f x ig yt
الخميس، 15 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

من إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية.. المغرب وتشيلي يفتحان طريقاً تجارياً جديداً

توقيع الشروط المرجعية لمفاوضات اتفاق تجاري بين الرباط وسانتياغو ينقل التقارب من التصريحات إلى بناء إطار اقتصادي جديد، قد يمنح المغرب أول اتفاق من نوعه في أمريكا اللاتينية ويمنح تشيلي أول بوابة تجارية تعاقدية مع دولة إفريقية.

أعمال واستثمار 📅 5 أكتوبر 2026 ⏱ 5 دقائق
وزيرا الخارجية المغربي ناصر بوريطة والتشيلي فرانسيسكو بيريز ماكينا خلال توقيع الشروط المرجعية لمفاوضات اتفاق للتجارة الحرة بين البلدين، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 21 شتنبر 2026. مصدر الصورة: وزارة الخارجية التشيلية / Handout.

بين الرباط وسانتياغو أكثر من ثمانية آلاف كيلومتر، ولا تنتمي تشيلي تقليدياً إلى قائمة الشركاء التجاريين الكبار للمغرب. ومع ذلك، تتحرك الدولتان خلال 2026 لبناء علاقة اقتصادية تتجاوز المسافة الجغرافية وتبحث عن موقع لكل منهما في سوق لا يصل إليها مباشرة بالسهولة نفسها: المغرب يتطلع إلى توسيع حضوره في أمريكا اللاتينية، بينما تبحث تشيلي عن منفذ أكثر انتظاماً نحو إفريقيا.

الخطوة الأحدث جاءت في نيويورك في 21 شتنبر، عندما وقع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره التشيلي فرانسيسكو بيريز ماكينا الشروط المرجعية التي ستؤطر التفاوض حول اتفاق للتجارة الحرة. الوثيقة لا تعني أن الاتفاق أصبح نافذاً، لكنها تنقل المشروع إلى مستوى أكثر تقدماً بعد أشهر من الاتصالات الاقتصادية بين البلدين. الخارجية التشيلية قالت إن الهدف هو المضي «بخطى حازمة» في المفاوضات، فيما يتزامن المسار مع مرور 65 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

اتفاق لم يولد في نيويورك

بدأ البناء العملي لهذا المسار قبل اجتماع شتنبر. ففي يونيو الماضي، استقبل المغرب وفداً تشيلياً ترأسته وكيلة وزارة العلاقات الاقتصادية الدولية باولا إستيفيز، ووقع الجانبان إعلاناً مشتركاً يمهد لبدء المفاوضات. وكانت سانتياغو واضحة منذ ذلك الحين في وصف الرهان: إذا اكتملت المفاوضات، سيكون هذا أول اتفاق تجاري لتشيلي مع دولة إفريقية.

وبالنسبة إلى المغرب، ستكون الدلالة معكوسة جغرافياً، إذ تتحدث السلطات التشيلية عن اتفاق سيكون الأول للمملكة مع بلد من أمريكا اللاتينية. ولذلك لا يتعلق الأمر فقط بخفض رسوم جمركية بين سوقين، بل بمحاولة فتح محور تجاري جديد بين منطقتين ظل التبادل المباشر بينهما محدوداً مقارنة بعلاقاتهما مع أوروبا والولايات المتحدة وآسيا.

وتكشف الأرقام حجم المسافة التي يريد الطرفان تجاوزها. فالمبادلات التجارية بين المغرب وتشيلي بلغت نحو 80.3 مليون دولار سنة 2025، بعدما كانت في حدود 10.4 ملايين دولار سنة 2003. الرقم نما بقوة، لكنه يظل متواضعاً إذا قورن بحجم التجارة الخارجية لكل من البلدين، وهو ما يجعل الاتفاق المقترح رهاناً على تجارة مستقبلية أكثر منه تتويجاً لتدفقات ضخمة قائمة بالفعل.

الغذاء في مقدمة الاختبار

من اللافت أن أحد أكثر القطاعات تقدماً في التقارب الجديد هو الغذاء. ففي أغسطس وقع البلدان إطاراً للتعاون الفني في المسائل الصحية المرتبطة بتجارة المنتجات الغذائية، وهي خطوة ضرورية لأن إزالة الرسوم وحدها لا تفتح الأسواق أمام المنتجات الزراعية إذا ظلت الاشتراطات الصحية والبيطرية والنباتية عائقاً أمام دخولها.

وتقدر الجهات التشيلية أن صادرات البلاد إلى المغرب يمكن أن تحقق إمكانات إضافية تناهز 48 مليون دولار بحلول 2030 إذا استمرت عملية تعميق المبادلات، على أن تمثل المنتجات الزراعية أكثر من 40 في المائة من هذه الإمكانات. كما نظمت وكالة ProChile في الرباط أول جولة أعمال لها في شمال إفريقيا، شاركت فيها 16 شركة تشيلية وأكثر من 30 مستورداً من المغرب وإفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، وأسفرت الاجتماعات عن توقعات لأعمال تجاوزت 16 مليون دولار.

هذه الأرقام تفسر جزءاً من اهتمام سانتياغو بالسوق المغربية، لكنها لا تفسره كله. فتشيلي قوة تصديرية في المنتجات الزراعية والغذائية والبحرية، وتحتاج إلى أسواق جديدة تقلل اعتمادها على المسارات التجارية التقليدية. والمغرب، بالنسبة إليها، ليس فقط سوقاً يضم عشرات الملايين من المستهلكين، وإنما نقطة اتصال محتملة مع أسواق إفريقية أخرى.

هل يصبح المغرب بوابة فعلية لإفريقيا؟

عبارة «بوابة إفريقيا» تتكرر كثيراً في الخطاب الاقتصادي المغربي، لكن الاتفاق المحتمل مع تشيلي سيضعها أمام اختبار عملي. فالموقع الجغرافي للمغرب وموانئه واتفاقاته التجارية وشبكات شركاته في القارة تمنحه أدوات حقيقية، غير أن تحويل هذه المزايا إلى منصة تستعملها الشركات التشيلية يتطلب أكثر من توقيع اتفاق حكومي.

الشركات تنظر في النهاية إلى كلفة النقل وسرعة التخليص الجمركي والقواعد الصحية وإمكانية إعادة التصدير وتوافر الخدمات اللوجستية وربحية الوصول إلى الأسواق الأخرى. وإذا استطاع المغرب تقديم هذه السلسلة بكلفة تنافسية، يمكن للعلاقة مع تشيلي أن تتجاوز التجارة الثنائية إلى استعمال المملكة مركزاً للتوزيع والاستثمار نحو غرب إفريقيا ومناطق أخرى.

أما إذا اقتصر الاتفاق على خفض التعريفات من دون نمو فعلي للاستثمار والتدفقات التجارية، فستظل فكرة «الجسر بين أمريكا اللاتينية وإفريقيا» أقرب إلى الوصف الدبلوماسي منها إلى واقع اقتصادي.

وفي الاتجاه الآخر.. ماذا يكسب المغرب؟

المعادلة لا ينبغي قراءتها من زاوية الصادرات التشيلية فقط. المغرب بدوره يبحث منذ سنوات عن تنويع شركائه وتقليل التركيز الشديد لتجارته الخارجية في السوق الأوروبية. وأمريكا اللاتينية تظل من المناطق التي لا يتناسب فيها الحضور التجاري المغربي مع حجم أسواقها وإمكاناتها.

اتفاق مع تشيلي يمكن أن يمنح الشركات المغربية نقطة دخول أكثر تنظيماً إلى اقتصاد منفتح على التجارة الدولية ويمتلك شبكة واسعة من الاتفاقيات. كما يمكن أن يفتح فرصاً أمام قطاعات مغربية تبحث عن أسواق أبعد من أوروبا وإفريقيا، شريطة أن تستطيع منافسة المنتجات القادمة من دول ترتبط أصلاً بعلاقات تجارية عميقة مع سانتياغو.

وهنا تظهر إحدى النقاط التي ينبغي مراقبتها عندما تبدأ المفاوضات التفصيلية: الاتفاق التجاري ليس مكسباً تلقائياً لجميع القطاعات. فتح السوق يعني فرصاً للمصدرين، لكنه يعني أيضاً منافسة إضافية للمنتجين المحليين، خصوصاً في القطاعات الزراعية والغذائية التي يتمتع فيها الطرفان بقدرات تصديرية.

الاقتصاد والدبلوماسية يسيران معاً

يصعب فصل التسارع الاقتصادي عن التقارب السياسي بين البلدين. ففي البيان المشترك الصادر في 21 شتنبر، أعلنت تشيلي دعمها للسيادة المغربية على كامل تراب المملكة، بما في ذلك الصحراء، واعتبرت مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 حلاً سياسياً للنزاع، كما أعلنت أنها ستشجع فرص التعاون الاقتصادي والتجاري في المنطقة.

هذا التداخل لا يجعل الاتفاق التجاري مجرد مقابل لموقف دبلوماسي، لكنه يكشف أن الرباط تبني علاقاتها الجديدة من خلال حزمة تجمع السياسة والتجارة والاستثمار. وهو نموذج ظهر في تحركات مغربية أخرى، حيث تتحول العلاقات الدبلوماسية تدريجياً إلى مشاريع اقتصادية ومصالح متبادلة يفترض أن تجعل الشراكة أكثر استدامة من البيانات السياسية وحدها.

الاختبار يبدأ عندما توضع السلع على الطاولة

لا يزال الطريق إلى اتفاق نهائي مفتوحاً. توقيع الشروط المرجعية يحدد إطار التفاوض ولا يحسم نتائجه، وستحتاج الرباط وسانتياغو إلى التفاهم بشأن الرسوم وقواعد المنشأ والخدمات والاستثمار والمعايير والقطاعات الحساسة قبل الوصول إلى نص يمكن اعتماده.

ولهذا ستكون المرحلة المقبلة أكثر أهمية من إعلان بدء المفاوضات. عندها سيظهر ما الذي يريد المغرب بيعه فعلياً في السوق التشيلية، وما الذي يريد فتح سوقه أمامه، وأي قطاعات سيحاول الطرفان حمايتها أو تحريرها تدريجياً.

إذا انتهى المسار باتفاق متوازن ورافقته استثمارات وتدفقات تجارية حقيقية، فلن تكون أهميته في قيمة المبادلات الحالية البالغة عشرات الملايين من الدولارات، بل في كونه تجربة لربط المغرب تجارياً بمنطقة ظل حضوره الاقتصادي فيها محدوداً. عندها فقط يمكن الحديث عن طريق تجاري جديد بين ضفتي الأطلسي، لا عن اتفاق آخر بقيت قيمته الأكبر في حفل توقيعه.

 

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً