لم يكن إعلان رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري عن رفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم، والحد الأدنى لبعض المعاشات إلى ثلاثة آلاف درهم، مجرد تقديم لتعهدات تستهدف تحسين الأوضاع المعيشية. فقد كشف البرنامج الحكومي، الذي عرضته أمام البرلمان يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، عن توجه يرمي إلى الجمع بين توسيع الحماية الاجتماعية وتحفيز الاستثمار والحفاظ على التوازنات المالية. وهي أهداف تبدو متكاملة في الخطاب السياسي، لكنها تطرح عند الانتقال إلى التنفيذ أسئلة معقدة بشأن التمويل وتوزيع الأعباء والأولويات.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما نضع الوعود الاجتماعية في سياق الاقتصاد المغربي، حيث تتداخل محدودية الدخل لدى فئات واسعة مع التفاوتات المجالية وضعف إنتاجية بعض القطاعات واتساع التشغيل غير المهيكل. كما تواجه المالية العمومية التزامات متزايدة مرتبطة بالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والبنيات التحتية، فضلاً عن ضرورة المحافظة على القدرة على تمويل الاستثمار العمومي.
ومن ثم، فإن تقييم البرنامج الحكومي لا ينبغي أن ينطلق من حجم المبالغ المعلنة وحده، بل من طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يفترض أن يوفر الموارد اللازمة لصرفها. فالسؤال ليس ما إذا كان رفع الدعم والمعاشات مطلوباً اجتماعياً، وإنما ما إذا كانت الحكومة تملك تصوراً متماسكاً يجعل هذه الزيادات قابلة للاستمرار، دون أن تتحول كلفتها إلى أعباء إضافية على الفئات نفسها التي تستهدف تحسين أوضاعها.
الدولة الاجتماعية بين توسيع الدعم وإعادة توزيع الثروة
تعهدت الحكومة برفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً من 500 إلى 1000 درهم شهرياً بحلول نهاية الولاية، إلى جانب مراجعة معايير الاستفادة بما يسمح بتحسين استهداف الأسر المستحقة.
ويمثل هذا التوجه استمراراً لمسار توسيع الحماية الاجتماعية، لكنه يثير تمييزاً ضرورياً بين سياستين مختلفتين في نتائجهما. تقوم الأولى على إعادة توزيع جزء من الموارد العمومية عبر التحويلات النقدية، بينما تسعى الثانية إلى التأثير في البنية الاقتصادية التي تنتج الفوارق الاجتماعية وتعيد إنتاجها.
فالدعم المباشر يمكن أن يساعد الأسر على مواجهة النفقات اليومية، لكنه لا يغير بالضرورة طبيعة فرص العمل المتاحة أو مستوى الأجور أو تكلفة الخدمات الأساسية. وقد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تقليص القيمة الفعلية للمبالغ الممنوحة، خصوصاً إذا لم تترافق الزيادات مع تحسن مستدام في الدخل والإنتاجية.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التحويلات الاجتماعية، وإنما ضرورة وضعها ضمن سياسة أوسع تشمل التشغيل والسكن والتعليم والصحة والعدالة الضريبية. فالدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بما تنفقه على معالجة الفقر، بل أيضاً بقدرتها على تقليص العوامل التي تجعل قطاعات من السكان بحاجة دائمة إلى المساعدة.
وتبرز هنا إحدى الإشكاليات التي ينبغي أن يجيب عنها البرنامج الحكومي: هل يمثل الدعم النقدي أداة انتقالية ضمن مسار يوسع فرص الاندماج الاقتصادي، أم أنه سيتحول إلى الوسيلة الرئيسية لتخفيف آثار تفاوتات لا تتغير أسبابها؟
كم ستكلف الوعود الجديدة خزينة الدولة؟
تتطلب الإجابة عن هذا السؤال التمييز بين المبلغ الذي يحصل عليه المستفيد والتكلفة الإجمالية التي تتحملها الميزانية. فرفع الدعم الشهري بمقدار 500 درهم يعني زيادة سنوية قدرها 6000 درهم لكل أسرة تحصل على الزيادة كاملة طوال السنة.
وعلى سبيل المثال الحسابي، إذا استفادت مليون أسرة من زيادة كاملة بهذا المقدار، فإن التكلفة الإضافية ستبلغ ستة مليارات درهم سنوياً. أما إذا شملت الزيادة أربعة ملايين أسرة، فقد تصل إلى 24 مليار درهم سنوياً، قبل احتساب أي تغييرات في شروط الاستفادة أو الجدولة الزمنية.
وهذه الأرقام ليست تقديرات رسمية لتكلفة البرنامج، وإنما أمثلة حسابية توضح أهمية معرفة عدد المستفيدين الفعليين، وتوزيع مستويات الدعم، وسرعة تطبيق الزيادة التدريجية.
وتزداد الحسابات تعقيداً عند إدراج إصلاح المعاشات والتعويضات الاجتماعية والإجراءات المتعلقة بالكهرباء، لأن كل برنامج يخضع لشروط استحقاق وتمويل مختلفة.
ولذلك، فإن أي تقييم جدي للوعود الحكومية يقتضي نشر دراسة مالية تحدد التكلفة السنوية لكل إجراء، وعدد المستفيدين المتوقع، ومصادر التمويل، والآثار المحتملة على الميزانية خلال السنوات الخمس المقبلة.
ومن دون هذه المعطيات، يظل النقاش السياسي محصوراً بين التأييد المبدئي للزيادة والتشكيك العام في إمكانية تنفيذها، بينما تغيب الأدوات التي تسمح للمواطنين والبرلمان بالحكم على واقعيتها.
إصلاح المعاشات.. من يتحمل أعباء الزيادة؟
يحمل التعهد بالرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً بعداً اجتماعياً مهماً، بالنظر إلى الصعوبات التي تواجه فئات من المتقاعدين في تلبية احتياجاتها الأساسية.
غير أن أنظمة التقاعد تختلف عن برامج الدعم المباشر، لأنها تقوم على التزامات مالية طويلة الأمد تتأثر بعدد المنخرطين والمستفيدين ومستوى الاشتراكات والعائدات الاستثمارية والتحولات الديموغرافية.
وقد يؤدي رفع المعاشات إلى تحسين دخل المستفيدين، لكنه يحتاج إلى تحديد الجهة التي ستتحمل التكلفة الإضافية. فهل ستوفر الدولة تمويلاً مباشراً؟ أم ستتغير نسب الاشتراكات؟ أم سيجري اعتماد آليات تضامن بين الأنظمة والفئات؟
وتتجاوز المسألة الجوانب المحاسبية إلى قضية العدالة بين الأجيال، لأن أي إصلاح ينبغي أن يوازن بين تحسين أوضاع المتقاعدين الحاليين والحفاظ على حقوق العاملين الذين سيمولون جزءاً من النظام خلال العقود المقبلة.
كما أن التركيز على أصحاب المعاشات القائمة لا يعالج وحده وضعية الأشخاص الذين قضوا سنوات في العمل غير المهيكل دون أن يتمكنوا من اكتساب حقوق تقاعدية كافية.
ومن ثم، فإن إصلاح التقاعد يحتاج إلى رؤية شاملة تتناول التغطية والتمويل والحقوق المكتسبة، بدلاً من الاكتفاء بإعلان حد أدنى جديد دون توضيح الشروط التي سيطبق في إطارها.
النمو الاقتصادي بنسبة 5%.. هل يكفي لتمويل الالتزامات؟
تستهدف الحكومة تحقيق متوسط نمو اقتصادي يبلغ 5% خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، مع المحافظة على عجز الميزانية في حدود 3% من الناتج الداخلي الإجمالي.
ويعكس الجمع بين هذين الهدفين رهاناً على توسيع النشاط الاقتصادي بما يسمح بزيادة الموارد الجبائية دون إحداث اختلالات كبيرة في المالية العمومية.
غير أن العلاقة بين النمو الاقتصادي والإيرادات الضريبية ليست آلية أو متساوية بين جميع القطاعات. فقد يرتفع الناتج الداخلي الإجمالي نتيجة توسع أنشطة ذات مردودية مرتفعة، دون أن ينعكس ذلك بالقدر نفسه على التشغيل أو دخول الأسر أو الموارد الضريبية المستدامة.
كما أن طبيعة النمو تكتسب أهمية لا تقل عن نسبته. فالاقتصاد الذي يحقق نمواً مدفوعاً بقطاعات كثيفة رأس المال قد لا ينتج فرص العمل نفسها التي يمكن أن توفرها أنشطة صناعية وخدماتية تستوعب أعداداً أكبر من العاملين.
ولهذا، فإن الرهان على النمو لتمويل الدولة الاجتماعية يحتاج إلى سياسة تربط الاستثمار بالإنتاجية والتشغيل والتوزيع المجالي للنشاط الاقتصادي، مع تحسين قدرة النظام الضريبي على تعبئة الموارد بصورة عادلة.
ولا يكفي إعلان هدف نمو مرتفع للحكم على قابلية الوعود الاجتماعية للتمويل، لأن تحقق هذا الهدف يظل مرتبطاً بعوامل داخلية وخارجية، بينها الظروف المناخية وأسعار الطاقة والطلب الخارجي ومستوى الاستثمار.
السياسة الضريبية.. السؤال الذي لا يمكن تأجيله
إذا كانت الحكومة تريد توسيع الإنفاق الاجتماعي مع المحافظة على التوازنات المالية، فإن السياسة الضريبية تصبح إحدى الأدوات الأساسية لتحقيق هذا الهدف.
وتطرح هذه المسألة سؤالاً يتعلق بالجهات التي تساهم في تمويل النفقات العمومية، ومدى تناسب مساهمتها مع قدراتها الاقتصادية.
فالنظام الضريبي لا يؤدي وظيفة تمويلية فقط، وإنما يساهم أيضاً في إعادة توزيع الدخل والثروة، من خلال طبيعة الضرائب المفروضة على الأجور والأرباح والاستهلاك والممتلكات.
وقد يؤدي الاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة إلى تحميل الأسر محدودة الدخل أعباء نسبية مرتفعة، لأنها تنفق جزءاً كبيراً من مواردها على الاستهلاك. وفي المقابل، يمكن للضرائب المباشرة المصممة بصورة تصاعدية أن تعزز العدالة الجبائية، شريطة أن تراعي آثارها على الاستثمار والامتثال الضريبي.
وتبرز كذلك أهمية معالجة التهرب الضريبي وتوسيع القاعدة الجبائية والحد من الامتيازات غير المبررة، لأن زيادة الموارد لا تقتضي دائماً رفع المعدلات الضريبية على الخاضعين الحاليين.
غير أن نجاح هذه الخيارات يحتاج إلى إدارة ضريبية فعالة وقواعد واضحة وآليات للمراقبة، فضلاً عن تقييم آثار الإصلاحات على المقاولات الصغيرة والمتوسطة والقدرة التنافسية للاقتصاد.
ومن هنا، فإن النقاش بشأن تمويل الوعود الاجتماعية لا ينبغي اختزاله في المفاضلة بين زيادة الضرائب أو تقليص الإنفاق، بل يجب أن يشمل جودة التحصيل وعدالة توزيع العبء وكفاءة استخدام الموارد العمومية.
الامتيازات الاقتصادية والريع.. موارد ضائعة أم مشكلة في توزيع الفرص؟
أعلنت رئيسة الحكومة عزمها تعزيز مكافحة الفساد والريع وتضارب المصالح، وهي التزامات ترتبط بصورة مباشرة بمسألة تمويل السياسات الاجتماعية.
فالريع الاقتصادي لا يمثل فقط مشكلة أخلاقية أو قانونية، بل قد يؤدي إلى توجيه الموارد والفرص نحو أنشطة تستفيد من الامتيازات والحماية غير المبررة، بدلاً من المنافسة والإنتاجية والابتكار.
وقد تتجلى هذه الاختلالات في بعض أشكال الاحتكار أو ضعف المنافسة أو الاستفادة غير المتكافئة من الموارد العمومية والصفقات والتراخيص.
غير أن معالجة هذه الظواهر تحتاج إلى تحديد دقيق لمصادرها، لأن وصف نشاط اقتصادي بأنه ريعي لا يكفي لإثبات وجود مخالفة أو امتياز غير مشروع.
ويقتضي الإصلاح الفعلي تقوية قواعد المنافسة وشفافية الصفقات العمومية، وتقييم الإعفاءات والحوافز الاقتصادية، وربط الدعم المقدم للمقاولات بنتائج قابلة للقياس.
ومن الناحية المالية، يمكن أن يؤدي تحسين المنافسة والحكامة إلى رفع كفاءة الاقتصاد وتوسيع الموارد على المدى المتوسط، لكنه لا يسمح بافتراض أن مكافحة الريع ستوفر فوراً مبالغ محددة تكفي لتمويل جميع الوعود الاجتماعية.
فالنتائج المحتملة لهذه الإصلاحات تحتاج إلى دراسات وتقديرات مستقلة، حتى لا يتحول خطاب محاربة الريع نفسه إلى وعد مالي غير قابل للتحقق.
الاستثمار العمومي.. هل يمكن الإنفاق أكثر بنتائج أفضل؟
تواجه الحكومة التزامات كبيرة مرتبطة بتطوير البنيات التحتية والخدمات العمومية والاستعدادات للمواعيد الرياضية الدولية، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
ولا يمكن النظر إلى هذه الاستثمارات باعتبارها نفقات منفصلة عن التنمية الاجتماعية، لأن تحسين النقل والربط الترابي والتجهيزات قد يساهم في رفع الإنتاجية وخلق فرص العمل وتوسيع النشاط الاقتصادي.
لكن مردودية الاستثمار العمومي تختلف من مشروع إلى آخر، كما تتأثر بجودة الدراسات والصفقات وآليات التنفيذ والصيانة.
وقد تتحول بعض المشاريع إلى أعباء مالية مستمرة إذا لم تحقق الاستخدام والعائد الاقتصادي والاجتماعي المتوقعين، أو إذا ترتبت عليها تكاليف تشغيل وصيانة مرتفعة لم تؤخذ في الاعتبار.
ولذلك، فإن النقاش بشأن أولويات الميزانية ينبغي أن ينتقل من حجم الاعتمادات المعلنة إلى فحص المردودية الفعلية للاستثمارات، ومدى مساهمتها في تقليص الفوارق بين الجهات وتحسين الخدمات.
كما ينبغي إخضاع المشاريع الكبرى لتقييمات شفافة تسمح بمقارنة تكلفتها بنتائجها، دون افتراض أن كل استثمار كبير يمثل بالضرورة نجاحاً تنموياً.
وتبرز هنا أهمية دور البرلمان والمؤسسات الرقابية في تتبع تنفيذ الميزانية، خصوصاً عندما تتعلق المشاريع بالتزامات مالية تمتد آثارها إلى سنوات لاحقة.
مشروع ميزانية 2027.. أول مواجهة بين الخطاب والأرقام
يأتي تقديم البرنامج الحكومي قبل الموعد القانوني لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027، المحدد في 20 أكتوبر وفق القانون التنظيمي للمالية.
ويجعل هذا التزامن مشروع الميزانية أول وثيقة عملية تسمح بفحص مدى انسجام التعهدات السياسية مع الموارد التي تعتزم الحكومة تعبئتها.
غير أن المشروع جرى التحضير له خلال مرحلة سبقت اكتمال تشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما يطرح مسألة قدرة الأغلبية على إدماج أولوياتها ضمن وثيقة مالية بلغت مراحل متقدمة من الإعداد.
وقد تظهر بعض الالتزامات في صورة اعتمادات مباشرة خلال السنة الأولى، بينما تحتاج التزامات أخرى إلى قوانين أو إصلاحات مؤسساتية وجدولة مالية متعددة السنوات.
ومن ثم، فإن غياب التمويل الكامل لإجراء معين في ميزانية 2027 لا يعني تلقائياً التخلي عنه، لكنه يفرض على الحكومة توضيح مسار التنفيذ وتحديد المراحل والموارد اللازمة.
وسيكون على البرلمان أن يفحص ليس فقط المبالغ المرصودة، وإنما أيضاً الفرضيات الاقتصادية التي تقوم عليها الميزانية، ومستوى المخاطر المرتبطة بتطور النمو والأسعار والإيرادات.
كما ينبغي أن يشمل النقاش الآثار التوزيعية للإجراءات الضريبية والاجتماعية، حتى يتضح من يستفيد من السياسة المالية ومن يتحمل أعباءها.
من يمول الدولة الاجتماعية ومن يستفيد منها؟
تكشف القراءة الاقتصادية لوعود المنصوري أن التحدي الأساسي لا يتعلق بإيجاد موارد إضافية فحسب، بل بتحديد طبيعة العلاقة التي تريد الحكومة إقامتها بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
فإذا اعتمد تمويل الزيادات الاجتماعية على موارد غير مستدامة أو على أعباء ضريبية تمس بصورة غير متوازنة الفئات محدودة الدخل، فقد تتراجع آثار هذه الزيادات على مستوى المعيشة.
أما إذا ارتبط التمويل بتوسيع النشاط الاقتصادي المنتج وتحسين التحصيل الضريبي وتقليص الهدر وتعزيز العدالة في توزيع الأعباء، فقد تصبح الحماية الاجتماعية جزءاً من تحول اقتصادي أوسع.
ولا يعني ذلك وجود حل بسيط أو خالٍ من التكاليف، لأن كل اختيار مالي ينطوي على مفاضلات بين حاجات مختلفة ومصالح اجتماعية متباينة.
لكن الشفافية تقتضي أن تعرض الحكومة هذه المفاضلات بوضوح، وأن تحدد المستفيدين من الإجراءات ومصادر تمويلها وآثارها المتوقعة، بدلاً من الاكتفاء بتقديم الإنفاق الاجتماعي باعتباره مكسباً منفصلاً عن كلفته.
الدولة الاجتماعية لا تُقاس بحجم الوعود
تقدم حكومة المنصوري برنامجاً اجتماعياً يتضمن التزامات يمكن أن تحسن أوضاع فئات واسعة إذا توفرت شروط تنفيذها. غير أن قيمة هذه الالتزامات لن تتحدد بالمبالغ المعلنة وحدها، بل بقدرتها على تحقيق أثر مستدام دون تعميق الاختلالات المالية أو إعادة توزيع الأعباء بصورة غير عادلة.
وسيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027 أول اختبار لهذا التوجه، لأنه سينقل النقاش من لغة الأهداف إلى لغة الاعتمادات والضرائب والعجز والتمويل.
كما ستكشف السنوات المقبلة مدى قدرة الحكومة على ربط الدعم الاجتماعي بخلق فرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية، وعلى تحويل النمو الاقتصادي إلى مكاسب ملموسة تتجاوز المؤشرات الإجمالية.
أما السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً في النقاش البرلماني والعمومي، فلا يتعلق فقط بمقدار ما ستنفقه الدولة على الحماية الاجتماعية، بل بمصدر هذه الموارد والجهات التي تتحمل تكلفتها، ومدى مساهمة السياسات الاقتصادية في تقليص الحاجة إلى الدعم مستقبلاً.
فالدولة الاجتماعية لا تتحقق بمجرد زيادة التحويلات المالية، وإنما عندما يصبح توزيع الفرص والموارد والخدمات أكثر عدالة، وعندما يستطيع المواطن أن يرى أثر النمو الاقتصادي في دخله وعمله وصحته وتعليم أبنائه.
وبين التعهد بمضاعفة الدعم الاجتماعي والالتزام بضبط العجز المالي، تواجه حكومة المنصوري امتحاناً يتجاوز الحسابات المحاسبية إلى جوهر الاختيار السياسي: هل ستكتفي بإعادة توزيع جزء من الموارد المتاحة، أم ستفتح نقاشاً أعمق حول كيفية إنتاج الثروة وتوزيعها في المغرب؟
