f x ig yt
الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

مطالب المغاربة لا تنتظر 2031.. حكومة المنصوري أمام امتحان الاستجابة العاجلة

لبرنامج الحكومي يَعِد بالنمو وتحسين الخدمات خلال خمس سنوات، لكن الغلاء والبطالة وأزمات الصحة والتعليم تفرض إجراءات تبدأ الآن، لا عند نهاية الولاية.

آراء 📅 20 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الجكومة خلال اجتماع رسمي(صورة ارشيفية)

لم يكن تقديم فاطمة الزهراء المنصوري برنامج حكومتها أمام البرلمان، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، مجرد محطة دستورية لعرض أولويات الولاية الجديدة. فقد وضع الحكومة أمام سؤال سياسي واجتماعي مباشر: ما الذي سيتغير في حياة المغاربة خلال الأشهر المقبلة، وما الذي سيُطلب منهم انتظار تحقيقه حتى سنة 2031؟

يتضمن البرنامج الحكومي أهدافاً اقتصادية واجتماعية تمتد إلى نهاية الولاية، من بينها رفع النمو وتحسين القدرة الشرائية وتطوير الخدمات العمومية. غير أن امتداد البرنامج لخمس سنوات لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتأجيل الاستجابة للمطالب المستعجلة. فالأسر التي تواجه صعوبة في تغطية نفقاتها، والشباب الباحثون عن العمل، والمرضى المنتظرون للعلاج، لا يستطيعون تعليق حاجياتهم اليومية إلى حين اكتمال المؤشرات الاقتصادية.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين. فمن الطبيعي أن تتطلب الإصلاحات الكبرى سنوات من الاستثمار والتنفيذ، لكن ذلك لا يعفي الحكومة من اتخاذ تدابير عاجلة تخفف الضغوط القائمة. كما لا يعفيها من إعلان جدول زمني واضح، يسمح للمواطنين بمعرفة ما ستنجزه خلال الأشهر الأولى وما ستؤجله إلى مراحل لاحقة.

القدرة الشرائية.. لا يكفي الوعد بتراجع التضخم

تضع الحكومة حماية القدرة الشرائية ضمن أولوياتها، مع استهداف معدل تضخم في حدود اثنين في المائة. غير أن انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. فقد تتباطأ وتيرة الارتفاع، بينما تظل المواد الأساسية والسكن والخدمات مكلفة بالنسبة إلى دخل الأسر.

وهذا الفرق ليس تفصيلاً اقتصادياً. فالمواطن لا يتعامل مع معدل التضخم باعتباره رقماً مجرداً، بل يواجه الأسعار الفعلية عند شراء الغذاء وأداء فواتير الماء والكهرباء والنقل.

لذلك، فإن المطلوب ليس انتظار تحسن المؤشرات العامة وحده. ينبغي أن تبدأ الحكومة بمراجعة فعالية المراقبة داخل الأسواق، والتصدي للممارسات المخلة بالمنافسة، وتقييم أثر برامج الدعم على الأسر المستهدفة.

كما ينبغي أن تقدم إجراءات محددة لحماية الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل. فهذه الفئات تتحمل ضغوطاً متزايدة، وقد لا تستفيد بالقدر نفسه من جميع آليات الدعم الاجتماعي.

أما الاكتفاء بإعلان أهداف بعيدة المدى، دون توضيح التدابير الفورية، فقد يوسع الفجوة بين الخطاب الحكومي والتجربة اليومية للمواطنين.

التشغيل.. الشباب لا يستطيع انتظار نهاية الولاية

يمثل تشغيل الشباب أحد أكثر الملفات حساسية، لأنه يرتبط بالدخل والاستقلال الاقتصادي والثقة في المؤسسات. ولا يمكن معالجة هذا التحدي بالاكتفاء بإعلان أهداف للنمو أو الاستثمار.

فقد يحقق الاقتصاد نمواً دون أن يخلق العدد الكافي من فرص العمل المستقرة. كما قد تستفيد قطاعات محددة من الاستثمار، بينما يظل أثرها محدوداً على الشباب في الجهات الأقل جذباً للمشاريع.

وتحتاج الحكومة إلى برنامج استعجالي يحدد القطاعات القادرة على خلق وظائف في الأجل القريب. كما ينبغي مراجعة فعالية برامج الإدماج المهني والتكوين، وربط الحوافز العمومية بنتائج التشغيل الفعلية.

ولا يعني ذلك تجاهل الإصلاحات البنيوية لسوق العمل. لكن الشاب الذي أنهى دراسته ويبحث عن فرصة لا يحتاج فقط إلى تصور اقتصادي لسنة 2031. إنه يحتاج إلى معرفة ما ستفعله المؤسسات المعنية خلال السنة المقبلة.

وسيكون من الضروري نشر مؤشرات دورية بشأن فرص العمل المحدثة، ونوعيتها، ومدى استمراريتها. فعدد المستفيدين من برنامج تكوين لا يكفي للحكم على نجاحه إذا لم يتبعه إدماج مهني فعلي.

الصحة.. حق العلاج لا يقبل التأجيل الإداري

عرف قطاع الصحة إصلاحات قانونية وتنظيمية واسعة، شملت إعادة هيكلة المنظومة وتطوير المؤسسات الصحية. غير أن قيمة هذه التحولات تتحدد بما يلمسه المرضى داخل المستشفيات والمراكز الصحية.

فالمواطن الذي ينتظر موعداً متخصصاً، أو يضطر إلى قطع مسافات طويلة للحصول على العلاج، لا يمكن مطالبته بانتظار اكتمال الإصلاح المؤسساتي قبل تحسين الخدمات الأساسية.

وتملك الحكومة مجالاً لاتخاذ إجراءات قريبة الأجل، تشمل معالجة اختلالات المواعيد وتوفير الأدوية الأساسية وتحسين توزيع الأطر المتاحة. كما يمكنها نشر معطيات دقيقة عن النقص في التخصصات والتجهيزات.

ولا ينبغي تقديم هذه التدابير باعتبارها بديلاً عن بناء المستشفيات وتكوين الأطباء. لكنها تمثل استجابة ضرورية إلى حين ظهور نتائج الاستثمارات طويلة المدى.

ويحتاج البرلمان إلى مساءلة الحكومة عن آجال التنفيذ، وليس فقط عن حجم الميزانيات المخصصة. فارتفاع الإنفاق الصحي لا يكفي إذا استمرت صعوبات الولوج إلى العلاج.

التعليم.. لا يجوز أن تضيع سنوات أخرى من عمر التلاميذ

تحتاج إصلاحات التعليم إلى وقت حتى تظهر نتائجها بصورة كاملة. لكن هذا الواقع لا يبرر تأجيل معالجة ضعف التعلمات أو الهدر المدرسي.

فالتلميذ الذي يعجز اليوم عن اكتساب مهارات القراءة والحساب الأساسية قد يواجه صعوبات متراكمة خلال السنوات المقبلة. وكل تأخير في الدعم التربوي يزيد احتمال اتساع الفجوة بينه وبين زملائه.

ولهذا، ينبغي أن تمنح الحكومة أولوية عاجلة لتشخيص التعثر الدراسي وتوفير الدعم داخل المؤسسات. كما يتعين معالجة مشكلات النقل والإطعام والإيواء التي تعرقل استمرار التلاميذ في الدراسة.

أما إصلاح المناهج وتكوين المدرسين وتطوير البنيات، فيمكن أن يستمر ضمن برنامج متعدد السنوات. لكن ذلك يجب أن يترافق مع إجراءات تحمي التلاميذ الحاليين من تحمل كلفة الانتظار.

ولا يمكن تقييم النجاح بعدد المؤسسات المنخرطة في برامج الإصلاح وحده. فالمعيار الأهم هو التحسن الفعلي في التعلمات وتقليص الانقطاع الدراسي.

السكن.. أزمة يومية لا تعالجها الوعود العامة

يمثل السكن عبئاً مالياً متزايداً على كثير من الأسر، خصوصاً داخل المدن التي تعرف ضغطاً عقارياً وارتفاعاً في تكاليف الكراء والاقتناء.

وتحتاج معالجة الأزمة إلى سياسة طويلة المدى تتعلق بتوفير الأراضي والتخطيط العمراني وتطوير النقل والخدمات. غير أن هذا المسار لا يمنع اتخاذ إجراءات أقرب أجلاً.

ومن بين القضايا التي تستحق المراجعة فعالية برامج دعم السكن، ومدى استفادة الفئات المستهدفة منها. كما ينبغي دراسة العلاقة بين الدعم العمومي وأسعار العقارات، حتى لا تتحول المساعدات إلى عامل إضافي في رفع الأسعار.

وتبرز أهمية السكن الموجه إلى الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، إلى جانب تحسين ظروف الأحياء التي تعاني ضعف التجهيزات والخدمات.

فالمطلوب ليس إعلان عدد أكبر من المشاريع فحسب، بل توضيح مواقعها وتكاليفها والفئات التي ستستفيد منها ومواعيد إنجازها.

سنة 2031.. أفق للتقييم لا موعد لبدء الاستجابة

لا تكمن المشكلة في اعتماد برنامج حكومي يمتد إلى سنة 2031. فالسياسات العمومية تحتاج إلى رؤية متوسطة المدى، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة والبنيات الأساسية.

لكن الخلل يبدأ عندما تختلط الأهداف النهائية بالإجراءات العاجلة، أو عندما تغيب المواعيد المرحلية التي تسمح بتقييم الأداء.

ولهذا، ينبغي أن تقدم الحكومة التزامات موزعة زمنياً، تبدأ بإجراءات خلال المائة يوم الأولى، ثم أهداف للسنة الأولى، تليها مراحل واضحة لبقية الولاية.

ولا ينبغي أن تتحول هذه المواعيد إلى وعود شكلية جديدة. فلكل إجراء كلفة وجهة مسؤولة ومؤشر يمكن التحقق منه.

كما أن الحكومة مطالبة بتوضيح ما تستطيع إنجازه فوراً، وما يتطلب تعديلات تشريعية أو تمويلاً إضافياً. فقول الحقيقة بشأن الإكراهات أكثر جدوى من تقديم وعود واسعة دون وسائل تنفيذ.

البرلمان أمام مسؤولية منع ترحيل المطالب

يتحمل البرلمان مسؤولية أساسية في تحويل البرنامج الحكومي إلى التزامات قابلة للمساءلة. فلا يكفي أن تناقش الفرق البرلمانية الأهداف العامة أو تتبادل المواقف السياسية بشأنها.

المطلوب هو مساءلة الحكومة عن الإجراءات التي ستتخذها خلال الأشهر المقبلة، ومصادر تمويلها، والفئات التي ستستفيد منها.

كما ينبغي أن تشمل الرقابة البرلمانية متابعة التنفيذ بعد المصادقة على البرنامج. فالحكومة قد تحصل على دعم أغلبيتها، لكن ذلك لا يمنحها إعفاءً من تقديم النتائج.

وتقع على المعارضة مسؤولية مماثلة في تقديم نقد يستند إلى الوقائع والبدائل الممكنة. فالمواطن لا يستفيد من سجال سياسي ينتهي بانتهاء الجلسة دون أثر على السياسات.

حكومة جديدة ومطالب قديمة.. أين يبدأ التغيير؟

تسلمت حكومة المنصوري مسؤولياتها في سياق تتراكم فيه مطالب اجتماعية لم تنشأ مع تعيينها. وهي مطالب ترتبط بسياسات وقرارات امتدت عبر حكومات متعاقبة.

ولا يصح تحميل الفريق الجديد وحده مسؤولية جميع الاختلالات السابقة. لكن هذه الحقيقة لا تعفيه من مسؤولية تحديد ما سيغيره، وما سيستمر فيه، وكيف سيعالج أوجه القصور.

كما أن تغيير الوزراء لا يمثل في ذاته إصلاحاً. فالمواطن لا ينتظر أسماء جديدة بقدر ما ينتظر تحسناً في الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة.

وإذا كانت الحكومة قد جعلت نتائج السياسات في حياة المواطنين معياراً لتقييم أدائها، فإن أول اختبار لهذا الالتزام يبدأ الآن، لا في نهاية الولاية.

لا شيك على بياض حتى 2031

من حق الحكومة أن تعرض رؤيتها لخمس سنوات، وأن تطلب الوقت اللازم لتنفيذ الإصلاحات الكبرى. لكن ليس من حقها أن تتعامل مع المطالب الاجتماعية العاجلة كما لو كانت قابلة للتجميد إلى سنة 2031.

فالقدرة الشرائية والتشغيل والعلاج والتعليم والسكن ليست مجرد عناوين في وثيقة حكومية. إنها حاجيات يومية تؤثر في الاستقرار الاجتماعي وفي علاقة المواطنين بالمؤسسات.

ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لحكومة المنصوري لن يكون في طموح الأهداف المعلنة، بل في قدرتها على تقديم استجابات مبكرة وملموسة. وسيكون عليها أن تشرح للمغاربة ما الذي سيتغير خلال الأشهر المقبلة، وكيف سيتغير، ومن سيتحمل مسؤولية التنفيذ.

أما سنة 2031، فينبغي أن تكون موعداً لتقييم الحصيلة النهائية، لا حجة لتأجيل الحقوق والمطالب التي لا تحتمل الانتظار.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً