f x ig yt
الإثنين، 2 نوفمبر 2026
جديد الإختيار

عجز الميزانية يتراجع بالمغرب.. لكن أين وصلت مشاريع الاستثمار العمومي؟

تقلص عجز الخزينة إلى 33.3 مليار درهم بنهاية شتنبر 2026، مقابل تنفيذ 62.3% من اعتمادات الاستثمار. أرقام تفتح النقاش حول جودة الإنفاق العمومي وقدرته على تحويل الميزانيات إلى مشاريع وخدمات وفرص شغل.

اقتصاد 📅 1 نوفمبر 2026 ⏱ 7 دقائق
مقر البرلمان المغربي بالرباط، حيث تخضع اعتمادات الميزانية ونتائج تنفيذ الاستثمار العمومي للمناقشة والرقابة البرلمانية. تصوير: Taha ahh / Wikimedia Commons – CC0.

سجلت المالية العمومية المغربية تحسناً في أحد أبرز مؤشراتها خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، بعدما تراجع عجز الخزينة إلى 33.3 مليار درهم، مقابل 50.6 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. لكن وراء هذا التحسن المحاسبي يبرز سؤال اقتصادي لا يقل أهمية: إلى أي حد نجحت الدولة في تحويل اعتمادات الاستثمار إلى إنفاق فعلي ومشاريع منتجة؟

فبحسب النشرة الشهرية للخزينة العامة للمملكة، بلغت نسبة إصدار نفقات الاستثمار 62.3 في المائة من الاعتمادات المقررة عند نهاية شتنبر. وهي نسبة تفوق المسجلة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، لكنها تكشف أيضاً أن جزءاً مهماً من الاعتمادات لم يكن قد صُرف بعد.

ولا تعني هذه النسبة أن المشاريع المتبقية فشلت أو أن الأموال ضاعت. فتنفيذ الميزانية يخضع لآجال الالتزام والإنجاز والأداء، وقد تتسارع العمليات خلال الأشهر الأخيرة من السنة. ومع ذلك، فإن الفارق بين الأموال المرصودة والنفقات المنفذة يطرح مسألة نجاعة التخطيط وسرعة إنجاز المشاريع العمومية.

العجز يتراجع.. ماذا تقول أرقام الخزينة؟

أظهرت بيانات الخزينة العامة للمملكة أن عجز الميزانية بلغ 33.3 مليار درهم عند نهاية شتنبر 2026، بانخفاض قدره 17.3 مليار درهم مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.

وجاء هذا التحسن في سياق ارتفاع المداخيل العادية إلى نحو 337 مليار درهم، مقابل 310.7 مليارات درهم قبل سنة، أي بزيادة بلغت 8.5 في المائة.

وساهمت المداخيل الضريبية في هذا التطور، إذ ارتفعت حصيلة الضرائب المباشرة بنسبة 13.8 في المائة، والرسوم الجمركية بنسبة 10.9 في المائة، والضرائب غير المباشرة بنسبة 10.2 في المائة.

لكن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة تراجع العبء المالي على الاقتصاد أو تحسن القدرة الشرائية للأسر. فهو قد يعكس توسع النشاط الاقتصادي، أو تغير حجم المعاملات الخاضعة للضريبة، أو تحسن التحصيل، أو عوامل أخرى تحتاج إلى تحليل تفصيلي.

وفي المقابل، ارتفعت النفقات الإجمالية بنسبة 9.8 في المائة، ما يدل على أن تحسن العجز لم ينتج عن انخفاض شامل في الإنفاق العمومي، وإنما عن تطور الإيرادات وبعض الأرصدة المالية بوتيرة ساعدت على تقليص الفجوة بين الموارد والنفقات.

الاستثمار العمومي.. 62.3% من الاعتمادات صُرفت حتى شتنبر

تُظهر بيانات الخزينة أن نفقات الاستثمار الصادرة بلغت نحو 84.8 مليار درهم، مقابل اعتمادات أصلية تقارب 136.1 مليار درهم، وهو ما يعادل نسبة تنفيذ قدرها 62.3 في المائة.

وسجلت النسبة تحسناً مقارنة بمستواها البالغ 60.9 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

لكن القراءة الاقتصادية لهذا المؤشر تقتضي الحذر. فالمبالغ التي لم تصدر بشأنها نفقات حتى شتنبر ليست بالضرورة مشاريع متوقفة، كما أن تسجيل النفقة لا يثبت وحده اكتمال المشروع أو دخوله مرحلة الاستغلال.

ويتعين التمييز بين ثلاثة مستويات: رصد الاعتماد في الميزانية، والالتزام القانوني بالنفقة، ثم إصدار النفقة وأداؤها وفق المساطر المحاسبية.

أما الحكم على الأثر التنموي، فيتطلب مستوى رابعاً يتعلق بالإنجاز المادي للمشروع وجودة الخدمات التي يوفرها بعد تشغيله.

ومن ثم، فإن نسبة تنفيذ الميزانية مؤشر ضروري للمراقبة، لكنها لا تكفي وحدها لقياس نجاح الاستثمار العمومي.

لماذا تتفاوت نسب التنفيذ بين القطاعات؟

لا تتقدم مشاريع الاستثمار بالوتيرة نفسها داخل مختلف الإدارات والمؤسسات العمومية.

فبعض المشاريع يرتبط باقتناء تجهيزات أو تنفيذ أشغال محدودة نسبياً، بينما تتطلب مشاريع أخرى دراسات تقنية وعقارية وبيئية، وصفقات متعددة، وتنسيقاً بين إدارات وجماعات ترابية ومقاولات.

وقد تؤدي صعوبات تعبئة العقار، أو التأخر في الدراسات، أو المنازعات المرتبطة بالصفقات، أو ضعف القدرات التقنية والإدارية، إلى إبطاء وتيرة الإنجاز.

لكن وجود هذه العوامل المحتملة لا يبرر تلقائياً كل تأخير. فالمطلوب هو تحديد الأسباب الفعلية قطاعاً بقطاع، بدلاً من الاكتفاء بتفسيرات عامة تتكرر مع كل سنة مالية.

وتبرز هنا أهمية نشر بيانات مفصلة تسمح بمقارنة الاعتمادات المخصصة لكل قطاع مع النفقات المنفذة والمشاريع التي دخلت الخدمة.

فقد يسجل قطاع معين نسبة إنفاق مرتفعة دون أن تنعكس سريعاً على جودة الخدمات، بينما يحقق قطاع آخر إنجازاً مادياً مهماً لم تُستكمل بعد تسويته المحاسبية.

هل تحسن العجز المالي يعني تحسن الخدمات؟

يمثل تقليص عجز الميزانية مؤشراً إيجابياً من زاوية ضبط المالية العمومية والحد من الحاجة إلى التمويل.

لكن المواطن لا يقيس نجاح السياسة المالية بالعجز وحده. فهو ينتظر مدارس ومستشفيات وطرقات وخدمات نقل وتجهيزات محلية تعمل بكفاءة.

وهنا تظهر المسافة بين المؤشر المحاسبي والنتيجة الاجتماعية.

فإذا تحسنت إيرادات الدولة دون أن تتحسن جودة الخدمات، فإن المكسب المالي يظل محدود الأثر في الحياة اليومية. وإذا ارتفع الإنفاق الاستثماري دون أن يؤدي إلى مشاريع مكتملة ومفيدة، فإن المشكلة لا تتعلق بحجم الميزانية وحده، بل بطريقة تنفيذها.

ولهذا، ينبغي أن يترافق النقاش حول عجز الخزينة مع تقييم جودة الإنفاق، ومدى استجابة المشاريع للحاجيات الفعلية، وتكاليف تشغيلها وصيانتها بعد الإنجاز.

اختلاف الأرقام بين الخزينة ووزارة المالية.. هل هناك تناقض؟

تظهر في التقارير الرسمية المتعلقة بالفترة نفسها أرقام مختلفة نسبياً.

فبينما تسجل الخزينة العامة عجزاً قدره 33.3 مليار درهم، تشير وضعية تحملات وموارد الخزينة التي تعدها وزارة الاقتصاد والمالية إلى عجز يقارب 33.1 مليار درهم عند نهاية شتنبر.

كما تبلغ نسبة تنفيذ الاستثمار وفق البيانات الوزارية 72.1 في المائة، مقابل 62.3 في المائة وفق نشرة الخزينة العامة.

ولا ينبغي اعتبار هذا الاختلاف دليلاً تلقائياً على وجود خطأ أو تناقض في الحسابات. فالوثيقتان تستخدمان منهجيات ونطاقات محاسبية مختلفة.

وتعتمد نشرة الخزينة العامة أساساً على العمليات المحاسبية المسجلة، بينما تتناول وضعية وزارة المالية التدفقات الاقتصادية وفق إطار إحصائي أوسع.

ولذلك، فإن المقارنة الصحيحة تتطلب تحديد الوثيقة والمنهجية والفترة المرجعية، وعدم جمع مؤشرات مأخوذة من نظامين مختلفين كما لو كانت تنتمي إلى الجدول نفسه.

وتكتسب هذه الدقة أهمية خاصة في التغطية الصحفية، لأن اختلاف التعاريف قد يؤدي إلى استنتاجات مضللة بشأن مستوى الإنفاق أو العجز.

مشروع مالية 2027.. هل تعالج الحكومة اختلالات التنفيذ؟

يتزامن نشر هذه النتائج مع مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي قدمته الحكومة أمام البرلمان مرفقاً بتقارير حول المؤسسات والمقاولات العمومية، والدين، والاستثمار، والتوزيع الجهوي للاعتمادات.

ويفتح هذا التزامن فرصة لتقييم السياسة الاستثمارية على أساس ما تحقق فعلياً خلال السنة الجارية، وليس فقط الاعتمادات الجديدة التي تقترح الحكومة رصدها.

فزيادة ميزانية قطاع معين قد تكون ضرورية لمواجهة الخصاص، لكنها لا تعالج وحدها أسباب التأخر في تنفيذ المشاريع السابقة.

وإذا كانت الحكومة تسعى إلى تسريع النمو وتحسين الخدمات وتقليص الفوارق المجالية، فإن نجاح هذه الأهداف يتطلب معالجة الاختلالات الإدارية والتقنية التي تعرقل تنفيذ الاستثمارات.

كما يستدعي ذلك تطوير آليات متابعة تسمح للبرلمان والرأي العام بمعرفة ما تحقق من المشاريع، وما تأخر، وما كلفته النهائية، والأسباب التي أدت إلى تعديل آجاله أو ميزانيته.

البرلمان أمام اختبار الرقابة على النتائج

لا تقتصر وظيفة البرلمان في مناقشة مشروع قانون المالية على المصادقة على الاعتمادات وتوزيعها بين القطاعات.

فالرقابة الفعالة تقتضي مساءلة الحكومة عن نتائج الإنفاق السابق، ومقارنة الأهداف المعلنة بالمشاريع المنجزة والخدمات التي دخلت حيز التشغيل.

ومن الأسئلة التي تستحق طرحها: ما المشاريع التي تأخر إنجازها رغم توفر الاعتمادات؟ وما نسبة النفقات التي تحولت إلى تجهيزات فعلية؟ وهل تتوزع الاستثمارات بصورة عادلة بين الجهات؟ وما أثرها على التشغيل المحلي؟

كما ينبغي التمييز بين المشاريع الكبرى التي تتطلب سنوات لإنجازها وبين الاستثمارات الاجتماعية ذات الأثر المباشر على المواطنين.

فالمساءلة المبنية على النتائج تسمح بتجاوز النقاش التقليدي حول حجم الميزانيات، نحو تقييم مردودية المال العام.

من ضبط العجز إلى نجاعة الاستثمار

تؤكد بيانات شتنبر 2026 أن المالية العمومية المغربية سجلت تحسناً في مستوى العجز، بالتوازي مع ارتفاع نفقات الاستثمار مقارنة بالسنة الماضية.

لكن هذه المؤشرات لا تقدم بمفردها جواباً كاملاً عن كفاءة الإنفاق العمومي.

فالتحدي لا يكمن في صرف جميع الاعتمادات بأي ثمن، بل في ضمان توجيهها إلى مشاريع ضرورية، وإنجازها في آجال معقولة، ومراقبة تكلفتها وجودتها، وقياس أثرها الاقتصادي والاجتماعي.

وبقدر ما يشكل تقليص العجز هدفاً مشروعاً للحفاظ على التوازنات المالية، فإن تحسين الخدمات العمومية وخلق فرص الشغل وتقليص الفوارق المجالية يمثل الاختبار الأهم لسياسة الاستثمار.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق مناقشة مالية 2027 ليس فقط كم ستنفق الدولة، وإنما ماذا أنجزت بما أنفقته، وماذا سيتغير فعلياً في حياة المواطنين خلال السنة المقبلة.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً