f x ig yt
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

أزمة السكن في إسبانيا.. حين يصبح العمل غير كافٍ للحصول على منزل

ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات يوسع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، ويؤخر استقلال الشباب، بينما تواجه الحكومة الإسبانية اختباراً صعباً بين حماية المستأجرين وتوسيع العرض السكني.

دولي 📅 26 أكتوبر 2026 ⏱ 11 دقيقة
مبانٍ سكنية بحي سان نيكاسيو في مدينة ليغانيس بضواحي مدريد، وسط تفاقم أزمة السكن وارتفاع الإيجارات في إسبانيا. تصوير: Albergarri788، 19 ماي 2024. المصدر: ويكيميديا كومنز، ترخيص CC0 1.0

لم تعد أزمة السكن في إسبانيا مجرد مشكلة عقارية تتعلق بارتفاع الأسعار أو صعوبة الحصول على قرض بنكي، بل تحولت إلى قضية اجتماعية تمس فرص الشباب في الاستقلال، واستقرار الأسر، وقدرة المدن الكبرى على الاحتفاظ بسكانها من أصحاب الدخول المتوسطة والمحدودة. ففي بلد يشهد نشاطاً اقتصادياً وسياحياً ملحوظاً، تتسع الفجوة بين ما يتقاضاه العاملون وما يحتاجون إليه لاستئجار منزل أو شرائه، حتى أصبح الحصول على وظيفة لا يضمن بالضرورة القدرة على تأسيس حياة مستقلة.

وتكشف البيانات الرسمية حجم الاختلال. فقد ارتفعت أسعار شراء المساكن بنسبة 12.2 في المائة خلال الربع الثاني من سنة 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما أظهر المعهد الوطني الإسباني للإحصاء أن 44.3 في المائة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و34 سنة كانوا يعيشون مع آبائهم خلال سنة 2025.

وتأتي هذه المؤشرات في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات المطالبة بالحق في السكن، وتتصاعد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة والسلطات المحلية بشأن محدودية المعروض من المساكن الميسرة، وتنامي الضغوط على سوق الإيجار، والتأثير المتفاوت للنشاط السياحي والاستثمار العقاري.

لكن اختزال الأزمة في مسؤولية طرف سياسي واحد أو في نشاط المستثمرين وحده لا يكفي لفهم جذورها. فالمشكلة تتداخل فيها سنوات من ضعف بناء المساكن الميسرة، والتحولات الديمغرافية، وتفاوت فرص العمل بين المناطق، وارتفاع تكاليف البناء، فضلاً عن الخيارات التنظيمية والضريبية التي تحدد كيفية استخدام العقارات داخل المدن.

أسعار ترتفع أسرع من قدرة الأسر على التحمل

أصبح الوصول إلى السكن في إسبانيا أكثر صعوبة خلال السنوات الأخيرة، بعدما واصلت أسعار الشراء والإيجار ارتفاعها بوتيرة تفوق نمو دخول فئات واسعة من السكان.

ووفق مؤشر أسعار المساكن الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء، بلغت الزيادة السنوية في الربع الثاني من 2026 نحو 12.2 في المائة، مع ارتفاع أسعار المساكن الجديدة بنسبة 7.4 في المائة والمساكن المستعملة بنسبة 12.9 في المائة.

أما سوق الإيجار، فتظهر بيانات منصة «إيدياليستا» أن متوسط السعر المطلوب للمتر المربع بلغ 15.1 يورو شهرياً في سبتمبر 2026، بزيادة سنوية قدرها 5.6 في المائة. وهذا الرقم يعبر عن الأسعار المعروضة في إعلانات المنصة، وليس عن متوسط الإيجارات المدفوعة فعلياً في جميع العقود القائمة.

ويعني ذلك أن شقة مساحتها 70 متراً مربعاً، إذا عُرضت بالسعر الوطني المذكور، قد يتجاوز إيجارها ألف يورو شهرياً، دون احتساب الخدمات والمصاريف الأخرى. وتختلف التكلفة بصورة كبيرة بحسب المدينة والحي وحالة العقار.

ولا تكمن المشكلة في ارتفاع الأسعار وحده، بل في العلاقة بينها وبين الأجور. فقد أظهرت دراسة اقتصادية تناولت الفترة الممتدة من 2014 إلى 2024 أن الإيجارات ارتفعت بنسبة تقارب 82 في المائة، مقابل نمو للأجور بنحو 30 في المائة وفق المقاييس المستخدمة في الدراسة.

وتوضح هذه الفجوة لماذا لا يشعر بعض العاملين بتحسن حقيقي في قدرتهم الشرائية، حتى عندما يحصلون على زيادات في الأجور. فجزء متزايد من الدخل قد يذهب إلى السكن، على حساب الادخار والنقل والتعليم والاحتياجات اليومية.

الشباب يدفعون ثمن التأخر في الاستقلال

تظهر أزمة السكن بوضوح في أوضاع الشباب الذين يجدون صعوبة في مغادرة منزل الأسرة، ليس بالضرورة بسبب غياب الرغبة في الاستقلال، بل نتيجة عدم التناسب بين الدخل وأسعار العقارات.

وقد أظهرت دراسة رسمية نشرها المعهد الوطني الإسباني للإحصاء في أبريل 2026 أن 44.3 في المائة من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و34 سنة كانوا يقيمون مع آبائهم خلال سنة 2025.

ومن بين هؤلاء، أفاد 47.3 في المائة بأن السبب الرئيسي لاستمرار إقامتهم مع الأسرة هو عدم قدرتهم المالية على شراء مسكن أو استئجاره، بينما أشار 13 في المائة إلى أنهم يدخرون من أجل الحصول على سكن.

وتكشف هذه النتائج أن التأخر في الاستقلال السكني لا يمكن تفسيره بالخيارات الثقافية أو العائلية وحدها. فحتى الشباب الذين يعملون قد يواجهون صعوبة في توفير مبلغ التأمين الأولي للإيجار، أو دفع الأقساط العقارية، أو إثبات دخل ثابت يستجيب لشروط المالك أو البنك.

وتتجاوز آثار هذه الوضعية الجانب المالي، لأنها تؤثر في قرارات الانتقال من مدينة إلى أخرى، وتكوين الأسر، والإنجاب، والبحث عن فرص مهنية أفضل.

كما تساهم في تعميق التفاوت بين الشباب الذين تستطيع أسرهم مساعدتهم على شراء منزل، وأولئك الذين يعتمدون بالكامل على دخلهم الخاص.

مدريد وبرشلونة.. مدن جاذبة وسكن بعيد المنال

تتركز ضغوط السكن في المدن والمناطق التي تستقطب فرص العمل والجامعات والاستثمارات والسياح، وفي مقدمتها مدريد وبرشلونة وجزر البليار.

ففي منطقة مدريد، بلغ متوسط الإيجار المطلوب نحو 21.6 يورو للمتر المربع خلال سبتمبر 2026، بحسب بيانات «إيدياليستا»، مقابل 20.2 يورو في جزر البليار.

وتعكس هذه الفوارق اختلالاً جغرافياً واضحاً. فالمناطق الأكثر جذباً للنشاط الاقتصادي تستقبل طلباً متزايداً على المساكن، بينما لا تتوسع القدرة الاستيعابية بالوتيرة نفسها.

وتؤدي هذه الضغوط إلى انتقال بعض الأسر نحو الضواحي أو المدن البعيدة نسبياً عن أماكن العمل، بما يزيد أعباء التنقل ويستهلك وقتاً إضافياً من الحياة اليومية.

كما قد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تغيير التركيبة الاجتماعية لبعض الأحياء، عندما تصبح الإقامة فيها حكراً بصورة متزايدة على أصحاب الدخول المرتفعة.

ومن هنا، فإن أزمة السكن ليست منفصلة عن التخطيط الحضري والنقل العمومي وتوزيع الوظائف والخدمات. فبناء مساكن جديدة بعيداً عن فرص العمل، دون توفير وسائل نقل فعالة، قد ينقل جزءاً من المشكلة بدلاً من حلها.

لماذا لا يكفي بناء المزيد من المساكن؟

يرتبط جانب مهم من الأزمة بعدم كفاية المعروض السكني في المناطق التي تشهد طلباً مرتفعاً، لكن زيادة عدد الوحدات وحدها لا تضمن تلقائياً وصول الأسر محدودة الدخل إليها.

فالمساكن الجديدة قد توجه إلى الشرائح القادرة على الشراء بأسعار مرتفعة، بينما تظل الفئات الأكثر حاجة عاجزة عن دخول السوق.

وتتأثر عملية البناء أيضاً بتوفر الأراضي المجهزة، ومدد الحصول على التراخيص، وتكاليف المواد واليد العاملة، والقدرة على تمويل المشاريع.

وتظهر تقديرات نشرها مرصد الإيجار في 19 أكتوبر 2026 استمرار الضغط على السوق، مع توقع تراجع المعروض من المساكن المؤجرة خلال السنة بنسبة 2.27 في المائة، وفق منهجية المرصد.

كما قدر المرصد أن كل مسكن معروض للإيجار يستقطب في المتوسط 133 شخصاً مهتماً خلال الأيام العشرة الأولى من الإعلان عنه. ويقيس هذا المؤشر الاهتمام بالإعلانات ضمن نطاق البيانات التي يعتمدها المرصد، ولا يعني أن جميع هؤلاء يتقدمون بطلبات رسمية أو يتنافسون فعلياً على عقد واحد.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الطلب يظل مرتفعاً مقارنة بالمعروض المتاح، لكنها تفرض أيضاً التمييز بين نقص عدد المساكن إجمالاً ونقص المساكن المناسبة من حيث السعر والموقع والمساحة.

ولهذا، فإن السياسة السكنية الفعالة تحتاج إلى تحديد الفئات المستهدفة ونوعية المساكن المطلوبة، وليس الاكتفاء بإعلان أعداد إجمالية للمشاريع.

السياحة والإيجار القصير.. من يستفيد من المدينة؟

أعاد توسع الإيجار السياحي قصير المدة النقاش حول استخدام العقارات في المدن الإسبانية، خصوصاً في المناطق التي تشهد إقبالاً سياحياً كبيراً.

ويرى منتقدو هذا النشاط أن تحويل المساكن إلى وحدات مخصصة للزوار يقلص العرض المتاح للسكان الدائمين في بعض الأحياء، ويساهم في زيادة المنافسة على العقارات.

في المقابل، يؤكد العاملون في القطاع أن النشاط السياحي يوفر دخلاً وفرص عمل، وأن أزمة السكن أوسع من أن تفسر بالإيجارات السياحية وحدها.

وتختلف أهمية هذا العامل من مدينة إلى أخرى، بحسب عدد الوحدات السياحية ودرجة تركيزها الجغرافي والقواعد المنظمة لها.

ولهذا، فإن فرض قيود على الإيجار السياحي يحتاج إلى تقييم أثرها الفعلي في إعادة المساكن إلى السوق السكنية العادية، مع مراعاة حقوق الملاك والالتزامات القانونية والاقتصاد المحلي.

ولا ينبغي أن تتحول حماية النشاط السياحي إلى مبرر لإقصاء السكان من أحيائهم، كما لا ينبغي تقديم حظر هذا النشاط باعتباره حلاً سحرياً لجميع اختلالات سوق العقارات.

فالتحدي الحقيقي يتعلق بإيجاد توازن بين اقتصاد المدينة ووظيفتها الأساسية باعتبارها مكاناً للعيش والعمل والاستقرار.

السكن الاجتماعي.. الحلقة الأضعف

تكشف الأزمة عن محدودية الدور الذي يؤديه السكن العمومي والاجتماعي في حماية الأسر التي لا تستطيع تحمل أسعار السوق.

ووفق المعطيات الواردة في خطة الدولة الإسبانية للسكن للفترة 2026–2030، يبلغ رصيد المساكن المملوكة للقطاع العام نحو 318 ألف وحدة، بما يغطي قرابة 1.7 في المائة من الأسر.

أما إذا احتسب مجموع الإيجار الاجتماعي الذي يقدم بأسعار تقل عن السوق، فتقدر التغطية بنحو 3.5 في المائة من الأسر، مقابل متوسط أوروبي يبلغ نحو 9 في المائة وفق المقارنة المعتمدة في الخطة.

وتبرز هذه الأرقام محدودية البدائل المتاحة للأسر التي لا تستطيع المنافسة في السوق الخاصة، خصوصاً في المدن ذات الإيجارات المرتفعة.

لكن توسيع السكن الاجتماعي يتطلب أكثر من تخصيص ميزانيات للبناء. فهو يحتاج إلى توفير الأراضي، وضمان استمرار الطابع الاجتماعي للمساكن، ووضع معايير شفافة للاستفادة، وتجنب انتقال الوحدات المدعومة إلى المضاربة العقارية.

كما ينبغي أن تراعي المشاريع الجديدة القرب من النقل والخدمات وفرص العمل، حتى لا تتحول المساكن الميسرة إلى تجمعات معزولة عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدن.

الإفراغات السكنية تعيد الأزمة إلى الشارع

أعادت واقعة إفراغ مستأجرة مسنة في مدريد خلال سبتمبر 2026 قضية الحماية القانونية للمستأجرين إلى واجهة النقاش العام.

فقد أثارت القضية احتجاجات واسعة، بعدما أصبحت رمزاً للمخاوف من فقدان السكن نتيجة تغير الملكية أو الارتفاع الكبير في الإيجارات.

ولا يمكن الحكم على جميع النزاعات العقارية من خلال حالة واحدة، لأن حقوق الملاك والمستأجرين تختلف بحسب العقود والأحكام القضائية والظروف الخاصة بكل ملف.

لكن المعطيات القضائية تكشف أن الإفراغات ليست ظاهرة هامشية. فقد سجلت إسبانيا 24,540 عملية تنفيذ إفراغ خلال سنة 2025، وفق بيانات المجلس العام للسلطة القضائية التي عرضتها منظمة العفو الدولية، مع الإشارة إلى أن هذه الإحصاءات تشمل أنواعاً مختلفة من العقارات ولا تخص جميعها مساكن الإقامة الرئيسية.

وتطرح هذه الوقائع سؤالاً بشأن مدى كفاية آليات الوقاية من فقدان السكن، وفعالية المساعدة الاجتماعية والقانونية المقدمة للأسر المعرضة للإفراغ.

كما تؤكد الحاجة إلى حماية الحقوق التعاقدية بصورة متوازنة، مع منع تحول النزاعات العقارية إلى أزمات اجتماعية تترك الأشخاص الأكثر هشاشة دون بدائل مناسبة.

الحكومة أمام امتحان القوانين والنتائج

اتخذت الحكومة الإسبانية خلال أكتوبر 2026 إجراءات جديدة تستهدف حماية وظيفة السكن وتوسيع المعروض الميسر وتعزيز استقرار عقود الإيجار.

وأعلنت رئاسة الحكومة أن مجلس الوزراء وافق في السادس من أكتوبر على مرسومين بقانون، نُشرا في الجريدة الرسمية يوم السابع من الشهر نفسه، ويتعلقان بتعزيز الحق في السكن واستقرار عقود الإيجار.

وتتطلب هذه الإجراءات متابعة مسار المصادقة البرلمانية وآليات التطبيق، لأن الإعلان عن التدابير لا يضمن وحده تحقيق النتائج المعلنة.

كما أن تقييم فعاليتها ينبغي أن يعتمد على مؤشرات واضحة، تشمل عدد المساكن التي أضيفت إلى السوق، وتطور الإيجارات، وعدد المستفيدين من الحماية، وتأثير القواعد الجديدة في عرض العقارات للإيجار.

وتواجه حكومة بيدرو سانشيز انتقادات بشأن بطء معالجة الأزمة، بينما تدافع عن تدخلاتها التنظيمية والاجتماعية باعتبارها ضرورية لحماية الحق في السكن.

غير أن مساءلة الحكومة لا تعفي السلطات الجهوية والمحلية من مسؤولياتها في التخطيط العمراني وتوفير الأراضي وتنظيم التراخيص وتطبيق القواعد السكنية.

كما أن المعارضة مطالبة بتقديم بدائل قابلة للقياس، بدلاً من الاكتفاء بتحميل السلطة التنفيذية مسؤولية جميع الاختلالات المتراكمة.

هل يمكن تنظيم الإيجارات دون تقليص العرض؟

يشكل تنظيم أسعار الإيجار أحد أكثر الملفات إثارة للخلاف بين الحكومة والفاعلين الاقتصاديين ومنظمات المستأجرين.

فالمؤيدون يرون أن الضوابط ضرورية لمنع الزيادات المفرطة وحماية الأسر من فقدان مساكنها، خصوصاً في المناطق التي تشهد ضغطاً شديداً على الطلب.

أما المنتقدون فيحذرون من احتمال دفع بعض الملاك إلى سحب عقاراتهم من سوق الإيجار طويل الأجل، أو تقليص الاستثمار في الصيانة والبناء، إذا لم تصمم القواعد بصورة متوازنة.

ولا يمكن حسم هذا الخلاف انطلاقاً من المواقف الأيديولوجية وحدها، لأن أثر التنظيم يتوقف على تفاصيل القانون، ومدى تطبيقه، وحجم المعروض، والظروف المحلية.

وقد تحقق بعض التدابير استقراراً للمستأجرين الحاليين، لكنها قد لا تساعد بالقدر نفسه الباحثين عن مسكن جديد إذا ظل عدد الوحدات المتاحة محدوداً.

ولهذا، فإن المقاربة الأكثر جدية تقتضي الجمع بين حماية المستأجرين، وتحفيز الإيجار طويل الأجل، وتوسيع السكن الاجتماعي، وتسريع إنجاز المساكن الجديدة حيث توجد الحاجة الفعلية.

أزمة حضرية تتجاوز حدود إسبانيا

تعكس التجربة الإسبانية تحول السكن إلى إحدى أبرز قضايا العدالة الاجتماعية في المدن الأوروبية، بعدما أصبحت جاذبية المراكز الحضرية الاقتصادية والسياحية تترافق مع صعوبة متزايدة في الإقامة داخلها.

وتطرح هذه المفارقة سؤالاً يتعلق بطبيعة التنمية الحضرية. فالمدينة التي تستقطب الاستثمارات والسياح والوظائف قد تفقد جزءاً من قدرتها على الاحتفاظ بالعاملين الذين تعتمد عليهم خدماتها اليومية.

كما أن ارتفاع أسعار العقارات يمكن أن يعمق الفوارق بين المالكين والمستأجرين، وبين الأسر التي ورثت ممتلكات سكنية والأسر التي تدخل السوق للمرة الأولى.

ولا يقتصر أثر ذلك على العدالة الاجتماعية، بل يمتد إلى إنتاجية الاقتصاد والتنقل وسوق العمل، عندما يعجز العاملون عن السكن بالقرب من الوظائف المناسبة لمؤهلاتهم.

ومن هنا، فإن سياسة السكن ليست مجرد فرع من السياسة العقارية، بل جزء من التخطيط الاقتصادي والاجتماعي والعمراني للدولة.

من الوعود إلى الحق الفعلي في السكن

تؤكد الأزمة الإسبانية أن النمو الاقتصادي وحده لا يكفي لضمان تحسن مستوى المعيشة إذا استحوذت تكاليف السكن على حصة متزايدة من دخل الأسر.

كما تكشف محدودية الحلول التي تركز على جانب واحد من المشكلة، سواء تعلق الأمر بضبط الإيجارات أو تشجيع البناء أو تقييد الاستخدام السياحي للعقارات.

فالاستجابة المستدامة تحتاج إلى سياسة متكاملة تعالج نقص المعروض الميسر، وتوسع السكن الاجتماعي، وتحسن شروط العمل والدخل، وتربط التنمية العمرانية بالنقل والخدمات، مع ضمان حماية قانونية متوازنة للملاك والمستأجرين.

وسيكون الاختبار الحقيقي لحكومة بيدرو سانشيز وللسلطات الجهوية والمحلية في قدرة الإجراءات المعلنة على تخفيف العبء السكني بصورة ملموسة، لا في عدد القوانين أو المشاريع التي يجري الإعلان عنها.

أما بالنسبة إلى الشباب الإسباني، فإن المعيار أبسط وأكثر مباشرة: هل أصبح بالإمكان الحصول على سكن مناسب بدخل العمل، دون الاعتماد الدائم على مساعدة الأسرة أو تحمل مديونية تتجاوز القدرة المالية؟

فحين يصبح العمل غير كافٍ لتأمين منزل، لا تعود أزمة السكن مشكلة عقارية معزولة، بل تتحول إلى مؤشر على اختلال أعمق في توزيع فرص العيش والاستقرار داخل المجتمع.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً