أعلن حزب التجمع الوطني للأحرار انتقاله إلى صفوف المعارضة، عقب الكشف عن مكونات الأغلبية الحكومية الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري. وينهي هذا التحول مرحلة قاد خلالها الحزب الحكومة المغربية لخمس سنوات، وشارك في تدبير ملفات اقتصادية واجتماعية أثارت نقاشاً واسعاً حول حصيلتها وانعكاساتها على الحياة اليومية للمواطنين.
وأكد محمد شوكي، رئيس الحزب، الثلاثاء 13 أكتوبر، أن التجمع الوطني للأحرار سيعتمد معارضة قوية ومسؤولة وبناءة، تستند إلى الاختصاصات التي يمنحها الدستور للمعارضة البرلمانية. وشدد على أن حزبه سيقدم البدائل ويراقب العمل الحكومي انطلاقاً من المعطيات والحجج، بعيداً عن المزايدات السياسية.
غير أن الانتقال من تدبير السلطة التنفيذية إلى مراقبتها يطرح تحدياً يتجاوز الإعلان عن المواقف. فالحزب الذي دافع طوال الولاية السابقة عن اختيارات حكومية متعددة، سيكون مطالباً بتحديد المسافة السياسية التي تفصله عن تلك الاختيارات، خصوصاً أن بعض شركائه السابقين أصبحوا اليوم في قلب الأغلبية الجديدة.
من قيادة الحكومة إلى مقاعد المعارضة
لم يكن خروج التجمع الوطني للأحرار من الحكومة الجديدة نتيجة موقف معلن سابق برفض المشاركة. فقد عبّر مجلسه الوطني، خلال اجتماعه يوم 3 أكتوبر، عن الاستعداد للانضمام إلى الائتلاف المقبل، وفوّض رئيس الحزب تدبير المفاوضات المتعلقة بهذه المشاركة.
لكن المشاورات انتهت إلى تشكيل أغلبية تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، دون التجمع الوطني للأحرار. وبذلك انتقل الحزب من موقع القيادة الحكومية إلى المعارضة، في سياق سياسي أعادت فيه الانتخابات التشريعية ترتيب موازين القوى.
ويكتسب هذا التحول دلالة إضافية بالنظر إلى استمرار حزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة داخل السلطة التنفيذية، بعدما شاركا التجمع الوطني للأحرار مسؤولية تدبير المرحلة السابقة. ومن ثم، فإن أي تقييم نقدي للحصيلة الحكومية سيضع الحزب أمام ضرورة التمييز بين القرارات التي يتحمل مسؤوليتها المباشرة والاختيارات المشتركة التي شارك في إقرارها.
معارضة قوية أم مراجعة سياسية مؤجلة؟
يؤكد محمد شوكي أن التجربة الحكومية التي راكمها الحزب تمنحه القدرة على مراقبة السياسات العمومية وتقديم مقترحات بديلة. ويرى أن المعارضة لا تقاس بحدة الخطاب، وإنما بقدرتها على تحسين النقاش العمومي وجودة القرار السياسي.
هذا التصور يضع الحزب أمام امتحان عملي، لأن الانتقال إلى المعارضة لا يعفيه من تقديم قراءة نقدية لتجربته السابقة. فالتشغيل والقدرة الشرائية والخدمات الصحية والتعليمية ظلت ملفات مركزية في النقاش السياسي والاجتماعي، وسيكون من الصعب بناء خطاب معارض مقنع دون تحديد ما تحقق فيها وما تعثر وأسباب ذلك.
كما أن تراجع التمثيل البرلماني للحزب، من 102 مقاعد في انتخابات 2021 إلى 66 مقعداً في اقتراع 2026، يجعل مراجعة علاقته بالناخبين مسألة تتجاوز الحسابات المرتبطة بتشكيل الحكومة. فاستعادة الثقة تتطلب تفسيراً سياسياً للنتائج، وتقييماً للحصيلة، وبرنامجاً واضحاً للمرحلة المقبلة.
الأغلبية الجديدة ومعضلة المحاسبة السياسية
تتكون الأغلبية الحكومية الجديدة من أربعة أحزاب تمتلك مجتمعة 207 مقاعد بمجلس النواب، وهو ما يمنحها أغلبية عددية تتجاوز الحد المطلوب، لكنها تظل مطالبة بالحفاظ على الانسجام بين مكوناتها عند مناقشة القوانين والميزانيات والبرامج الإصلاحية.
في المقابل، يمكن للتجمع الوطني للأحرار أن يؤدي دوراً مؤثراً في مراقبة الأداء الحكومي، مستفيداً من معرفته السابقة بملفات التدبير العمومي. غير أن هذه المعرفة قد تتحول إلى مصدر إحراج سياسي إذا اكتفى الحزب بانتقاد سياسات سبق له الدفاع عنها، دون تقديم تفسير واضح لتغير مواقفه.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين المعارضة باعتبارها موقعاً مؤسساتياً والمعارضة باعتبارها مشروعاً سياسياً. فالأولى تمنح الحزب أدوات المساءلة والتشريع، بينما تتطلب الثانية بلورة اختيارات وبرامج يمكن للناخبين مقارنتها بما تقترحه الأغلبية.
اختبار الثقة يبدأ من البرلمان
سيكون الأداء البرلماني أحد المؤشرات الأساسية للحكم على جدية التوجه الجديد للتجمع الوطني للأحرار. فالمساءلة المنتظمة، والمساهمة في مناقشة مشاريع القوانين، وتقديم التعديلات والمقترحات، كلها وسائل تسمح بقياس المسافة بين التعهدات السياسية والممارسة الفعلية.
كما أن موقع الحزب الجديد قد يفتح المجال أمام إعادة تنظيم هياكله وتجديد خطابه السياسي، شريطة ألا تتحول هذه العملية إلى مجرد تغيير في أسلوب التواصل. فالرهان الحقيقي يرتبط بقدرته على استخلاص الدروس من التجربة الحكومية، وتقديم بدائل قابلة للتنفيذ ومسنودة بتقديرات واضحة للكلفة والنتائج.
وبينما تستعد حكومة المنصوري للانتقال من مرحلة تشكيل الأغلبية إلى تدبير الملفات العمومية، يدخل التجمع الوطني للأحرار مرحلة مختلفة في تاريخه السياسي. ولن يتحدد نجاحه فيها بمجرد إعلان معارضة قوية، بل بمدى قدرته على ممارسة رقابة مستقلة، وتحمل مسؤوليته عن الماضي، وإقناع المواطنين بأن انتقاله إلى المعارضة يعكس تحولاً في الممارسة السياسية لا مجرد تبدل في المواقع.
