أعاد انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى صفوف المعارضة البرلمانية طرح أسئلة تتعلق بتوازن القوى السياسية داخل مجلس النواب المغربي، بعد مرحلة تولى خلالها الحزب قيادة السلطة التنفيذية. ويأتي هذا التحول في سياق إعادة تشكيل الأغلبية الحكومية، بما يحمله من انعكاسات على العلاقات بين الأحزاب وطبيعة النقاش البرلماني خلال الولاية التشريعية الجديدة.
وبحسب المعطيات الواردة في القائمة البرلمانية المتداولة بتاريخ 14 أكتوبر 2026، يتوفر التجمع الوطني للأحرار على فريق يضم 66 نائباً، برئاسة ياسين عوكاشا. وإذا تأكد هذا الترتيب في الوثائق الرسمية النهائية، فإن الحزب سيصبح أحد المكونات الأساسية للمعارضة، بعد سنوات ارتبط خلالها اسمه بالقرارات الحكومية وتدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تغيير في الموقع داخل المؤسسة التشريعية، لأن الانتقال من الحكومة إلى المعارضة يفرض مراجعة أساليب العمل السياسي. فالحزب الذي كان مطالباً بالدفاع عن السياسات العمومية سيجد نفسه أمام مسؤولية مراقبتها وتقييمها، مع ضرورة توضيح موقفه من القرارات والبرامج التي ساهم سابقاً في إعدادها وتنفيذها.
من قيادة الحكومة إلى مقاعد المعارضة
تولى التجمع الوطني للأحرار قيادة الحكومة المغربية عقب انتخابات شتنبر 2021، عندما عُيّن رئيسه عزيز أخنوش رئيساً للحكومة. وقد ارتبطت تلك المرحلة بعدد من الأوراش الاقتصادية والاجتماعية، من بينها تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح بعض منظومات الدعم والاستثمار.
غير أن تجربة الحكم وضعت الحزب أيضاً في مواجهة انتقادات تتعلق بالقدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة وجودة الخدمات العمومية. وقد شكلت هذه الملفات جزءاً من النقاش السياسي خلال السنوات الماضية، سواء داخل البرلمان أو في الفضاء العمومي.
ومع انتقال الحزب إلى المعارضة، ستصبح حصيلة مشاركته في السلطة موضوعاً أساسياً في تحديد خطابه السياسي الجديد. فمن الصعب بناء معارضة مقنعة على رفض جميع اختيارات الحكومة المقبلة، خصوصاً عندما تكون بعض البرامج امتداداً لسياسات أُطلقت خلال المرحلة السابقة.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الحزب على تقديم مراجعة نقدية لتجربته الحكومية، والتمييز بين السياسات التي ما زال يدافع عنها والاختيارات التي يرى ضرورة تعديلها.
أغلبية جديدة أمام معارضة تعرف تفاصيل التدبير الحكومي
تستعد الأغلبية المرتقبة، بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، لتحمل المسؤولية التنفيذية في سياق اقتصادي واجتماعي يتطلب قرارات واضحة. وفي المقابل، يدخل التجمع الوطني للأحرار مرحلة المعارضة مستفيداً من خبرة مؤسساتية اكتسبها خلال توليه رئاسة الحكومة.
وقد تمنح هذه الخبرة نواب الحزب قدرة أكبر على مناقشة التفاصيل التقنية للسياسات العمومية. فالمعارضة التي تعرف مساطر إعداد الميزانية وآليات تنفيذ البرامج الحكومية تستطيع توجيه أسئلة دقيقة بشأن الموارد المالية والنتائج المتوقعة ومؤشرات الأداء.
لكن امتلاك الخبرة الحكومية لا يضمن وحده فعالية العمل الرقابي. إذ يتوقف الأمر على قدرة الفريق البرلماني على توظيف المعطيات بصورة موضوعية، وتقديم بدائل عملية، والابتعاد عن تحويل النقاش التشريعي إلى امتداد للمنافسة الانتخابية.
كما ستكون الأغلبية الجديدة مطالبة بالتعامل مع هذه المعارضة باعتبارها جزءاً من التوازن المؤسساتي، وليس مجرد خصم سياسي. ففعالية البرلمان ترتبط بوجود نقاش جدي حول القرارات العمومية، وبقدرة مختلف الفرق على ممارسة اختصاصاتها الدستورية.
مشروع مالية 2027 أول اختبار للموقع الجديد
يأتي هذا التحول السياسي قبل موعد إيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يشكل أحد أهم الاستحقاقات التشريعية خلال المرحلة المقبلة. ومن المنتظر أن تكشف مناقشة الميزانية عن طبيعة العلاقة بين الأغلبية الجديدة والتجمع الوطني للأحرار.
فالسياسة المالية تجمع بين اختيارات اقتصادية واجتماعية يصعب فصلها عن الحصيلة الحكومية السابقة. وقد تجد المعارضة نفسها أمام إجراءات تستكمل برامج كانت قد شاركت في إطلاقها، إلى جانب تدابير جديدة تعكس أولويات التحالف الحكومي المرتقب.
وفي هذه الحالة، سيكون معيار المصداقية مرتبطاً بمدى اتساق المواقف البرلمانية. فالدفاع عن استمرارية بعض الأوراش لا يتعارض مع الاعتراض على طريقة تمويلها أو تنفيذها، كما أن انتقاد تدبير الحكومة الجديدة يحتاج إلى الاستناد إلى معطيات قابلة للتحقق.
وتكتسب قضايا التشغيل والاستثمار والقدرة الشرائية أهمية خاصة، لأنها ترتبط مباشرة بانتظارات المواطنين. ومن شأن النقاش بشأنها أن يكشف ما إذا كانت المعارضة ستتجه نحو تقديم مقترحات بديلة، أم ستكتفي بمساءلة الحكومة حول نتائج قراراتها.
هل يعيد التحول رسم الخريطة الحزبية؟
لا يمكن اختزال انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة في تغيير المقاعد داخل البرلمان. فالتحول قد يؤثر في علاقاته مع الأحزاب الأخرى، وفي طريقة تنظيمه الداخلي، وفي استراتيجيته للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
فالأحزاب التي تنتقل من السلطة إلى المعارضة تواجه عادة تحدياً مزدوجاً. فهي تحتاج إلى المحافظة على تماسك تنظيمها السياسي، وفي الوقت نفسه إعادة بناء علاقتها بالناخبين على أساس خطاب مختلف عن الخطاب الحكومي.
كما أن وجود الحزب خارج الأغلبية قد يفتح المجال أمام تنسيق برلماني مع مكونات معارضة أخرى، خصوصاً في الملفات التي تتقاطع فيها المواقف الاقتصادية والاجتماعية. غير أن أي تقارب من هذا النوع سيظل رهيناً بالبرامج السياسية وبطبيعة القضايا المطروحة للنقاش.
ومن جهة أخرى، فإن الأغلبية الحكومية الجديدة ستكون مطالبة بإظهار انسجامها الداخلي. فالتوافق على تشكيل الحكومة لا يلغي الاختلافات بين الأحزاب بشأن ترتيب الأولويات أو توزيع الموارد العمومية، وهو ما قد ينعكس على مناقشة القوانين والسياسات القطاعية.
المعارضة بين الرقابة والمحاسبة السياسية
يمنح الدستور المغربي المعارضة البرلمانية مكانة مؤسساتية، ويضمن لها حقوقاً تتعلق بالمشاركة في العمل التشريعي ومراقبة الحكومة. غير أن ممارسة هذه الحقوق بصورة فعالة تتطلب أكثر من الحضور في الجلسات العامة أو إصدار المواقف السياسية.
فالمعارضة القادرة على التأثير تحتاج إلى تتبع تنفيذ القوانين، وفحص التقارير المالية، وتقييم السياسات العمومية، وتقديم مقترحات تستجيب للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية. كما تحتاج إلى التواصل مع المواطنين بلغة واضحة تشرح أسباب الاعتراض والبدائل المطروحة.
وبالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار، ستكون هذه المسؤولية مرتبطة أيضاً بتقييم حصيلته السابقة. فالمصداقية السياسية لا تتحقق بمجرد الانتقال إلى مقاعد المعارضة، بل تتطلب الاعتراف بالاختيارات السابقة والدفاع عنها عندما تكون مبررة، ومراجعتها عندما تظهر محدوديتها.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الأغلبية الجديدة إلى مجرد امتداد للخصومات الحزبية. فنجاح التجربة البرلمانية يتطلب تعاوناً مؤسساتياً يسمح بمناقشة السياسات على أساس نتائجها وآثارها، مع احترام الاختلاف السياسي بين الحكومة والمعارضة.
مرحلة جديدة واختبار للمصداقية
يفتح انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة مرحلة جديدة في الحياة البرلمانية المغربية، تتغير فيها مواقع المسؤولية دون أن تختفي الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.
فالحكومة المقبلة ستكون مطالبة بتقديم برنامج واضح وتنفيذه، بينما سيواجه الحزب الذي قاد الحكومة السابقة اختباراً يتعلق بقدرته على ممارسة رقابة جادة ومتسقة مع تجربته في السلطة.
وبين هذين الموقعين، يبقى البرلمان المؤسسة التي يفترض أن تحتضن النقاش حول الاختيارات العمومية، بعيداً عن اختزال السياسة في توزيع المناصب أو تبادل الاتهامات. وسيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027 مناسبة أولى لقياس مستوى هذا التحول، ومدى قدرة الأغلبية والمعارضة على جعل مصالح المواطنين محور العمل التشريعي والرقابي.
