f x ig yt
السبت، 31 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

مالية 2027 أمام البرلمان.. الوعود الاجتماعية والتمويل

انطلاق المناقشة التفصيلية لمشروع قانون المالية يعيد إلى الواجهة قضايا القدرة الشرائية والتشغيل والعدالة الضريبية، وسط تباين بين التوجهات الحكومية وانتقادات المعارضة بشأن النتائج المنتظرة.

الحكومة والبرلمان 📅 30 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
جانب من اجتماع رسمي لمناقشة ملفات حكومية، في صورة تعكس أهمية النقاش المؤسساتي حول السياسات والاختيارات المالية بالمغرب. صورة أرشيفية.

دخل مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة جديدة من مساره التشريعي، مع برمجة لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب اجتماعاً، يوم الجمعة 30 أكتوبر، للاستماع إلى جواب الحكومة على مداخلات النواب، قبل الشروع في المناقشة التفصيلية لمقتضيات المشروع.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من التوجهات العامة للميزانية إلى فحص الإجراءات والاعتمادات والاختيارات الضريبية، بما يتيح للأغلبية والمعارضة مناقشة مدى انسجام المشروع مع الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي.

ويأتي النقاش في سياق تتصدر فيه القدرة الشرائية والتشغيل والحماية الاجتماعية اهتمامات المواطنين، بينما تواجه الحكومة تحدي الجمع بين تمويل الالتزامات الاجتماعية والمحافظة على التوازنات المالية.

غير أن القضية الأساسية لا تتعلق فقط بحجم الاعتمادات المعلنة، وإنما بقدرة السياسات المقترحة على تحقيق نتائج قابلة للقياس، ومدى استفادة الأسر والمقاولات من الإجراءات التي يتضمنها المشروع.

من عرض الأرقام إلى مساءلة الاختيارات

قدمت الحكومة مشروع قانون المالية مرفقاً بمجموعة من الوثائق التفسيرية والتقارير القطاعية، تشمل الوضعية الاقتصادية والمالية، والدين العمومي، والنفقات الجبائية، والمقاصة، والمؤسسات والمقاولات العمومية، والموارد البشرية، والتوزيع الجهوي للاستثمار.

وتتيح هذه الوثائق للبرلمان إمكانية فحص المشروع ضمن رؤية أوسع من الأرقام الواردة في الميزانية العامة، لأنها تكشف جوانب من الالتزامات المالية للدولة وأولويات توزيع الموارد.

لكن وفرة الوثائق لا تعني بالضرورة وضوح الأثر المتوقع لكل إجراء. فالمساءلة البرلمانية تحتاج إلى ربط الاعتمادات بالأهداف، وتحديد مؤشرات لقياس النتائج، ومقارنة ما تقترحه الحكومة بما تحقق فعلياً في السنوات السابقة.

وتبرز أهمية هذا التقييم خصوصاً في القطاعات الاجتماعية، حيث قد ترتفع الميزانيات دون أن يقابل ذلك تحسن متناسب في جودة الخدمات أو تقليص الفوارق بين المناطق.

ومن هنا، فإن المناقشة التفصيلية تمثل فرصة للانتقال من الجدل حول حجم الإنفاق إلى مساءلة مردوديته وشروط تنفيذه.

القدرة الشرائية بين الإصلاح الضريبي وارتفاع تكاليف المعيشة

من بين الإجراءات التي أثارت الاهتمام في مشروع مالية 2027 اقتراح رفع عتبة الإعفاء من الضريبة على الدخل إلى 60 ألف درهم من الدخل الصافي الخاضع للضريبة سنوياً، مقابل 40 ألف درهم سابقاً.

ويمكن لهذا الإجراء، إذا تمت المصادقة عليه بصيغته المقترحة، أن يخفف العبء الضريبي عن فئات من الأجراء، مع اختلاف حجم الاستفادة بحسب مستوى الدخل والوضعية الضريبية لكل شخص.

لكن أثر التخفيض الضريبي لا يمكن فصله عن تطور الأسعار وتكاليف السكن والنقل والغذاء والخدمات الأساسية.

فارتفاع صافي الأجر لا يعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في القدرة الشرائية إذا استمرت النفقات الضرورية في الارتفاع بوتيرة أسرع.

كما أن التركيز على الضريبة على الدخل يطرح سؤال استفادة الفئات التي لا تتوفر على أجور خاضعة لهذا النظام، وفي مقدمتها العاملون في قطاعات غير مهيكلة أو الأسر التي تعتمد على مداخيل محدودة وغير منتظمة.

ولهذا فإن تقييم الإصلاح ينبغي أن يجمع بين أثره على الأجراء، وتكلفته على الميزانية، ومدى تكامله مع سياسات الأسعار والحماية الاجتماعية.

التشغيل.. الوعود الحكومية أمام تحولات سوق العمل

عاد ملف التشغيل إلى قلب المناقشات البرلمانية، خصوصاً مع استمرار التساؤلات بشأن قدرة السياسات العمومية على خلق فرص عمل مستقرة تستجيب لمؤهلات الشباب.

وخلال مناقشة مشروع قانون المالية، حذر أحد البرلمانيين من المخاطر التي قد تفرضها التحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي على قطاعات الخدمات، مستحضراً تقديرات بشأن الوظائف المعرضة للتأثر.

وتستدعي هذه التحذيرات التعامل بحذر مع الأرقام المتداولة، لأنها تعبر عن تقديرات أو مواقف برلمانية، ولا تثبت بالضرورة أن عدداً محدداً من الوظائف سيفقد فعلياً.

لكنها تطرح قضية اقتصادية حقيقية تتعلق بقدرة سوق العمل المغربي على التكيف مع التحول الرقمي، وبمدى استعداد منظومة التعليم والتكوين لتطوير المهارات المطلوبة.

كما أن قياس نجاح سياسة التشغيل لا ينبغي أن يقتصر على عدد المناصب المعلن عنها، بل يشمل استدامتها، ومستويات الأجور، والحماية الاجتماعية، والتوزيع الجغرافي للفرص.

وتصبح هذه المؤشرات أكثر أهمية عندما ترتبط الوعود الحكومية ببرامج استثمارية كبيرة يفترض أن تنتج آثاراً اقتصادية واجتماعية ملموسة.

المعارضة تنتقد الفجوة بين الالتزامات والموارد

شهدت المناقشة العامة لمشروع مالية 2027 انتقادات من نواب المعارضة، خصوصاً بشأن مدى قدرة الاختيارات الحكومية على معالجة اختلالات القدرة الشرائية والتشغيل والسيادة الغذائية والمائية والطاقية.

واعتبر نواب من فريق العدالة والتنمية أن بعض فرضيات المشروع تحتاج إلى مراجعة، وأن الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي تطرح أسئلة بشأن التمويل والإنجاز.

وتندرج هذه الانتقادات ضمن الدور الرقابي للمعارضة، لكنها تظل مواقف سياسية تحتاج بدورها إلى اختبار على ضوء المعطيات المالية والاقتصادية.

فالحكم على مدى واقعية الوعود الحكومية يتطلب تحديد الاعتمادات المخصصة لكل برنامج، والجدول الزمني للتنفيذ، والمؤشرات التي تسمح بمراقبة النتائج.

وفي المقابل، يتعين على الحكومة توضيح الكيفية التي ستترجم بها الإجراءات المقترحة إلى تحسن في الخدمات والقدرة الشرائية، بدلاً من الاكتفاء بعرض النوايا والأهداف العامة.

وتبرز هنا مسؤولية الأغلبية البرلمانية أيضاً، لأنها مطالبة بمناقشة اختيارات الحكومة وتقييمها، لا الاكتفاء بالدفاع السياسي عن المشروع.

العدالة المجالية.. كيف توزع الاستثمارات؟

تتضمن الوثائق المرافقة لمشروع قانون المالية مذكرة بشأن التوزيع الجهوي للاستثمار، وهو ما يفتح مجالاً لتقييم مدى استفادة الجهات من الإنفاق العمومي.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في المغرب، حيث تتفاوت فرص العمل وجودة الخدمات والبنيات التحتية بين المراكز الحضرية الكبرى والمناطق القروية والمدن الصغيرة.

ولا يكفي الإعلان عن استثمارات وطنية مرتفعة للحكم على عدالتها المجالية، لأن الأثر يتوقف على توزيع المشاريع وطبيعتها وقدرتها على معالجة الحاجات المحلية.

كما أن إنجاز بنية تحتية جديدة لا يؤدي تلقائياً إلى تنمية اقتصادية مستدامة، ما لم يرتبط بتحسين الخدمات ودعم النشاط الإنتاجي وتسهيل وصول السكان إلى فرص العمل.

ومن ثم، فإن المناقشة البرلمانية مطالبة بفحص المعايير التي تعتمدها الحكومة في توزيع الاستثمارات، ومدى ارتباطها بمؤشرات الفقر والبطالة ونقص التجهيزات.

ويحتاج هذا التقييم أيضاً إلى بيانات عن المشاريع المنجزة فعلياً، وليس فقط الاعتمادات المبرمجة.

الدين العمومي وحدود التوسع في الإنفاق

تواجه السياسة المالية تحدياً دائماً يتمثل في تحقيق التوازن بين الاستجابة للحاجات الاجتماعية وتوفير الموارد الضرورية للاستثمار والمحافظة على استدامة المالية العمومية.

ولهذا يتضمن مشروع قانون المالية تقارير حول الدين العمومي والنفقات الجبائية والتكاليف المشتركة، وهي عناصر ضرورية لفهم الحيز المالي المتاح للحكومة.

فزيادة الإنفاق قد تكون مبررة اقتصادياً واجتماعياً عندما توجه إلى استثمارات منتجة أو خدمات أساسية، لكنها تتطلب تقديراً واضحاً لمصادر التمويل وتكاليفه المستقبلية.

كما أن المحافظة على التوازنات المالية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتأجيل معالجة الاختلالات الاجتماعية دون تقديم بدائل أو جداول زمنية واضحة.

وتتمثل مسؤولية الحكومة والبرلمان في توضيح المفاضلات بين الأولويات، وتحديد الكلفة المالية لكل اختيار، وبيان أثره المتوقع على الاقتصاد والمجتمع.

البرلمان أمام اختبار الرقابة الفعلية

لا تتحدد أهمية المناقشة التفصيلية لمشروع مالية 2027 بعدد المداخلات أو حدة السجال بين الأغلبية والمعارضة، بل بمدى قدرتها على توضيح الاختيارات وتصحيح الاختلالات المحتملة.

فالتعديلات البرلمانية، إن قُدمت، تحتاج إلى تقييم مالي وقانوني، كما ينبغي أن تكون منسجمة مع الأهداف المعلنة وألا تقتصر على تسجيل مواقف سياسية.

وتظل الشفافية في نشر نتائج المناقشات والتعديلات والتصويت شرطاً أساسياً لتمكين الرأي العام من متابعة المسار التشريعي.

كما أن دور البرلمان لا ينتهي بالمصادقة على الميزانية، بل يمتد إلى مراقبة تنفيذها ومساءلة الحكومة بشأن الفوارق بين الاعتمادات المقررة والإنجازات الفعلية.

وهنا تظهر أهمية التقارير الدورية والتقييم المستقل للبرامج العمومية، حتى لا تتحول مناقشة الميزانية إلى موعد سنوي يتكرر فيه عرض الأهداف نفسها دون مراجعة كافية للنتائج السابقة.

مالية 2027.. الاختبار يبدأ بعد المصادقة

يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 أول اختبار مالي وتشريعي بارز للاختيارات التي أعلنتها الحكومة الجديدة، خصوصاً في ما يتعلق بالقدرة الشرائية والتشغيل والحماية الاجتماعية والاستثمار.

لكن المشروع ما زال في مرحلة المناقشة، وقد تخضع بعض مقتضياته للتعديل قبل المصادقة النهائية.

وسيكون من السابق لأوانه الحكم على نتائجه اعتماداً على الإجراءات المقترحة وحدها، لأن أثرها يتوقف على الصيغة النهائية للقانون، وشروط التنفيذ، والتطورات الاقتصادية خلال السنة المقبلة.

ومع ذلك، فإن المرحلة البرلمانية الحالية توفر فرصة لطرح الأسئلة التي ينبغي أن ترافق الميزانية منذ البداية: من يستفيد من الإصلاحات؟ وكيف تمول الالتزامات؟ وما المؤشرات التي ستعتمد لقياس النجاح أو الإخفاق؟

وبين الوعود الحكومية وانتقادات المعارضة وانتظارات المواطنين، يبقى المعيار الحاسم هو قدرة السياسات العمومية على تحويل الموارد المالية إلى نتائج ملموسة، قابلة للتحقق والمحاسبة، بعيداً عن الاكتفاء بالأرقام المعلنة والخطابات السياسية.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً