f x ig yt
الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

حكومة المنصوري.. أين ذهبت الوعود الانتخابية؟

قبل أقل من شهرين، دخل حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بوعد إحداث مليون منصب شغل صافٍ، وتعبئة 350 مليار درهم إضافية، وتغيير مسار السياسات العمومية. لكن الخطاب الحكومي الأول أعاد ترتيب الأولويات، وأبقى بعض الالتزامات الكبرى دون الأرقام والضمانات التي رافقتها خلال الحملة الانتخابية.

آراء 📅 20 أكتوبر 2026 ⏱ 9 دقائق
صورة: أ.ف.ب

لم تحتج حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى وقت طويل حتى تجد نفسها أمام أول امتحان لمصداقيتها السياسية. فقبل أن تبدأ مرحلة التنفيذ، كشف عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، عن مسافة تستحق الفحص بين التعهدات التي قدمها حزب الأصالة والمعاصرة خلال الحملة الانتخابية وبين الالتزامات التي أعلنتها رئيسة الحكومة باسم ائتلاف يضم أربعة أحزاب. وهي مسافة لا يمكن اختزالها في الاختلاف الطبيعي بين البرنامج الحزبي والبرنامج الحكومي، لأنها تمس الأرقام والآجال التي بُني عليها الخطاب الانتخابي، وقدمت للناخبين باعتبارها تعاقداً سياسياً قابلاً للقياس والمحاسبة.

لقد خاض حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية تحت شعار «من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة»، مستنداً إلى خمسة مواثيق وعشرين التزاماً، بغلاف مالي إضافي قدره 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات. ولم يقدم الحزب هذه التعهدات باعتبارها مجرد توجهات عامة، بل ربطها بمؤشرات كمية تتعلق بالتشغيل والنمو والقدرة الشرائية والخدمات العمومية. وعندما انتقلت المنصوري من قيادة الحزب المتصدر للانتخابات إلى رئاسة الحكومة، أصبح من المشروع مساءلة العلاقة بين البرنامجين، وتحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تنازلات ائتلافية مفهومة أم تراجعاً عن تعهدات سبق التأكيد على واقعيتها.

ولا يعني هذا أن الحكومة مطالبة بنقل البرنامج الانتخابي لحزب واحد إلى الوثيقة الحكومية بحذافيره، لأن تشكيل الأغلبية يفرض التفاوض والتوافق بين شركاء يختلفون في مرجعياتهم وأولوياتهم. غير أن هذا التفسير لا يعفي الأحزاب من مسؤولية توضيح ما احتفظت به من التزاماتها وما عدلته أو أجلته، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوعود رقمية استخدمت لإقناع الناخبين بإمكانية تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

مليون منصب شغل.. من الالتزام العددي إلى الهدف العام

يشكل التشغيل أحد أبرز المجالات التي تظهر فيها الفجوة بين الخطابين الانتخابي والحكومي. فقد تعهد حزب الأصالة والمعاصرة بإحداث مليون منصب شغل صافٍ على الأقل خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، بمعدل 200 ألف منصب سنوياً، مع خفض معدل البطالة إلى 7 في المائة بنهاية الولاية.

ولم يكن الرقم معزولاً عن تصور اقتصادي، إذ وزع الحزب المناصب المستهدفة على قطاعات محددة، شملت الصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة والأنشطة المرتبطة بكأس العالم 2030 والفلاحة واقتصاد الرياضة. وبصرف النظر عن مدى واقعية هذه التقديرات، فإنها وفرت للناخب معياراً واضحاً يمكن العودة إليه عند تقييم الحصيلة.

أما البرنامج الحكومي، فقد أعاد التأكيد على أهمية التشغيل وإدماج الشباب وتحفيز الاستثمار، لكنه لم يمنح التعهد بمليون منصب شغل صافٍ الحضور العددي نفسه في العرض الذي قدمته رئيسة الحكومة أمام البرلمان.

وهذا الاختلاف ليس تفصيلاً لغوياً، لأن الحديث عن دعم التشغيل يختلف سياسياً عن الالتزام بإحداث عدد محدد من فرص العمل الصافية. فالأول يحدد توجهاً عاماً، بينما يسمح الثاني بمساءلة الحكومة عن الفارق بين ما وعدت به وما أنجزته.

وقد يكون لدى الحكومة تفسير لهذا التحول، مرتبط بتعديل الفرضيات الاقتصادية أو بالتوافقات التي أفرزتها المشاورات بين أحزاب الأغلبية. لكن غياب توضيح مباشر يترك سؤالاً مفتوحاً بشأن مصير أحد أكثر التعهدات الانتخابية طموحاً.

ولا ينبغي الخلط هنا بين مناصب الشغل المحدثة إجمالاً وصافي فرص العمل، لأن المؤشر الثاني يأخذ في الاعتبار الوظائف التي فُقدت خلال الفترة نفسها. ومن ثم، فإن استعادة الالتزام الانتخابي تتطلب تحديد هذا المؤشر بصورة دقيقة، ونشر أهداف سنوية تسمح بتتبع النتائج.

350 مليار درهم.. أين اختفت الخريطة المالية؟

قدم حزب الأصالة والمعاصرة برنامجه الانتخابي على أساس تعبئة 350 مليار درهم إضافية خلال خمس سنوات، موزعة على محاور القدرة الشرائية وإدماج الشباب والخدمات الاجتماعية والأمن الاستراتيجي.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية لأنها كانت جزءاً من الحجة التي استخدمها الحزب لإثبات أن وعوده ليست مجرد إعلان نوايا. فقد ربط الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية بغلاف مالي محدد، مع تقديم تصور لمصادر تعبئته.

لكن العرض الحكومي الأول ركز على الأهداف الكبرى، ومنها تحقيق متوسط نمو اقتصادي بنسبة 5 في المائة وضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة، دون أن يقدم بالوضوح نفسه جدولاً مقابلاً يبين مصير الغلاف المالي الانتخابي وكيفية إدماجه ضمن التزامات الائتلاف الحكومي.

ومن الضروري هنا التمييز بين غياب الرقم من الخطاب الشفهي وبين التخلي عنه بصورة نهائية. فالبرنامج الحكومي قد يتضمن تفصيلات إضافية، كما أن مشاريع قوانين المالية ستحدد الاعتمادات الفعلية. غير أن عدم إبراز الخريطة المالية التي شكلت أحد أعمدة الحملة الانتخابية يظل مؤشراً يستدعي التفسير.

فإذا كانت الحكومة تعتزم الحفاظ على الالتزامات نفسها، فمن حق المواطنين معرفة مصادر تمويلها وآجال تنفيذها. أما إذا جرى تعديلها، فإن الوضوح السياسي يقتضي إعلان ذلك وشرح أسبابه، بدلاً من ترك الأرقام الانتخابية تتوارى خلف أهداف اقتصادية عامة.

مضاعفة الدعم الاجتماعي.. الوعد قائم لكن الزمن يغير قيمته

من بين الالتزامات التي احتفظت بمكانة واضحة في البرنامج الحكومي التعهد برفع الدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً من 500 إلى 1000 درهم شهرياً للأسر المستحقة بحلول نهاية الولاية.

ولا يمكن اعتبار استمرار هذا الوعد تراجعاً انتخابياً، لأن الحكومة أعادت التأكيد عليه. لكن السؤال النقدي يتعلق بجدول التنفيذ وبالقيمة الحقيقية للمبلغ عند الوصول إلى سنة 2031.

فالأسرة التي تواجه اليوم ارتفاع تكاليف المعيشة لا تقيس فعالية الدعم بما ستتلقاه بعد خمس سنوات فقط، وإنما بما يمكن أن يخفف نفقاتها خلال السنوات الفاصلة. كما أن أي زيادة اسمية قد تتأثر بتطور الأسعار، وهو ما يجعل أثرها الفعلي مرتبطاً بمعدل التضخم وبالتغيرات التي ستطرأ على الدخل وتكاليف الخدمات.

ولهذا، فإن الوعد بمضاعفة الدعم يحتاج إلى جدول سنوي واضح، يحدد قيمة الزيادة وعدد المستفيدين والموارد المرصودة، مع بيان المعايير التي ستعتمدها الحكومة لتحديد الأسر المستحقة.

ولا يكفي القول إن الإجراء سيطبق تدريجياً، لأن التدرج قد يكون ضرورة مالية وإدارية مشروعة، لكنه يحتاج إلى تبرير قابل للمناقشة. أما ترك تفاصيله إلى مراحل لاحقة، فيضعف قدرة البرلمان والرأي العام على تقييم مدى الالتزام بالوعد الأصلي.

تغيير المسار أم إعادة تقديم السياسات القائمة؟

اعتمد الحزب المتصدر للانتخابات خطاباً يقوم على ضرورة تغيير المسار، وهو شعار يفترض وجود تقييم نقدي للسياسات السابقة وتحديد جوانب القصور التي تستدعي مراجعة في أدوات التدبير والأولويات.

غير أن البرنامج الحكومي احتفظ بعدد من الأوراش التي انطلقت خلال الولاية السابقة، خصوصاً في الحماية الاجتماعية وإصلاح الصحة والتعليم والاستثمار والبنيات التحتية.

ولا تمثل الاستمرارية في حد ذاتها دليلاً على التناقض، لأن السياسات العمومية الكبرى لا ينبغي أن تتوقف عند كل تغيير حكومي. كما أن إلغاء البرامج السابقة لمجرد إثبات الاختلاف قد يؤدي إلى هدر الموارد وتعطيل الإصلاحات.

لكن المشكلة تظهر عندما يجتمع شعار التغيير مع استمرار الأدوات نفسها دون تقديم تقييم واضح لنتائجها. فإذا كانت السياسات السابقة قد حققت أهدافها، فإن من الواجب الاعتراف بذلك وتطويرها. أما إذا كانت قد تعثرت، فينبغي تحديد أسباب التعثر وكيف ستعالجها الحكومة الجديدة.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه المنصوري ليس لماذا حافظت على بعض الأوراش السابقة، وإنما ما الذي ستفعله بصورة مختلفة لضمان نتائج أفضل. فالتغيير السياسي لا يقاس بعدد البرامج التي تحمل أسماء جديدة، بل بمدى اختلاف أثرها في حياة المواطنين.

حكومة ائتلافية.. لكن من يتحمل مسؤولية التنازلات؟

تضم الأغلبية الحكومية حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، وهي أحزاب لا تتطابق بالضرورة في اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية.

ويفترض تشكيل ائتلاف من هذا النوع إجراء مفاوضات تنتهي إلى برنامج مشترك، قد يحتفظ ببعض التزامات كل حزب ويعدل التزامات أخرى. وهذا جزء طبيعي من العمل السياسي في نظام لا يحصل فيه حزب واحد على الأغلبية المطلقة.

غير أن التوافق الحكومي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإذابة المسؤولية السياسية. فالناخبون يحتاجون إلى معرفة طبيعة الاختيارات التي دافع عنها كل حزب، ومدى انعكاسها على الوثيقة النهائية.

كما أن التباين بين المرجعيات الحزبية يطرح سؤالاً يتعلق بكيفية التوفيق بين توسيع الإنفاق الاجتماعي وتشجيع الاستثمار وضبط العجز المالي، وبين مطالب العدالة الجبائية وحماية القدرة الشرائية.

ولذلك، فإن تماسك الأغلبية لن يتحدد فقط بقدرتها على توزيع الحقائب الوزارية والحفاظ على الانضباط البرلماني، بل بمدى قدرتها على تقديم إجابات مشتركة عن هذه التوترات، وتحمل المسؤولية الجماعية عن نتائجها.

الأغلبية تشيد والمعارضة تتحفظ.. لكن الوقائع تحتاج إلى اختبار مستقل

أظهرت ردود الفعل الأولى على البرنامج الحكومي اختلافاً بين مكونات الأغلبية التي دافعت عن مضامينه، ومجموعة العدالة والتنمية التي سجلت تحفظات بشأن غياب بعض الالتزامات الانتخابية وضعف تحديد الآجال ووسائل التمويل.

ومن المشروع أن تدافع الأغلبية عن البرنامج الذي ستتحمل مسؤولية تنفيذه، كما أن من الطبيعي أن تخضعه المعارضة للنقد. لكن الموقف التحريري المستقل لا ينبغي أن يكتفي بتبني رواية أي من الطرفين.

فإذا قالت الحكومة إن برنامجها قابل للإنجاز، فإن المطلوب منها تقديم الوثائق والأرقام التي تثبت ذلك. وإذا اعتبرت المعارضة أن الوعود الانتخابية تراجعت، فعليها تحديد التعهدات المعنية ومقارنتها بالنص الحكومي، مع الاعتراف بما احتفظ به البرنامج من التزامات.

كما أن بعض الأهداف الاقتصادية التي أعلنتها المنصوري، ومنها النمو وضبط التضخم والعجز، تتطابق مع مؤشرات سبق أن تضمنها البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة. وهذا يعني أن الحديث عن تراجع شامل عن جميع الوعود سيكون حكماً غير دقيق.

المشكلة الحقيقية تكمن في الانتقال الانتقائي لبعض الأرقام إلى البرنامج الحكومي، مقابل تراجع حضور أرقام أخرى، دون تفسير كافٍ لطبيعة هذا الاختيار وأسبابه.

أول اختبار سياسي يبدأ قبل أول قرار تنفيذي

تكشف المقارنة بين البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة والعرض الحكومي الأول عن مؤشرات تعثر في التواصل السياسي وتحديد الالتزامات، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على قدرة الحكومة على تنفيذ سياساتها.

فالتعثر هنا يتعلق، أساساً، بمدى وضوح العلاقة بين الوعود التي قدمت للناخبين والبرنامج الذي أصبح ملزماً للأغلبية. أما تقييم الأداء التنفيذي فيحتاج إلى وقت وإلى معطيات بشأن القرارات والميزانيات والنتائج.

وسيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027 أول اختبار عملي لهذه العلاقة، لأنه سيكشف الاعتمادات التي ستخصص للأولويات الاجتماعية والاقتصادية، ومدى استعداد الحكومة لترجمة التزاماتها إلى إجراءات ممولة.

كما أن نشر أهداف سنوية للتشغيل والدعم والمعاشات والخدمات العمومية سيسمح بتقليص الفجوة بين الخطاب السياسي والمحاسبة المؤسساتية.

وإذا كانت رئيسة الحكومة قد ربطت مسؤولية حكومتها بالنتائج المحققة في الحياة اليومية للمواطنين، فإن هذا المعيار ينبغي أن يطبق منذ البداية، عبر إعلان مؤشرات واضحة لا تتغير بتغير السياقات السياسية.

مصداقية الحكومة تبدأ من مصارحة الناخبين

لا تكمن المشكلة في أن البرنامج الحكومي اختلف عن البرنامج الانتخابي للحزب الذي يقود الأغلبية، لأن الاختلاف قد يكون نتيجة طبيعية للتفاوض بين الشركاء ولتغير المعطيات الاقتصادية. لكن المصداقية السياسية تتطلب الاعتراف بهذه الاختلافات وشرحها، خصوصاً عندما تتعلق بتعهدات كمية قدمت للناخبين باعتبارها قابلة للإنجاز.

لقد انتقل حزب الأصالة والمعاصرة من موقع المطالبة بتغيير المسار إلى موقع قيادة السلطة التنفيذية، وهو انتقال يفرض عليه مسؤولية مضاعفة في تفسير العلاقة بين ما وعد به وما تعتزم الحكومة إنجازه.

أما شركاؤه في الأغلبية، فلا يمكنهم الاكتفاء باعتبار البرنامج حصيلة توافق سياسي، لأنهم أصبحوا مسؤولين بدورهم عن الدفاع عن اختياراته وتبرير كلفتها ونتائجها.

وبالنسبة إلى المواطنين، فإن المعيار لن يكون قدرة الحكومة على صياغة خطاب أكثر طموحاً من سابقيه، بل مدى استعدادها للالتزام بأرقام قابلة للمحاسبة، والاعتراف بالإكراهات، وتقديم نتائج ملموسة في التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية.

ومن هنا، تبدو بداية حكومة المنصوري متعثرة على مستوى المصداقية السياسية قبل أن تكون متعثرة على مستوى الإنجاز. فقد رفعت الانتخابات سقف الانتظارات، بينما أعاد البرنامج الحكومي ترتيب بعض التعهدات دون أن يفسر بصورة كافية مصيرها.

وإذا لم تبادر الأغلبية إلى سد هذه الفجوة بالوضوح والوثائق والالتزامات القابلة للقياس، فقد يتحول التباعد بين الخطاب الانتخابي والممارسة الحكومية إلى أحد أبرز مصادر الضغط السياسي عليها خلال السنوات المقبلة.

فالمشكلة ليست في أن تتغير الوعود عندما تصل الأحزاب إلى الحكم، وإنما في أن يتغير مضمونها دون أن يعرف الناخب لماذا تغير، ومن اتخذ القرار، وكيف سيحاسب المسؤولين عنه.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً