لم يعد مقبولاً أن يستمر النقاش حول المشاركة السياسية لمغاربة العالم محصوراً في تسهيل الإجراءات الإدارية أو تشجيع الأحزاب على ترشيح بعض المقيمين بالخارج ضمن لوائحها الانتخابية. فالقضية أعمق من ذلك بكثير، لأنها تتعلق بمعنى المواطنة نفسها، وبمدى قدرة النظام التمثيلي المغربي على استيعاب مواطنين يعيشون خارج الحدود الجغرافية للمملكة، لكنهم يظلون جزءاً من مجتمعها وامتدادها الإنساني والاقتصادي والثقافي.
لقد أظهرت الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026 استمرار المفارقة بين الاعتراف الدستوري بالحقوق السياسية لمغاربة العالم وبين الآليات المعتمدة لممارستها. فبينما أصبح بإمكان المغربي المقيم بالخارج إنجاز وكالة التصويت إلكترونياً، ظل الاقتراع نفسه يجري داخل المغرب بواسطة شخص آخر، في غياب دوائر انتخابية خارجية تتيح للجالية اختيار ممثليها مباشرة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في قانونية التصويت بالوكالة، فهو إجراء منصوص عليه في القانون التنظيمي لمجلس النواب. وإنما يتعلق بالسؤال السياسي الذي يتجاوز النص الإجرائي: هل يكفي أن يختار المواطن شخصاً يصوت نيابة عنه، أم أن ممارسة المواطنة الكاملة تستدعي تمكينه من المشاركة المباشرة في اختيار من يمثله؟
الدستور يعترف بالمواطنة.. لكن التمثيلية لم تكتمل
ينص الفصل السابع عشر من الدستور المغربي على تمتع المغاربة المقيمين بالخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح في الانتخابات. كما يحيل إلى القانون تحديد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لهذين الحقين انطلاقاً من بلدان الإقامة.
ويشكل هذا المقتضى أساساً دستورياً واضحاً لتطوير المشاركة السياسية للجالية. لكنه لا يعني، في حد ذاته، أن الدستور فرض نموذجاً محدداً للدوائر الانتخابية الخارجية أو خصص عدداً معيناً من المقاعد لمغاربة العالم. فهذه اختيارات تشريعية وسياسية ينبغي مناقشتها بصورة صريحة.
غير أن الاعتراف بالحق دون تطوير الوسائل التي تضمن ممارسته بصورة مباشرة يطرح مشكلة تتعلق بفعالية المواطنة. فالمواطن المقيم في باريس أو بروكسل أو مونتريال أو نيويورك أو غيرها من مدن العالم لا ينبغي أن تظل مشاركته الانتخابية رهينة قدرته على العثور على شخص داخل المغرب يقبل التصويت نيابة عنه.
والأمر لا يتعلق فقط بالصعوبات العملية للوكالة، بل أيضاً بالعلاقة السياسية بين الناخب والمرشح. فمغاربة العالم يحتاجون إلى إمكانية مساءلة ممثلين يعرفون قضايا الهجرة والإقامة والحقوق الاجتماعية والإدارية، ويعيشون جزءاً من التحديات التي تواجه الجالية في بلدان الاستقبال.
لماذا ينتخب الآخرون باسم مغاربة العالم؟
قدمت السلطات المغربية التصويت بالوكالة باعتباره وسيلة لتيسير المشاركة الانتخابية للمقيمين بالخارج، وقد أضيفت إليه سنة 2026 منصة إلكترونية تسمح بإنجاز الإجراءات عن بعد.
ويمكن لهذا التبسيط أن يخفف بعض الأعباء الإدارية، لكنه لا يغير الطبيعة الأساسية للنظام. فالناخب الموجود خارج المغرب لا يدلي بصوته بنفسه داخل مكتب اقتراع في بلد إقامته، وإنما يفوض شخصاً آخر للقيام بذلك داخل المملكة.
ومن المشروع التساؤل عن مدى ملاءمة هذه الصيغة لمجتمع مغربي منتشر عبر قارات متعددة، تختلف ظروف أفراده الاجتماعية والمهنية وأوقات عملهم وإمكاناتهم في التواصل مع أشخاص داخل المغرب.
كما أن الوكالة لا تعالج الإشكال الأعمق المرتبط بالتمثيلية. فالمرشح الذي يحصل على أصوات دائرة داخل المغرب يمثل تلك الدائرة في الإطار النيابي العام، حتى لو كان بعض ناخبيها مقيمين بالخارج. أما الجالية، بوصفها فضاءً اجتماعياً له قضايا مشتركة ومصالح متنوعة، فلا تتوفر بذلك على قناة انتخابية خاصة بها.
وهذا هو التمييز الذي ينبغي أن يكون واضحاً في النقاش العمومي: تسهيل التصويت شيء، وإحداث تمثيلية نيابية مباشرة لمغاربة العالم شيء آخر.
نريد ممثلين من داخل الجالية لا مجرد مرشحين باسمها
إن المطلب الذي أدافع عنه يقوم على تمكين المغاربة المقيمين بالخارج من انتخاب نوابهم مباشرة، ضمن دوائر انتخابية خارجية ينظمها القانون، على أن يكون المرشحون أنفسهم من المقيمين فعلياً في بلدان الاغتراب.
ولا ينبغي فهم هذا المطلب باعتباره انتقاصاً من قدرة النواب المقيمين داخل المغرب على الدفاع عن مصالح الجالية. فعضو البرلمان يمثل الأمة وفق الدستور، ويمكنه الاهتمام بقضايا المواطنين أينما وجدوا. لكن التمثيلية المباشرة تضيف بعداً مختلفاً، يتمثل في وجود علاقة انتخابية واضحة بين الجالية ومن تختارهم لممارسة المسؤولية النيابية.
فالمغربي الذي عاش سنوات طويلة في الخارج يعرف بصورة مباشرة الصعوبات المرتبطة بالإجراءات القنصلية، ونقل الحقوق الاجتماعية، والاستثمار، والتقاعد، وتعليم الأبناء، والمحافظة على الروابط الثقافية واللغوية مع الوطن.
ومع ذلك، فإن الإقامة بالخارج لا تجعل أي مرشح مؤهلاً تلقائياً لتمثيل الجالية. فالمعيار ينبغي أن يظل الكفاءة والبرنامج والنزاهة والقدرة على التشريع والمراقبة، مع توفير منافسة انتخابية مفتوحة تتيح للناخبين الاختيار بين مشاريع مختلفة.
كما أن مغاربة العالم ليسوا كتلة اجتماعية أو سياسية متجانسة. فما يشغل العامل المغربي في أوروبا قد يختلف عن أولويات الباحث أو الطالب أو المستثمر أو الأسرة المقيمة في أمريكا الشمالية أو إفريقيا أو بلدان الخليج. ولذلك يجب أن يقوم النظام المقترح على التعددية والإنصاف، لا على افتراض وجود صوت واحد يتحدث باسم الجميع.
الأحزاب والتحفيز المالي.. هل يكفي إدراج أسماء من الخارج؟
أثار تشجيع الأحزاب على ترشيح مغاربة العالم نقاشاً بشأن طبيعة العلاقة بين التمثيل السياسي والحوافز المالية المخصصة للمشاركة الانتخابية.
ومن حيث المبدأ، يمكن أن يكون تحفيز الأحزاب على فتح لوائحها أمام المقيمين بالخارج خطوة إيجابية، إذا أدى إلى إزالة الحواجز التنظيمية وإتاحة فرص فعلية أمام كفاءات الجالية.
غير أن وجود مرشح مقيم بالخارج على لائحة انتخابية داخل المغرب لا يساوي إنشاء تمثيلية نيابية مباشرة للمغاربة المقيمين في الخارج. فالاختلاف هنا ليس شكلياً، وإنما يتعلق بمن يختار المرشح، ولمن يقدم برنامجه، وأمام أي هيئة ناخبة يخضع للمساءلة.
وقد تتحول الحوافز، إذا لم ترتبط بمعايير شفافة، إلى مجرد آلية لإدراج أسماء تحقق شروط الاستفادة دون أن تؤدي إلى مشاركة سياسية أوسع. وهذه إمكانية تستدعي الرقابة والتقييم، لكنها لا تسمح باتهام حزب أو مرشح بعينه بالتحايل دون أدلة ثابتة.
والأفضل من الاكتفاء بالحوافز هو الانتقال إلى إصلاح مؤسساتي يتيح للجالية أن تكون صاحبة القرار الانتخابي في اختيار ممثليها، بدلاً من أن تظل مشاركتها مرتبطة بالترتيبات الداخلية للأحزاب.
دوائر انتخابية خارجية.. إصلاح ممكن يحتاج إلى قواعد عادلة
لا أدعو إلى تخصيص مقاعد للجالية بصورة اعتباطية، ولا إلى إنشاء نظام انتخابي موازٍ يفتقر إلى الضمانات. فإحداث دوائر خارجية يحتاج إلى نقاش تشريعي جاد يحدد عدد المقاعد ومعايير توزيعها، ويضمن احترام مبدأ المساواة بين المواطنين.
وينبغي أن يعتمد توزيع المقاعد على بيانات سكانية موثوقة ومعايير معلنة، مع مراعاة الانتشار الجغرافي للمغاربة المقيمين بالخارج. كما يتعين تحديد شروط الإقامة الفعلية للمرشحين والناخبين، وتحديث اللوائح الانتخابية، ووضع آليات تمنع الازدواجية وتضمن نزاهة الاقتراع.
أما التصويت، فيمكن تنظيمه من خلال مكاتب انتخابية في بلدان الإقامة، وفق الترتيبات القانونية والدبلوماسية الممكنة، مع دراسة الوسائل البريدية أو الإلكترونية في ضوء متطلبات السرية والأمن وإمكانية التدقيق.
ولا ينبغي أن تكون التكنولوجيا بديلاً عن الضمانات الديمقراطية. فنجاح أي نظام اقتراع لا يقاس بسهولة استخدامه فقط، بل بقدرته على حماية حرية الاختيار وسرية التصويت وشفافية الفرز وإمكانية الطعن.
كما أن تخصيص دوائر خارجية لا يعني أن نوابها يمثلون مصالح الجالية وحدها بمعزل عن بقية المواطنين، لأن العضوية البرلمانية تظل مسؤولية وطنية عامة. لكن انتخابهم من طرف مغاربة العالم سيمنح قضايا الهجرة والمواطنة العابرة للحدود حضوراً مباشراً في العملية التمثيلية.
الجالية ليست مجرد تحويلات مالية أو امتداد ثقافي
غالباً ما يحضر مغاربة العالم في الخطاب العمومي من خلال مساهماتهم الاقتصادية وتحويلاتهم المالية واستثماراتهم، أو عبر دورهم في المحافظة على الروابط الثقافية والإنسانية مع الوطن.
وهذه مساهمات مهمة، لكنها لا تختزل موقعهم داخل المجتمع المغربي. فالمغربي المقيم بالخارج ليس مجرد مصدر للعملة الصعبة، ولا ينبغي أن تقاس علاقته بوطنه بمقدار ما يحوله من أموال أو بما ينجزه من استثمارات.
إنه مواطن له حقوق سياسية لا تقل أهمية عن مساهماته الاقتصادية، ومن حقه أن يشارك في النقاش حول السياسات العامة والتشريعات والاختيارات التي تحدد مستقبل بلده.
كما أن عدداً من القرارات المتخذة داخل المغرب يؤثر بصورة مباشرة على حياة الجالية، سواء تعلق الأمر بالإجراءات الإدارية والملكية والاستثمار والضرائب، أو بالقضايا المرتبطة بالجنسية والأسرة والتقاعد والخدمات القنصلية.
ومن ثم، فإن إدماج مغاربة العالم في المؤسسات التمثيلية لا ينبغي أن يكون مكافأة على مساهماتهم الاقتصادية، بل تجسيداً لمبدأ المواطنة والمشاركة في القرار العام.
بعد انتخابات 2026.. هل ننتظر موعداً آخر؟
أعادت الانتخابات التشريعية الأخيرة إلى الواجهة سؤالاً ظل يتكرر خلال الاستحقاقات السابقة، دون أن يجد حلاً مؤسساتياً يضمن انتخاب ممثلين مباشرين للجالية من بلدان إقامتها.
وقد يكون من المفهوم أن يثير تنظيم الاقتراع خارج الحدود تحديات قانونية وإدارية ودبلوماسية، لكن هذه التحديات ينبغي أن تكون موضوعاً لعمل تشريعي وتخطيط مؤسساتي، لا مبرراً دائماً لتأجيل النقاش.
ومن مسؤولية الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية أن يفتحوا ورشاً واضحاً لإصلاح تمثيلية مغاربة العالم، بمشاركة التنظيمات المدنية والكفاءات المقيمة بالخارج، مع نشر التصورات والبدائل والتكاليف والآجال.
ولا ينبغي اختزال النقاش في عدد المقاعد التي يمكن تخصيصها، لأن القضية تتعلق أيضاً بنوعية المشاركة السياسية وبإمكانية مساءلة المنتخبين وربطهم المستمر بناخبيهم.
إن إحداث دوائر انتخابية خارجية ليس الحل الوحيد الممكن لتعزيز حضور الجالية، لكنه خيار يستحق الدراسة الجدية، وأراه الأكثر انسجاماً مع مطلب الانتخاب المباشر لممثلين يعيشون واقع الهجرة ويخضعون للمساءلة أمام ناخبيهم.
المواطنة لا تنتهي عند الحدود
لا أطالب بامتياز خاص لمغاربة العالم، ولا بتمثيلية تمنحهم حقوقاً أعلى من حقوق المواطنين المقيمين داخل المغرب. ما أدافع عنه هو تطوير الآليات التي تجعل المساواة في المواطنة قابلة للممارسة، رغم اختلاف مكان الإقامة.
فالحق السياسي لا يكتمل بمجرد الاعتراف به في النصوص، بل يحتاج إلى مؤسسات وإجراءات تسمح لصاحبه بممارسته بصورة حرة ومباشرة وفعالة.
وقد حان الوقت للانتقال من الحديث عن الجالية باعتبارها قوة اقتصادية وثقافية إلى الاعتراف بها أيضاً بوصفها جزءاً من الجسم السياسي الوطني، له الحق في المشاركة في اختيار ممثليه والمساهمة في صياغة السياسات العمومية.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه المشرع المغربي اليوم ليس ما إذا كان مغاربة العالم يستحقون التمثيل السياسي، فهذا الحق ثابت في إطار المواطنة، وإنما كيف يمكن تطوير النظام الانتخابي ليمنحهم فرصة انتخاب ممثلين من داخل الجالية نفسها، في ظل قواعد عادلة وشفافة.
وبالنسبة إليّ، فإن الجواب يبدأ من مبدأ بسيط: لا ينبغي أن تظل المسافة الجغرافية سبباً في إضعاف الصلة الديمقراطية بين المواطن والمؤسسات التي تمثله. فالمغربي لا يفقد صوته السياسي عندما يغادر حدود وطنه، ولا ينبغي أن يحتاج دائماً إلى صوت آخر يتحدث أو يصوت نيابة عنه.
