f x ig yt
الإثنين، 2 نوفمبر 2026
جديد الإختيار

الصحراء المغربية بعد الفيتو.. ما مصير المينورسو؟

إخفاق مجلس الأمن في اعتماد المشروعين الأمريكي والروسي يترك البعثة الأممية دون تجديد لتفويضها، ويفتح مواجهة دبلوماسية بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير ومستقبل الوساطة الدولية.

المغرب الآن 📅 1 نوفمبر 2026 ⏱ 7 دقائق
قاعة مجلس الأمن الدولي في نيويورك. وأدى إخفاق المجلس في اعتماد مشروعين متنافسين بشأن الصحراء، يوم 30 أكتوبر 2026، إلى عدم تجديد تفويض بعثة المينورسو، وسط خلاف دولي بشأن مستقبل التسوية السياسية. صورة أرشيفية: Jdforrester / Wikimedia Commons – CC BY 4.0.

دخل ملف الصحراء مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والقانوني، بعدما أخفق مجلس الأمن الدولي، في 30 أكتوبر 2026، في اعتماد مشروعين متنافسين بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء، المعروفة باسم «المينورسو». فقد استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع أمريكي كان يقترح إعادة صياغة مهمة البعثة، فيما فشل مشروع روسي بديل في الحصول على الأصوات اللازمة لاعتماده.

ولم يكن الخلاف مجرد مواجهة إجرائية حول تجديد مهمة أممية. فقد عكس تباعداً بين تصور أمريكي يدفع نحو جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساساً حصرياً للمفاوضات، وموقف روسي يرفض أن يحسم مجلس الأمن مسبقاً شكل التسوية النهائية.

وبين الترحيب المغربي بنتيجة التصويت، والاعتراض الجزائري وموقف جبهة البوليساريو، يبرز سؤال أساسي: هل يمثل تعثر المجلس نهاية مرحلة في تدبير النزاع، أم بداية مسار أكثر تعقيداً قد تتراجع فيه أدوات المراقبة الأممية دون أن تتوافر تسوية سياسية متفق عليها؟

ماذا حدث داخل مجلس الأمن؟

عرضت الولايات المتحدة مشروع القرار S/2026/868، الذي كان يقترح تمديد الوجود الأممي عاماً إضافياً، مع تعديل اسم البعثة وطبيعة مهامها، بما يعكس الانتقال من التحضير لاستفتاء لم يُنظم إلى مواكبة عملية سياسية تستند إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي.

وحصل المشروع على تأييد 11 عضواً، لكن روسيا عارضته باستخدام حق النقض، فيما امتنعت الصين وباكستان والصومال عن التصويت. وبذلك سقط المشروع رغم حصوله على أكثر من الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماد قرارات المجلس.

في المقابل، تقدمت روسيا بمشروع القرار S/2026/870، الذي كان يهدف إلى تمديد ولاية المينورسو عاماً آخر دون تبني التغييرات الجوهرية التي اقترحتها واشنطن. غير أن المشروع لم يحصل على الأغلبية المطلوبة، إذ أيده ثلاثة أعضاء فقط، وعارضته الولايات المتحدة، وامتنع 11 عضواً.

وهكذا انتهت الجلسة دون اعتماد أي من المشروعين، بينما كان التفويض القائم للبعثة ينتهي في 31 أكتوبر 2026.

لماذا استخدمت روسيا الفيتو؟

بررت موسكو اعتراضها بأن المشروع الأمريكي يتجاوز مسألة تجديد مهمة البعثة إلى تحديد الإطار السياسي للحل بصورة مسبقة.

ومن وجهة النظر الروسية، فإن جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للمفاوضات قد يقيد إمكانات التسوية، ويضعف مبدأ التفاوض بين الأطراف المعنية.

أما الولايات المتحدة فاعتبرت أن استمرار الإطار السابق لم يعد يتناسب مع واقع النزاع. واستند موقفها إلى أن الاستفتاء الذي ارتبط بتأسيس المينورسو سنة 1991 لم يُنظم، رغم مرور عقود على إنشاء البعثة.

ويكشف هذا الخلاف عن اختلاف أعمق بشأن دور مجلس الأمن: هل ينبغي له أن يحدد بصورة أكثر صراحة الحل السياسي الذي يراه قابلاً للتطبيق، أم أن يحافظ على إطار أوسع يترك مسألة الوضع النهائي للمفاوضات؟

المغرب يرى في عدم التجديد تحولاً سياسياً

رحب المغرب بعدم تجديد ولاية المينورسو، واعتبر أن النتيجة تمثل تطوراً مهماً في مسار القضية. كما دعا إلى إنهاء الوجود الميداني للبعثة، مع تأكيد التزامه بوقف إطلاق النار.

ويأتي هذا الموقف في سياق دبلوماسي شهد خلال السنوات الأخيرة تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007.

لكن عدم اعتماد قرار جديد لا يساوي، من الناحية القانونية، صدور قرار من مجلس الأمن يعترف بالسيادة المغربية على الإقليم أو ينهي النزاع بصورة نهائية.

فالتمييز ضروري بين انتهاء التفويض الزمني لعملية أممية، وبين حسم الوضع القانوني والسياسي للإقليم. والأول قد يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة، لكنه لا ينتج تلقائياً النتيجة الثانية.

ولهذا، فإن المكسب السياسي الذي يراه المغرب في نتيجة التصويت يظل بحاجة إلى ترجمة دبلوماسية ومؤسساتية، سواء من خلال مفاوضات جديدة أو صيغة أممية مختلفة.

الجزائر والبوليساريو.. رفض تغيير مرجعية التسوية

على الجانب المقابل، عارضت الجزائر وجبهة البوليساريو المشروع الأمريكي، معتبرتين أنه يضعف مبدأ تقرير المصير ويحسم مسبقاً نتائج العملية السياسية.

وقد رحبت البوليساريو بالفيتو الروسي، بينما انتقدت الجزائر ما اعتبرته انحيازاً في المقترح الأمريكي.

ويستند هذا الموقف إلى قراءة ترى أن التسوية يجب أن تبقى مرتبطة بمبدأ تقرير المصير، وأن أي حل نهائي يتطلب موافقة الأطراف المعنية.

غير أن استمرار التمسك بالمرجعيات السابقة يواجه بدوره سؤالاً عملياً: كيف يمكن استئناف عملية سياسية ظلت متعثرة لعقود، في ظل الخلاف حول شروط الاستفتاء وتباعد مواقف الأطراف؟

وهنا تظهر حدود الخطابين المتقابلين. فالدعم الدولي المتزايد للحكم الذاتي لا يلغي الحاجة إلى اتفاق سياسي، كما أن التمسك بالاستفتاء لا يقدم وحده آلية واضحة لتجاوز العقبات التي حالت دون تنظيمه.

هل انتهت المينورسو فعلاً؟

هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً بعد تصويت مجلس الأمن.

فانتهاء التفويض في 31 أكتوبر دون قرار جديد يعني غياب تجديد الصلاحية الزمنية التي كان المجلس يمنحها للبعثة. لكنه لا يعني أن أفرادها ومعداتها يغادرون تلقائياً في اللحظة نفسها، أو أن جميع الترتيبات القانونية والإدارية المرتبطة بوجودها تزول فوراً.

ويتطلب إنهاء العملية الميدانية أو سحب موظفيها ترتيبات تنظمها الأمم المتحدة بالتنسيق مع الأطراف المعنية، وفق القرارات والإجراءات التي يمكن اتخاذها لاحقاً.

كما أن عدم التجديد لا يمنع مجلس الأمن من العودة إلى الملف وإقرار صيغة جديدة، إذا توافرت الإرادة السياسية اللازمة.

ومن ثم، ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: انتهاء التفويض، وإنهاء الوجود الميداني للبعثة، وإنهاء دور الأمم المتحدة في العملية السياسية. وهذه نتائج مختلفة لا تحدث بالضرورة في الوقت نفسه.

ما الذي سيحدث لمراقبة وقف إطلاق النار؟

منذ إنشائها سنة 1991، اضطلعت المينورسو بأدوار مرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار ومتابعة الوضع الميداني، رغم تعثر الهدف الأصلي المتعلق بتنظيم الاستفتاء.

ويثير غياب تجديد تفويضها مخاوف بشأن استمرار آليات المراقبة وخفض التوتر، خصوصاً بعد تجدد الأعمال العدائية المحدودة منذ سنة 2020.

وقد حذرت منظمة أوكسفام من أن فقدان وظائف المراقبة والتهدئة قد ينعكس سلباً على الاستقرار الإقليمي وحماية المدنيين.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية لأن غياب آلية أممية للمراقبة قد يزيد صعوبة التحقق المستقل من الوقائع الميدانية، ويجعل معالجة الحوادث أكثر ارتباطاً بالروايات المتعارضة للأطراف.

لكن هذه المخاطر لا تعني أن التصعيد أصبح حتمياً. فاستمرار ضبط النفس والالتزام بتجنب المواجهة يظل مرتبطاً بقرارات الأطراف المعنية وبالجهود الدبلوماسية الدولية.

هل تخرج قضية الصحراء من مجلس الأمن؟

يرى المغرب أن عدم تجديد مهمة المينورسو يفتح المجال لمراجعة طريقة معالجة الملف داخل الأمم المتحدة. لكن من السابق لأوانه الاستنتاج بأن القضية خرجت نهائياً من اختصاص مجلس الأمن.

فالمجلس يستطيع إعادة مناقشة النزاع، كما يستطيع الأمين العام مواصلة مساعيه السياسية في إطار الصلاحيات المتاحة له.

ويعتمد مستقبل هذا المسار على مدى استعداد الدول المؤثرة، خصوصاً الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، للتوافق على صيغة تسمح باستئناف العملية السياسية.

وقد يؤدي استمرار الخلاف بينها إلى إطالة الجمود، بينما قد يتيح اتفاق لاحق إعادة تنظيم الحضور الأممي وفق مهام جديدة.

وتظل المسألة الأساسية هي ما إذا كان تغيير الإطار المؤسسي سيقرب الأطراف من التسوية، أم سيؤدي إلى تقليص أدوات إدارة النزاع دون معالجة أسبابه السياسية.

اختبار للدبلوماسية المغربية ولقدرة الأمم المتحدة

تمنح التطورات الأخيرة المغرب فرصة للدفع نحو إعادة تعريف المسار السياسي على أساس مبادرة الحكم الذاتي، مستفيداً من الدعم الذي تحظى به لدى عدد من القوى الدولية.

لكن تحويل هذا الدعم إلى تسوية نهائية يقتضي أكثر من تراكم المواقف الدبلوماسية. فهو يستدعي معالجة أسئلة المشاركة السياسية والضمانات المؤسسية والتنمية وحقوق السكان، ضمن صيغة قابلة للتنفيذ وتحظى بقبول دولي كافٍ.

وفي المقابل، تواجه الأمم المتحدة اختباراً يتعلق بقدرتها على الحفاظ على دور فعال في نزاع طويل الأمد، بعدما عجز مجلس الأمن عن الاتفاق حتى على مستقبل البعثة المكلفة بمواكبته.

أما الأطراف الأخرى، فتواجه بدورها ضرورة تقديم تصورات عملية لكيفية تجاوز الجمود، بدلاً من الاكتفاء بإعادة تأكيد المواقف السابقة.

مرحلة جديدة دون حسم نهائي

تكشف مواجهة الفيتو داخل مجلس الأمن أن قضية الصحراء لم تعد محصورة في الخلاف الإقليمي وحده، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بتوازنات القوى داخل النظام الدولي.

فالمشروع الأمريكي حاول الانتقال نحو إطار تفاوضي أكثر تحديداً، بينما سعت روسيا إلى الحفاظ على المرجعية السابقة. ولم ينجح أي منهما في فرض تصوره داخل المجلس.

والنتيجة المباشرة هي انتهاء التفويض المقرر للمينورسو دون تجديد، مع استمرار الغموض بشأن مستقبل حضورها الميداني وآليات مراقبة الوضع.

أما النتيجة السياسية الأوسع، فهي أن الملف دخل مرحلة تتطلب إعادة تحديد دور الأمم المتحدة وحدود المبادرات الدبلوماسية الممكنة.

وبين ما يعتبره المغرب تحولاً لمصلحته وما تراه الأطراف الأخرى تهديداً لمرجعية التسوية، يبقى المعيار الحاسم هو قدرة هذه التطورات على فتح طريق نحو حل سياسي مستقر، لا مجرد تغيير موازين الخطاب داخل مجلس الأمن.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً