f x ig yt
السبت، 31 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

مجموعة العشرين.. خلافات روسيا والغرب تعرقل التوافق

إلغاء الصورة الرسمية لوزراء الخارجية في أتلانتا بسبب الاعتراض على حضور روسيا، وترقب اختتام الاجتماعات دون بيان مشترك، يكشفان صعوبة التوفيق بين المصالح الاقتصادية والخلافات الجيوسياسية داخل المنتدى الدولي.

دولي 📅 31 أكتوبر 2026 ⏱ 8 دقائق
جانب من اجتماع سابق لوزراء خارجية مجموعة العشرين في ريو دي جانيرو، فبراير 2024. صورة أرشيفية تبرز طبيعة الاجتماعات الدبلوماسية التي تواجه اليوم خلافات متزايدة بشأن الحروب والتجارة الدولية. تصوير: Chuck Kennedy / وزارة الخارجية الأمريكية، ملكية عامة.

لم يكن إلغاء الصورة الجماعية لوزراء خارجية مجموعة العشرين، خلال اجتماعهم في مدينة أتلانتا الأمريكية، مجرد تفصيل بروتوكولي عابر. فقد كشف القرار عن عمق الخلافات السياسية التي تواجه المنتدى الاقتصادي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تنسيق دولي بشأن التجارة والطاقة والأمن الغذائي والاضطرابات الجيوسياسية.

وجاء إلغاء الصورة بعدما رفض عدد من الوزراء الأوروبيين الظهور إلى جانب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، احتجاجاً على استمرار الحرب في أوكرانيا. وقرر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الاستغناء عن الصورة التقليدية، تفادياً لتحويل المناسبة إلى مواجهة دبلوماسية علنية.

وبحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس عن دبلوماسيين مشاركين، يتجه اجتماع وزراء الخارجية، المنعقد يومي 30 و31 أكتوبر 2026، إلى الاختتام دون بيان ختامي مشترك بشأن القضايا الأمنية الرئيسية. ومن المنتظر أن يصدر بيان عن الرئاسة الأمريكية يلخص المناقشات، بدلاً من وثيقة توافقية باسم جميع المشاركين.

ويثير هذا التعثر سؤالاً يتجاوز الخلاف حول روسيا: إلى أي حد تستطيع مجموعة العشرين المحافظة على دورها في تنسيق السياسات الاقتصادية العالمية، بينما تنتقل الصراعات العسكرية والسياسية إلى قلب اجتماعاتها؟

صورة جماعية ألغيت.. والخلاف أعمق من البروتوكول

بدأت الأزمة قبل انطلاق المناقشات الرسمية، عندما اعترضت وفود غربية على مشاركة لافروف في الصورة التقليدية التي تجمع ممثلي الدول الأعضاء.

ونقلت رويترز عن دبلوماسي غربي أن نحو ثلث المشاركين، وبينهم ممثلون لأستراليا وكندا، أبدوا اعتراضهم على الظهور إلى جانب الوزير الروسي.

وكان بعض المسؤولين الأوروبيين قد ناقشوا إمكانية التقاط صورتين منفصلتين، إحداهما بمشاركة لافروف والأخرى من دونه. غير أن الجانب الأمريكي اختار إلغاء التصوير الجماعي بالكامل.

وبرر وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول موقفه بأن العلاقات مع روسيا لا يمكن التعامل معها باعتبارها عادت إلى طبيعتها، في ظل استمرار الحرب الأوكرانية.

ويعكس هذا الموقف محاولة أوروبية لتجنب أي إشارة رمزية قد تُفهم على أنها تطبيع سياسي مع موسكو. لكنه يطرح، في الوقت نفسه، إشكالية عملية: كيف يمكن إدارة الخلاف مع دولة تشارك في المنتدى نفسه، وتملك تأثيراً مباشراً في أسواق الطاقة والأمن الدولي؟

فالدبلوماسية متعددة الأطراف تقوم على جمع دول تختلف مصالحها ومواقفها. وإذا أصبحت المشاركة في الإجراءات البروتوكولية موضع نزاع، فإن الوصول إلى توافق بشأن القضايا الجوهرية يصبح أكثر صعوبة.

واشنطن تستضيف الاجتماع وسط خلافات مع حلفائها

تستضيف الولايات المتحدة الاجتماع في إطار رئاستها لمجموعة العشرين، قبل القمة المقررة لقادة الدول في ديسمبر المقبل.

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت أن لقاء أتلانتا سيبحث التعاون الاقتصادي الدولي، وتعزيز استقرار الأسواق، ودعم التجارة وسلاسل الإمداد.

لكن جدول الأعمال اصطدم بخلافات سياسية تتعلق بالحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، والسياسات التجارية الأمريكية، والنزاعات المرتبطة بالممرات البحرية.

وتبدو واشنطن في موقع معقد. فهي تسعى إلى إدارة المنتدى بوصفها الدولة المضيفة، لكنها طرف مباشر في عدد من الخلافات المطروحة للنقاش.

كما أن السياسات الأمريكية المتعلقة بالرسوم الجمركية والعلاقات مع روسيا تثير تباينات مع بعض الشركاء الغربيين.

وتكشف هذه المفارقة عن صعوبة الفصل بين وظيفة الولايات المتحدة بوصفها رئيسة للاجتماعات، وموقعها باعتبارها قوة كبرى تدافع عن مصالحها الخاصة.

ولا يعني ذلك أن واشنطن وحدها مسؤولة عن تعثر التوافق. فروسيا والصين والدول الأوروبية والقوى الاقتصادية الصاعدة تدخل بدورها إلى الاجتماعات بأولويات مختلفة، بعضها متعارض بصورة مباشرة.

أوكرانيا تعيد الانقسام السياسي إلى منتدى اقتصادي

منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، أصبحت الحرب أحد أبرز مصادر الخلاف داخل مجموعة العشرين.

وتنظر الدول الأوروبية الداعمة لكييف إلى استمرار العمليات العسكرية باعتباره تحدياً للأمن الأوروبي ولمبادئ السيادة واحترام الحدود الدولية.

في المقابل، ترفض موسكو المقاربات الغربية للحرب، وتقدم موقفها باعتباره مرتبطاً بمصالحها الأمنية وبالخلاف حول النظام الأمني الأوروبي.

وقد امتد هذا التباين إلى الاجتماعات الاقتصادية، لأن الحرب أثرت في أسعار الطاقة والحبوب والأسمدة والنقل، كما ساهمت العقوبات والإجراءات التجارية المضادة في إعادة تشكيل بعض العلاقات الاقتصادية.

لكن المشكلة لا تقتصر على اختلاف المواقف من الحرب. فالدول الأعضاء لا تتفق دائماً على كيفية إدراجها في البيانات المشتركة، أو على اللغة التي ينبغي استخدامها لوصف المسؤوليات والتداعيات.

وهكذا تتحول صياغة فقرة سياسية إلى عقبة أمام التوافق على وثيقة تتناول قضايا اقتصادية أوسع.

من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط.. أزمات متداخلة

لم يكن الخلاف بشأن روسيا العامل الوحيد الذي أثر في اجتماع أتلانتا.

فقد أشار المشاركون، وفق التغطيات الصحفية، إلى تباينات تتعلق بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، والتوترات في بحر الصين الجنوبي، والسياسات الجمركية الأمريكية.

وتؤثر هذه الملفات في الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة. فالممرات البحرية ترتبط بتدفقات الطاقة والسلع، بينما تؤدي الرسوم التجارية إلى تغيير تكاليف الاستيراد والإنتاج والاستثمار.

كما أن التوترات العسكرية تزيد درجة عدم اليقين لدى الشركات والحكومات، خصوصاً عندما تتعلق بمناطق تمر عبرها إمدادات استراتيجية.

ويكشف تداخل هذه القضايا أن مجموعة العشرين لم تعد قادرة على مناقشة الاقتصاد بمعزل عن السياسة والأمن.

غير أن الاعتراف بهذا الترابط لا يحل المشكلة الأساسية: كيف يمكن إنتاج سياسات اقتصادية مشتركة بين دول تختلف حول أسباب الأزمات وطرق التعامل معها؟

هل فقدت مجموعة العشرين قدرتها على التوافق؟

تأسست مجموعة العشرين بوصفها إطاراً للتنسيق الاقتصادي والمالي بين الاقتصادات الكبرى. واكتسبت دوراً أكثر بروزاً بعد الأزمة المالية العالمية سنة 2008، عندما أصبحت اجتماعات القادة جزءاً أساسياً من آليات التعاون الدولي.

وقد ساعد المنتدى، في مراحل سابقة، على تنسيق بعض الاستجابات للأزمات المالية وتعزيز الحوار بين الاقتصادات المتقدمة والصاعدة.

لكن طبيعته غير الملزمة تجعل فعاليته مرتبطة بالإرادة السياسية للدول المشاركة. فهو لا يملك سلطة تنفيذية تفرض قراراته على الحكومات، بل يعتمد على التفاهمات والتعهدات المشتركة.

ولهذا فإن غياب بيان ختامي توافقي لا يعني انهيار المجموعة أو توقف التعاون الاقتصادي بين أعضائها.

لكنه يكشف تراجع القدرة على الاتفاق بشأن قضايا كانت تُعالج سابقاً من خلال صيغ دبلوماسية وسطية.

وقد تستطيع الدول مواصلة التعاون في ملفات تقنية محددة، حتى عندما تفشل في التوصل إلى موقف موحد من الحروب والنزاعات السياسية.

وتبقى المسألة الحاسمة هي ما إذا كان هذا التعاون الجزئي كافياً لمواجهة أزمات اقتصادية مترابطة، أم أن غياب التوافق السياسي سيحد من نتائجه.

الدول الصاعدة بين الخلافات الكبرى ومصالحها الاقتصادية

لا تقتصر مجموعة العشرين على الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي. فهي تضم أيضاً اقتصادات صاعدة تسعى إلى تعزيز تمثيلها في إدارة النظام الاقتصادي الدولي.

وتختلف أولويات هذه الدول بحسب مستويات التنمية، وحاجاتها التمويلية، واعتمادها على التجارة الخارجية، وتأثرها بتقلبات أسعار الطاقة والغذاء.

وبالنسبة إلى العديد من الاقتصادات النامية، لا تمثل الخلافات الجيوسياسية قضية منفصلة عن الحياة الاقتصادية اليومية. فارتفاع تكاليف النقل والتمويل والواردات قد ينعكس على الميزانيات العمومية والأسعار وفرص العمل.

ومن ثم، فإن استمرار الانقسام بين القوى الكبرى قد يضعف قدرة المنتدى على معالجة ملفات الديون والتنمية والاستثمار والأمن الغذائي.

كما يطرح تساؤلات بشأن موقع الدول الإفريقية في هذه الترتيبات، خاصة بعد انضمام الاتحاد الإفريقي إلى مجموعة العشرين بصفته عضواً دائماً سنة 2023.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل الخلاف بشأن عدم دعوة جنوب إفريقيا إلى اجتماع أتلانتا، رغم عضويتها في المجموعة، وفق ما أوردته أسوشيتد برس.

فإذا أصبحت المشاركة في الاجتماعات خاضعة بدرجة أكبر للخلافات الثنائية، فقد تتراجع قدرة المنتدى على أداء دوره باعتباره مساحة واسعة للتمثيل الاقتصادي.

من البيان المشترك إلى بيان الرئاسة

تكتسب طبيعة الوثيقة الختامية أهمية خاصة في الاجتماعات متعددة الأطراف.

فالبيان المشترك يعبر، من حيث المبدأ، عن صيغة توافقية قبلتها الدول المشاركة. أما بيان الرئاسة فيعكس تلخيص الدولة المضيفة للمناقشات، ولا يعني بالضرورة موافقة جميع الأعضاء على كل ما يتضمنه.

وبحسب المعلومات المتاحة صباح السبت، يتوقع أن تنتهي اجتماعات أتلانتا دون بيان مشترك حول القضايا الأمنية الرئيسية، وأن تقدم الولايات المتحدة ملخصاً باسم الرئاسة.

ولا ينبغي التعامل مع هذا الاحتمال باعتباره نتيجة نهائية قبل صدور الوثيقة الرسمية.

ومع ذلك، فإن مجرد توقع هذا المسار يعكس محدودية فرص الوصول إلى توافق دبلوماسي شامل.

ويكشف أيضاً عن انتقال بعض الاجتماعات الدولية من محاولة إنتاج موقف موحد إلى الاكتفاء بتسجيل المواقف المختلفة وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة.

قمة ديسمبر أمام اختبار الفعالية

من المقرر أن تستضيف الولايات المتحدة قمة قادة مجموعة العشرين في ديسمبر 2026، وهو ما يمنح اجتماعات أتلانتا أهمية تحضيرية.

فنجاح القمة المقبلة لن يقاس فقط بحضور القادة أو إصدار بيان ختامي، بل بمدى التوصل إلى تفاهمات عملية بشأن التجارة والاستقرار المالي والطاقة وسلاسل الإمداد.

وقد تؤدي الخلافات الحالية إلى تقليص سقف التوقعات، أو إلى التركيز على الملفات التي تسمح بتوافق محدود.

لكن استمرار الحوار يظل أفضل من غياب القنوات الدبلوماسية، خصوصاً بين قوى تملك تأثيراً واسعاً في الاقتصاد والأمن الدوليين.

ولا ينبغي، في المقابل، الخلط بين استمرار الاجتماعات وتحقيق نتائج ملموسة. فالدبلوماسية قد تنجح في إدارة الخلاف دون أن تتمكن من معالجته.

مجموعة العشرين بين إدارة الانقسام وصناعة الحلول

تكشف أزمة الصورة الجماعية في أتلانتا عن حالة أعمق من التوتر الدبلوماسي. فالمجموعة التي يفترض أن تجمع الاقتصادات الكبرى حول المصالح المشتركة تجد نفسها أمام صعوبة متزايدة في الفصل بين التعاون الاقتصادي والصراعات السياسية.

وتتحمل القوى الكبرى مسؤولية أساسية عن هذه الأزمة، لأنها تجمع بين التأثير الواسع في الاقتصاد العالمي والمشاركة المباشرة في النزاعات التي تعطل التوافق.

لكن استمرار الانقسام لا يلغي الحاجة إلى المجموعة. بل يجعل السؤال عن قدرتها على إنتاج نتائج عملية أكثر إلحاحاً.

فإذا تحولت اجتماعاتها إلى مناسبة لتسجيل الاعتراضات المتبادلة دون معالجة التحديات المشتركة، فإن الفجوة بين أهداف المنتدى ونتائجه ستتسع.

أما إذا استطاعت الدول الحفاظ على التعاون في المجالات الاقتصادية الضرورية، رغم خلافاتها السياسية، فقد تتمكن مجموعة العشرين من الاحتفاظ بجزء مهم من دورها.

وفي انتظار نتائج اجتماع أتلانتا وقمة ديسمبر، تبدو الصورة الجماعية الملغاة تعبيراً رمزياً عن واقع دولي تتزايد فيه الحاجة إلى التوافق، بينما تتراجع القدرة السياسية على تحقيقه.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً