f x ig yt
الخميس، 15 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

اليسار المغربي يعود إلى الحكومة.. هل ينجح في التوفيق بين مبادئه ومتطلبات السلطة؟

مشاركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية في التحالف الحكومي بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري تعيد طرح موقع اليسار في المشهد السياسي المغربي، وحدود قدرته على التأثير في السياسات الاجتماعية والاقتصادية داخل أغلبية متعددة المرجعيات.

المشهد السياسي 📅 13 أكتوبر 2026 ⏱ 5 دقائق
صورة تركيبية تعبيرية تجمع فاطمة الزهراء المنصوري ونبيل بنعبد الله ونزار بركة وإدريس لشكر، في سياق تشكيل الأغلبية الحكومية المغربية الجديدة. الصورة مُنشأة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ولا توثق اجتماعاً فعلياً بين الشخصيات الأربع.

تعيد مشاركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية في التحالف الحكومي الجديد النقاش حول مستقبل اليسار المغربي، ليس فقط من زاوية عودته إلى مواقع المسؤولية التنفيذية، وإنما من حيث قدرته على تحويل مرجعياته الاجتماعية إلى اختيارات عمومية ملموسة. فالتحالف الذي تقوده فاطمة الزهراء المنصوري، ويضم كذلك الأصالة والمعاصرة والاستقلال، يجمع أحزاباً تختلف في تاريخها السياسي وبرامجها، لكنها اتفقت على تشكيل أغلبية برلمانية من 207 مقاعد.

ويأتي هذا التحول بعد مرحلة اتسمت بوجود الحزبين اليساريين خارج الحكومة، وإن اختلفت تجربتاهما في المعارضة وموقعهما داخل المشهد الحزبي. ومع دخولهما الأغلبية الجديدة، يصبح السؤال المركزي مرتبطاً بمدى قدرتهما على التأثير في البرنامج الحكومي، خصوصاً في ملفات التشغيل والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والعدالة المجالية.

غير أن الحكم على هذه المشاركة لا يمكن أن يستند إلى الانتماء الإيديولوجي وحده. فوجود حزب يساري داخل الحكومة لا يعني تلقائياً اعتماد سياسات اجتماعية أكثر إنصافاً، مثلما لا يجعل مشاركته في تحالف متعدد المرجعيات تنازلاً عن مبادئه بالضرورة. وتبقى طبيعة البرنامج المتفق عليه، وتوزيع المسؤوليات، والقرارات التي ستتخذها الحكومة، المعايير الأساسية لتقييم هذه التجربة.

عودة اليسار إلى السلطة بين الرهان الاجتماعي وحدود التوافق

لا تمثل عودة الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى الأغلبية الحكومية مجرد تغيير في مواقع الأحزاب، بل تضع التيارين أمام اختبار سياسي يرتبط بمصداقية خطابهما الاجتماعي. فقد دافع الحزبان، بدرجات متفاوتة، عن توسيع دور الدولة في حماية الفئات الهشة وتحسين الخدمات العمومية، وهي مطالب ستصبح جزءاً من مسؤولياتهما المباشرة بمجرد المشاركة الفعلية في الحكومة.

ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية بالنظر إلى التجربة التاريخية للاتحاد الاشتراكي في حكومة التناوب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998، وما رافقها من آمال بشأن الإصلاح السياسي والاجتماعي. غير أن السياق الحالي مختلف، إذ يدخل الحزبان حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، ضمن توازنات برلمانية لا تمنحهما موقع القيادة، وإن كانت مشاركتهما ضرورية للحفاظ على الأغلبية المتفق عليها.

فالاتحاد الاشتراكي يتوفر على 26 مقعداً، مقابل 19 للتقدم والاشتراكية، أي إن مجموع تمثيلهما يبلغ 45 مقعداً من أصل 207 مقاعد للتحالف. ويمنح هذا الوزن الحزبين قدرة محتملة على التأثير في التفاوض حول البرنامج الحكومي، لكنه لا يكفي وحده لمعرفة حجم نفوذهما داخل السلطة التنفيذية، لأن ذلك سيتحدد أيضاً بطبيعة الحقائب الوزارية والاتفاقات السياسية التي ستنظم عمل الأغلبية.

التقدم والاشتراكية يبرر المشاركة بإمكانية التأثير في الإصلاحات

كان حزب التقدم والاشتراكية قد حسم موقفه من المشاركة يوم الاثنين 12 أكتوبر، عقب اجتماع مكتبه السياسي ومناقشة نتائج المشاورات مع رئيسة الحكومة المعينة. وربط الحزب قراره بالتوجهات المنتظرة للبرنامج الحكومي وميثاق الأغلبية، معتبراً أن المشاركة تتيح له المساهمة المباشرة في الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وشملت الأولويات التي أعلنها الحزب تعزيز المسار الديمقراطي وحماية الحقوق والحريات وتخليق الحياة العامة، إلى جانب العدالة الاجتماعية والمجالية وتقوية القدرات الاقتصادية. وهي التزامات تنسجم مع جزء مهم من مرجعيته السياسية، لكنها تحتاج إلى ترجمة عملية داخل البرنامج الحكومي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتمويل الخدمات العمومية وإعادة توزيع الموارد.

أما الاتحاد الاشتراكي، فقد نشر على موقعه الرسمي بيان تشكيل الأغلبية، مؤكداً الاتفاق بين الأحزاب الأربعة على إعداد برنامج حكومي واختيار مسؤولين تتوفر فيهم الكفاءة والنزاهة. غير أن البيان المشترك لا يقدم حتى الآن تفاصيل كافية لمعرفة التنازلات التي قدمها كل طرف، أو الأولويات التي نجح في إدراجها ضمن التصور الأولي للحكومة.

العدالة الاجتماعية بين الشعارات والميزانية

سيكون الملف الاجتماعي أحد أهم المجالات التي يمكن من خلالها تقييم مساهمة الحزبين اليساريين في الحكومة المقبلة. فالمطالبة بتحسين المدرسة العمومية والمستشفى العمومي وتوسيع الحماية الاجتماعية لا تكتسب معناها السياسي الكامل إلا عندما تقترن باختيارات مالية واضحة، وتحديد للفئات المستفيدة، وآليات تسمح بقياس أثر الإنفاق العمومي.

وتواجه الحكومة الجديدة، في هذا السياق، معضلة التوفيق بين الحاجات الاجتماعية المتزايدة والاستثمارات الكبرى المرتبطة بتطوير البنيات التحتية والتحضير لكأس العالم 2030. ولا يفترض أن تكون هذه الأولويات متعارضة بالضرورة، لكن التوفيق بينها يتطلب تدبيراً شفافاً للموارد، وتقييماً للمردودية الاقتصادية والاجتماعية، وضماناً لعدم اتساع الفوارق بين المدن والمناطق القروية.

ومن شأن مشاركة الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية أن تمنحهما فرصة للدفاع عن تصور اجتماعي أكثر وضوحاً داخل هذه الاختيارات. ومع ذلك، فإن نجاحهما لن يقاس بعدد التصريحات المؤيدة للعدالة الاجتماعية، بل بقدرتهما على التأثير في السياسات الضريبية، وتوجيه الاستثمار العمومي، وتحسين جودة الخدمات التي يعتمد عليها المواطنون.

هل تتراجع الهوية اليسارية داخل التحالف؟

يثير دخول الحزبين إلى حكومة متعددة المرجعيات إشكالية تتكرر في تجارب الائتلافات السياسية، وتتعلق بحدود التوفيق بين الالتزام الحزبي والتضامن الحكومي. فالحزب الذي يشارك في اتخاذ القرار يصبح مسؤولاً عن الدفاع عن السياسات المشتركة، حتى عندما لا تتطابق بالكامل مع برنامجه الانتخابي.

ولا يشكل هذا الوضع تناقضاً تلقائياً مع العمل الديمقراطي، لأن التفاوض والتنازل جزء من طبيعة الحكومات الائتلافية. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الاتفاق على الاستمرار في السلطة أكثر أهمية من وضوح الاختيارات السياسية، أو عندما تعجز الأحزاب عن تفسير الفارق بين وعودها الانتخابية وقراراتها الحكومية.

وبالنسبة إلى اليسار المغربي، فإن هذا التحدي يتصل أيضاً بعلاقته التاريخية بالنقابات والحركات الاجتماعية والفئات التي تعتبر نفسها معنية بالدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فكلما اتسعت المسافة بين الخطاب الحزبي والنتائج المحققة، ازدادت صعوبة إقناع الناخبين بأن المشاركة الحكومية تمثل وسيلة للتغيير، وليست مجرد عودة إلى المناصب.

من المشاركة السياسية إلى المسؤولية عن النتائج

لم تعلن التشكيلة الوزارية النهائية بعد، كما لم يصدر البرنامج الحكومي المفصل. ولذلك سيكون من السابق لأوانه الحكم على حجم التأثير الذي سيمارسه الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية داخل حكومة المنصوري، أو اعتبار مشاركتهما نجاحاً سياسياً أو تراجعاً إيديولوجياً قبل اتضاح طبيعة المسؤوليات التي سيتحملانها.

غير أن المرحلة المقبلة ستوفر مؤشرات ملموسة على اتجاه التجربة. فاختيارات الحكومة في التشغيل والتعليم والصحة والحريات العامة والعدالة المجالية ستكشف مدى حضور المطالب التي دافع عنها الحزبان، كما ستوضح حدود التوافق بين المكونات الأربعة للأغلبية.

وهكذا، فإن عودة اليسار المغربي إلى الحكومة لا تحسم بمفردها سؤال تجديد المشروع اليساري، لكنها تضعه أمام امتحان مباشر. فإذا استطاع الحزبان تحويل مشاركتهما إلى سياسات قابلة للقياس وتحسينات محسوسة في الخدمات والحقوق، فقد تمنحهما التجربة فرصة لاستعادة جزء من الثقة السياسية. أما إذا اقتصر حضورهما على تدبير المسؤوليات دون أثر واضح في مضمون القرارات، فستعود الأسئلة القديمة بشأن جدوى المشاركة وحدود استقلالية الأحزاب داخل الائتلافات الحكومية.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً