f x ig yt
السبت، 31 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

الدار البيضاء تحصل على تصنيف BBB-.. ماذا يعني للمدينة؟

وكالة S&P تمنح جماعة الدار البيضاء تصنيف BBB- مع نظرة مستقرة، وسط توقعات بتحسن الادخار وتراجع المديونية. لكن الاختبار الحقيقي يبقى في مردودية الاستثمارات وجودة الخدمات التي يحصل عليها السكان.

اقتصاد 📅 30 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
مقر مجلس مدينة الدار البيضاء بساحة محمد الخامس، في صورة أرشيفية. حصلت الجماعة على تصنيف ائتماني دولي بدرجة BBB-، وسط توقعات بتحسن مواردها المالية وقدرتها على تمويل الاستثمارات المحلية. تصوير: عبد الله فكري (Dortiti) / Wikimedia Commons، ترخيص CC BY-SA 4.0.

حصلت جماعة الدار البيضاء على تصنيف ائتماني دولي من وكالة «ستاندرد آند بورز» (S&P Global Ratings)، بدرجة BBB- على المدى الطويل وA-3 على المدى القصير، مع نظرة مستقبلية مستقرة، في خطوة تمنح المالية المحلية للعاصمة الاقتصادية للمغرب مرجعاً جديداً لتقييم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتعبئة التمويلات.

وجاء الإعلان في بلاغ نشرته الجماعة يوم 29 أكتوبر 2026، استناداً إلى تقرير أصدرته الوكالة في 22 أكتوبر. وتوقعت الوكالة تحسناً تدريجياً في مؤشرات الميزانية خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بارتفاع المداخيل وتحسن التحصيل الضريبي وضبط نفقات التسيير.

غير أن حصول المدينة على تصنيف ضمن فئة الاستثمار لا يعني بالضرورة أن ماليتها أصبحت خالية من المخاطر، أو أن المشاريع الحضرية ستتحول تلقائياً إلى خدمات أفضل. فالتمييز بين قدرة الجماعة على الاقتراض وقدرتها على تحسين حياة السكان يظل أساسياً لفهم الدلالة الاقتصادية والاجتماعية لهذا التصنيف.

ماذا يعني تصنيف BBB- بالنسبة إلى الدار البيضاء؟

يضع تصنيف BBB- جماعة الدار البيضاء عند الحد الأدنى من فئة التصنيفات الاستثمارية طويلة الأجل، وفق سلم وكالة S&P. ويعني ذلك أن الوكالة ترى أن الجماعة تتمتع بقدرة مناسبة على الوفاء بالتزاماتها المالية، مع بقائها معرضة للتأثر بتدهور الظروف الاقتصادية والمالية.

أما تصنيف A-3 فيتعلق بالالتزامات قصيرة الأجل، بينما تشير النظرة المستقبلية المستقرة إلى أن الوكالة لا تتوقع، وفق فرضياتها الحالية، تغيراً جوهرياً في التصنيف خلال أفق التقييم.

ولا يشكل هذا التقدير ضماناً ضد المخاطر، كما أنه لا يعادل حكماً شاملاً على جودة التدبير الحضري أو نجاعة السياسات المحلية. فالتصنيف الائتماني يقيس أساساً الجدارة المالية للمقترض، وليس مستوى رضا السكان عن النقل والنظافة والسكن والمرافق العمومية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في مدينة تجمع بين وزن اقتصادي وطني كبير وتحديات اجتماعية وعمرانية متراكمة، ما يجعل تحسين المؤشرات المالية شرطاً مساعداً للتنمية، لا بديلاً عن قياس نتائجها.

تحسن الادخار.. بين التوقعات والنتائج الفعلية

بحسب المعطيات التي أوردتها الجماعة عن تقرير S&P، تتوقع الوكالة ارتفاع الادخار الخام من نحو 19 في المائة من مداخيل التسيير سنة 2025 إلى حوالي 25 في المائة بحلول 2028.

ويمثل الادخار الخام الموارد التي تستطيع الجماعة الاحتفاظ بها بعد تغطية نفقاتها الجارية، بما يسمح بتمويل جزء من الاستثمارات أو الوفاء بالتزامات مالية دون الاعتماد الكامل على قروض إضافية.

ويعكس تحسن هذا المؤشر، إذا تحقق، قدرة أكبر على التحكم في التوازنات المالية. لكنه يظل توقعاً مشروطاً باستمرار نمو المداخيل وضبط النفقات، وليس نتيجة مكتسبة سلفاً.

كما أن ارتفاع الادخار لا يجيب وحده عن سؤال توزيع الإنفاق. فقد تتحسن قدرة الجماعة على تعبئة الموارد، بينما تستمر الفوارق بين الأحياء في الاستفادة من البنيات التحتية والخدمات.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة المؤشرات المالية إلى جانب معطيات تنفيذ الميزانية، ونسب إنجاز المشاريع، وتوزيع الاستثمارات بين المقاطعات والمجالات التي تعاني نقصاً في التجهيزات.

المديونية.. انخفاض مرتقب وحدود الاستقلال المالي

تشير المعطيات التي تناولتها التغطيات الاقتصادية لتقرير الوكالة إلى توقع انخفاض الدين المباشر للجماعة من نحو 66 في المائة من مداخيل التسيير سنة 2025 إلى 46 في المائة بحلول 2028.

ويمثل هذا التطور المحتمل مؤشراً على تراجع العبء النسبي للمديونية، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض جميع الالتزامات المالية المرتبطة بالمشاريع الكبرى.

فالتقييم الشامل يحتاج إلى التمييز بين الدين المباشر للجماعة والالتزامات التعاقدية طويلة الأجل، فضلاً عن تكاليف التشغيل والصيانة التي قد تنتج عن الاستثمارات الجديدة.

وتكشف تفاصيل التصنيف أيضاً عن مفارقة تستحق الاهتمام. فقد أشارت تغطية اقتصادية متخصصة إلى أن الوكالة قدرت الملف الائتماني الذاتي للدار البيضاء عند مستوى bbb+، لكنها أبقت التصنيف النهائي عند BBB-، بما يساوي التصنيف السيادي للمغرب.

ويرتبط ذلك، وفق التفسير المنشور، باعتماد الجماعات الترابية على التحويلات العمومية والموارد الضريبية المشتركة، وهو ما يحد من استقلاليتها المالية الكاملة.

وبذلك فإن تحسين التدبير المحلي، مهما بلغ مستواه، يظل مرتبطاً أيضاً بطبيعة النظام الوطني لتمويل الجماعات الترابية وتوزيع الموارد بينها وبين الدولة.

هل يفتح التصنيف الباب أمام الاقتراض من الأسواق المالية؟

قد يمنح التصنيف الدولي جماعة الدار البيضاء قدرة أكبر على تقديم وضعيتها المالية بصورة واضحة للمؤسسات المقرضة والمستثمرين، ويساعدها على مناقشة شروط التمويل على أساس تقييم خارجي.

وتكتسب هذه الإمكانية أهمية في ضوء برنامج عمل الجماعة للفترة 2023–2028، الذي يتضمن استثمارات في النقل والبنيات التحتية والخدمات والمرافق الحضرية.

غير أن الحصول على تصنيف ائتماني لا يعني الإعلان عن إصدار سندات أو الحصول على قرض جديد. فهذه القرارات تتطلب إجراءات قانونية ومالية مستقلة، كما تتوقف على حاجات التمويل وظروف السوق وكلفة الاقتراض.

وقد سبق للجماعة أن استفادت من تمويلات دولية، من بينها قرض للبنك الدولي سنة 2017 وتمويل إضافي سنة 2023، ضمن برامج لتقوية الاستثمار وتحديث التدبير المالي.

والسؤال هنا ليس ما إذا كانت الجماعة تستطيع الاقتراض أكثر، بل ما إذا كانت الموارد التي تعبئها تحقق عائداً اقتصادياً واجتماعياً يبرر تكلفتها على المدى الطويل.

التحصيل الضريبي.. إصلاح إداري أم ضغط إضافي؟

ربط تقرير الوكالة آفاق تحسن المالية الجماعية بتطوير التحصيل الجبائي، ورقمنة الإدارة، وتوسيع الوعاء الضريبي، إلى جانب التحكم في نفقات التسيير.

وتشكل هذه الإجراءات أدوات مهمة لتحسين تعبئة الموارد، خصوصاً عندما تستهدف الحد من ضعف التحصيل وتبسيط المساطر وتعزيز الشفافية.

لكن تقييم الإصلاح الجبائي المحلي لا ينبغي أن يقتصر على حجم المداخيل الإضافية. فالمعيار الآخر يتعلق بعدالة توزيع العبء الضريبي، ومدى مساهمة الإصلاح في تقليص الاختلالات بين الملزمين.

كما ينبغي التمييز بين تحسين استخلاص المستحقات القائمة وفرض أعباء جديدة على السكان أو المقاولات. فالأول قد يعكس ارتفاع كفاءة الإدارة، بينما يحتاج الثاني إلى تقييم أثره على النشاط الاقتصادي والقدرة الشرائية.

وتصبح الرقمنة ذات قيمة فعلية عندما تقلص زمن الإجراءات وتكاليف الامتثال وتحد من الغموض الإداري، لا عندما تقتصر على نقل المساطر التقليدية إلى واجهات إلكترونية.

مشاريع بمليارات الدراهم.. أين تظهر النتائج؟

يرتبط التصنيف الجديد ببرنامج استثماري واسع تسعى الدار البيضاء إلى تنفيذه خلال السنوات المقبلة. ووفق المعطيات المنشورة عن برنامج عمل الجماعة 2023–2028، يصل حجم الاستثمارات المبرمجة إلى نحو 39.6 مليار درهم.

وتشمل الأولويات تحسين التنقل الحضري، وتطوير البنيات التحتية، وتأهيل الفضاءات والمرافق، وتعزيز الخدمات الأساسية.

لكن ضخامة الاعتمادات المالية لا تكفي للحكم على نجاح هذه المشاريع. فالتقييم يتطلب مقارنة الكلفة الأولية بالكلفة النهائية، وقياس احترام الآجال، وتحديد الجهات المستفيدة، ومدى استجابة المنشآت الجديدة للحاجات الفعلية للسكان.

وفي قطاع النقل مثلاً، لا يتحدد نجاح الاستثمار بعدد الكيلومترات المنجزة فقط، بل أيضاً بتحسن زمن التنقل، وتكلفة الخدمة، وإمكانية الوصول إليها من الأحياء الطرفية.

وفي المرافق العمومية، ينبغي قياس الأثر من خلال جودة الاستقبال والاستعمال والصيانة، وليس بمجرد افتتاح المنشآت.

وبالتالي فإن قوة المركز المالي للجماعة تكتسب معناها التنموي عندما تقترن بنشر مؤشرات واضحة حول مردودية الإنفاق وتحسن الخدمات.

الدار البيضاء بين الجاذبية الاقتصادية والتفاوتات الحضرية

أخذت وكالة التصنيف بعين الاعتبار الوزن الاقتصادي للدار البيضاء، وتنوع أنشطتها وقدرتها على استقطاب الاستثمارات، وهي عوامل تمنح الجماعة قاعدة مالية أوسع مقارنة بعدد من المدن الأخرى.

غير أن هذا الموقع الاقتصادي يرافقه ضغط متواصل على النقل والسكن والتجهيزات والخدمات، فضلاً عن تفاوتات مجالية بين الأحياء.

ومن ثم، فإن التحدي لا يقتصر على المحافظة على ثقة المؤسسات المالية، بل يشمل ضمان استفادة السكان من الإمكانات التي يوفرها النشاط الاقتصادي للمدينة.

وقد تسمح الموارد الإضافية بتوسيع الاستثمار العمومي، لكن ذلك يحتاج إلى اختيارات واضحة بشأن الأولويات، وآليات لتقييم المشاريع، ونشر المعطيات المتعلقة بالتنفيذ والتمويل.

كما يقتضي الأمر توضيح العلاقة بين ميزانية الجماعة والبرامج التي تنفذها مؤسسات وشركات تنمية محلية أو جهات عمومية أخرى، حتى يكون من الممكن تحديد المسؤوليات وتقييم النتائج بصورة دقيقة.

تصنيف مالي إيجابي لا يلغي الحاجة إلى المحاسبة

يشكل حصول جماعة الدار البيضاء على تصنيف BBB- تطوراً مهماً في طريقة عرض وضعيتها المالية أمام المقرضين والمؤسسات الاستثمارية، ويعكس توقعات بتحسن قدرتها على تعبئة الموارد وضبط المديونية.

لكن هذا التقييم يبقى مرتبطاً بفرضيات مالية واقتصادية قد تتغير، ولا يقدم حكماً نهائياً على نجاح السياسات الحضرية.

فالتصنيف الائتماني يجيب أساساً عن سؤال قدرة الجماعة على الوفاء بالتزاماتها، بينما يحتاج السكان إلى إجابات عن أسئلة أخرى تتعلق بجودة النقل، والسكن، والنظافة، والفضاءات العامة، وعدالة توزيع الاستثمارات.

وسيكون الاختبار الحقيقي خلال السنوات المقبلة هو مدى تحول التحسن المالي المتوقع إلى مشاريع منجزة في آجالها، وخدمات قابلة للقياس، وتراجع ملموس للفوارق داخل المدينة.

وبين ثقة وكالات التصنيف وانتظارات المواطنين، تبقى المسؤولية الأساسية للجماعة في إثبات أن قوة المؤشرات المالية يمكن أن تقترن بتحسن فعلي في شروط العيش، وأن القدرة على التمويل ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لخدمة التنمية الحضرية.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً