وآليات للتفاوض. أما الخطر فيظهر عندما تتحول الخلافات إلى تعطيل للبرامج أو تبادل للمسؤوليات.

وتبرز أهمية هذا التحدي في القطاعات التي تتداخل اختصاصاتها. فالتشغيل يرتبط بالتعليم والتكوين والاستثمار، بينما تحتاج السياسة الاجتماعية إلى تنسيق بين المالية والصحة والسكن والإدماج الاجتماعي.

ولهذا، فإن الانسجام الحكومي لا ينبغي اختزاله في غياب التصريحات المتعارضة. فالمعيار الأهم هو قدرة الوزراء على تنفيذ سياسات متكاملة وتحقيق نتائج يمكن قياسها.

البرلمان بين منح الثقة ومراقبة التنفيذ

يحدد الدستور المغربي مسطرة تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان. ويعرض رئيس الحكومة التوجهات العامة للعمل الحكومي، ثم تجري مناقشتها وفق القواعد الدستورية والتنظيمية.

ويُعد تصويت مجلس النواب على البرنامج محطة حاسمة في تنصيب الحكومة. إذ يتطلب الحصول على ثقة الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، وفق الفصل 88 من الدستور.

لكن دور البرلمان لا ينتهي عند التصويت على الثقة. فالمؤسسة التشريعية مطالبة بمراقبة العمل الحكومي ومناقشة القوانين وتقييم السياسات العمومية.

وتكتسب هذه الوظائف أهمية خاصة عندما تتوفر الحكومة على أغلبية داعمة. فوجود أغلبية برلمانية لا ينبغي أن يحول الرقابة إلى إجراء شكلي، بل يفرض على النواب مسؤولية متابعة تنفيذ الالتزامات التي صادقوا عليها.

كما أن المعارضة مطالبة بتقديم بدائل قابلة للنقاش، والاستناد إلى المعطيات عند تقييم الأداء. فالرقابة الفعالة تحتاج إلى معلومات دقيقة وأسئلة واضحة، وليس إلى الاكتفاء بالمواقف السياسية العامة.

المعارضة الجديدة.. هل تتغير طبيعة النقاش السياسي؟

تؤدي إعادة تشكيل الأغلبية الحكومية إلى تغيير مواقع عدد من الأحزاب داخل البرلمان. وتفتح هذه التحولات المجال أمام إعادة ترتيب أدوار المعارضة وعلاقاتها بالمؤسسات.

غير أن فعالية المعارضة لا تتحدد بحجم حضورها الإعلامي وحده. فالمطلوب هو استخدام الأدوات البرلمانية لمناقشة السياسات العمومية ومساءلة الوزراء وتقييم أثر القرارات على المواطنين.

وتبرز أهمية هذا الدور في الملفات التي تتطلب استمرارية تتجاوز عمر الحكومة، مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية. فهذه القطاعات تحتاج إلى توافقات مؤسساتية واسعة، لكنها تحتاج أيضاً إلى نقد يكشف الاختلالات.

ولا يعني ذلك أن تتخلى المعارضة عن اختلافاتها السياسية مع الحكومة. بل يقتضي أن تميز بين القرارات التي تستحق الدعم والإجراءات التي تحتاج إلى مراجعة.

ومن شأن هذا التوازن أن يرفع جودة النقاش العمومي، وأن يساعد المواطنين على فهم الخيارات المطروحة وتكاليفها ونتائجها المحتملة.

القدرة الشرائية والتشغيل.. الاختبار الاجتماعي الأول

تواجه الحكومة الجديدة مطالب اجتماعية ترتبط بتكاليف المعيشة وفرص العمل وجودة الخدمات العمومية. وهي ملفات لا يمكن التعامل معها بمعزل عن الوضع الاقتصادي والمالي للبلاد.

فالقدرة الشرائية تتأثر بمستويات الأسعار والدخل وتكاليف السكن والنقل والخدمات الأساسية. كما أن معالجة البطالة تتطلب استثمارات منتجة وتكويناً مناسباً وحوافز للمقاولات.

وتزداد صعوبة هذه الملفات بسبب تفاوت الأوضاع بين الجهات والفئات الاجتماعية. فقد تستفيد بعض المناطق من مشاريع اقتصادية كبرى، بينما تظل مناطق أخرى محدودة الفرص والخدمات.

ولهذا، ينبغي أن يقدم البرنامج الحكومي تصوراً يربط النمو الاقتصادي بتحسين الأوضاع الاجتماعية. فلا يكفي ارتفاع حجم الاستثمار إذا لم ينعكس على التشغيل والدخل وجودة الحياة.

كما سيكون على الحكومة توضيح أولوياتها في الدعم الاجتماعي والإصلاح الضريبي. فكل اختيار مالي يحمل آثاراً مختلفة على الأسر والمقاولات والمالية العامة.

قانون المالية لسنة 2027.. أول اختبار عملي للبرنامج

سيشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 مناسبة مبكرة لقياس مدى انسجام الوعود الحكومية مع القرارات الفعلية. فالميزانية تكشف حجم الموارد التي تعتزم الدولة تخصيصها للقطاعات المختلفة.

وقد أُعد جزء من التوجهات المالية قبل تعيين الحكومة الجديدة، بحكم الطبيعة السنوية للمسطرة الميزانياتية. لذلك، ستواجه الأغلبية تحدي التوفيق بين استمرارية الالتزامات السابقة وأولوياتها السياسية الجديدة.

وتبرز أهمية هذا التحدي في تمويل الإصلاحات الاجتماعية والمشاريع الاستثمارية. فالتعليم والصحة والسكن والبنيات الأساسية تحتاج إلى اعتمادات مستمرة، بينما تفرض التوازنات المالية حدوداً على الإنفاق.

ولا ينبغي أن يقتصر النقاش البرلماني على حجم المبالغ المخصصة لكل قطاع. فالأهم هو معرفة كيفية إنفاقها والنتائج المنتظرة منها.

كما أن تقييم الميزانية يتطلب متابعة التنفيذ طوال السنة، ومقارنة الأهداف المعلنة بما تحقق فعلياً. وبهذا المعنى، تصبح المالية العامة أداة للمساءلة، لا مجرد وثيقة محاسبية.

من شرعية التشكيل إلى شرعية الإنجاز

تحمل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري دلالة سياسية خاصة، باعتبارها أول حكومة مغربية ترأسها امرأة. غير أن أهمية هذا التحول لا تلغي ضرورة تقييم الأداء وفق المعايير نفسها التي تنطبق على الحكومات السابقة.

فالرمزية السياسية قد تفتح آفاقاً جديدة للتمثيل والمشاركة، لكنها لا تعوض الحاجة إلى سياسات فعالة ومؤسسات خاضعة للمساءلة.

وسيكون أمام الحكومة تحدي بناء الثقة من خلال وضوح القرارات ونشر المعطيات واحترام الالتزامات. كما ينبغي أن تتجنب تحويل الاختلافات بين مكوناتها إلى مبرر لتعثر التنفيذ.

ومن جهة أخرى، سيكون مطلوباً من البرلمان ممارسة دوره كاملاً في التشريع والمراقبة. فنجاح المرحلة السياسية المقبلة لا يرتبط بالحكومة وحدها، بل بجودة العلاقة بين السلط والمؤسسات.

وفي النهاية، انتهت مشاورات تشكيل الحكومة، لكن امتحان الأغلبية الرباعية يبدأ مع عرض برنامجها أمام البرلمان. ولن يكون معيار النجاح مجرد الحفاظ على التماسك السياسي، بل القدرة على تحويل الالتزامات إلى نتائج يلمسها المواطنون في التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية. عندئذ فقط يمكن تقييم ما إذا كانت الحكومة الجديدة قد دشنت تحولاً في السياسات، أم اكتفت بإعادة ترتيب المسؤوليات.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً