f x ig yt
الجمعة، 30 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

القوانين الانتخابية بالمغرب.. مراجعة جديدة قبل انتخابات 2027

مشاورات بين وزارة الداخلية والأحزاب استعداداً لانتخابات 2027 تعيد فتح النقاش حول نزاهة الاقتراع وتمثيلية المواطنين، وسط تساؤلات بشأن قدرة التعديلات التشريعية على معالجة الاختلالات التي تتجاوز النصوص القانونية.

المشهد السياسي 📅 29 أكتوبر 2026 ⏱ 6 دقائق
مبنى البرلمان المغربي بالعاصمة الرباط. وتفتح المشاورات بشأن تعديل القوانين الانتخابية لاستحقاقات 2027 نقاشاً حول نزاهة التنافس السياسي وجودة التمثيل داخل المؤسسات المنتخبة. صورة أرشيفية: Taha ahh / Wikimedia Commons، ترخيص CC0 1.0.

دخل المغرب مرحلة جديدة من التحضير للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2027، بعد إطلاق وزارة الداخلية مشاورات مع الأحزاب السياسية بشأن مراجعة المنظومة القانونية المؤطرة لانتخاب المجالس الترابية والغرف المهنية، وما يرتبط بها من تجديد لمؤسسات التمثيل غير المباشر. وقد حددت الوزارة منتصف نونبر المقبل موعداً لتلقي المقترحات الحزبية، تمهيداً لإعداد تعديلات تعرض لاحقاً على المسطرة التشريعية.

وتكتسب هذه المشاورات أهمية تتجاوز الجانب التنظيمي، لأنها تطرح مجدداً العلاقة بين القواعد القانونية للمنافسة الانتخابية وجودة التمثيل السياسي. فالمغرب عرف خلال السنوات الماضية تعديلات متعاقبة على التشريعات الانتخابية، غير أن السؤال الذي يستمر في الحضور هو مدى قدرة هذه المراجعات على تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة وتحسين أداء المجالس المكلفة بتدبير الشأن العام.

ولا يتعلق الأمر بالحكم المسبق على نتائج مشاورات لم تنته بعد، بل بفحص طبيعة القضايا التي يفترض أن تعالجها، والتمييز بين ما تستطيع القوانين تغييره وما يتطلب إصلاحاً أوسع للممارسة الحزبية والحكامة الترابية.

مشاورات جديدة قبل استحقاقات 2027

عقدت وزارة الداخلية يومي 28 و29 أكتوبر 2026 لقاءين مع مسؤولي الأحزاب السياسية، شمل الأول الأحزاب التي تتوفر على فرق أو مجموعات برلمانية، فيما خصص الثاني لباقي التشكيلات الحزبية. ووفق المعطيات المعلنة، تناولت الاجتماعات الإعداد للإطار القانوني الذي سيؤطر الانتخابات المقبلة، مع بحث إمكانية الاستفادة من التدابير المعتمدة خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2026، ولا سيما تلك المرتبطة بتخليق الحياة الانتخابية.

ويشمل التحضير المرتقب انتخاب أعضاء المجالس الجماعية والإقليمية والجهوية والغرف المهنية وممثلي المأجورين، إلى جانب تجديد مجلس المستشارين وفق الآليات القانونية المعمول بها.

وقد طلبت الوزارة من الأحزاب تقديم مقترحاتها قبل 15 نونبر، بما يسمح بإعداد أرضية أولية للتعديلات التشريعية. غير أن مضمون هذه المقترحات لم يتحدد بعد بصورة نهائية، وهو ما يجعل من السابق لأوانه الحديث عن توافق سياسي مكتمل أو عن قواعد انتخابية جديدة جرى اعتمادها بالفعل.

وتبرز هنا أهمية نشر المقترحات ومشاريع النصوص في مراحل إعدادها، حتى لا يقتصر النقاش على الأطراف المشاركة في المشاورات، بل يمتد إلى الباحثين والهيئات المهنية والمدنية والمواطنين المعنيين مباشرة بنتائج الانتخابات.

تغيير القوانين لا يعني بالضرورة تغيير الممارسة

تقوم المراجعات الانتخابية عادة على أهداف معلنة، من بينها تحسين نزاهة الاقتراع وتطوير شروط الترشح وضبط العمليات الانتخابية. وهي أهداف يمكن أن تسهم في تعزيز الثقة متى ارتبطت بضمانات قانونية واضحة وتطبيق متكافئ.

لكن التجربة المؤسساتية تطرح سؤالاً آخر: هل يكفي تعديل شروط المنافسة إذا بقيت بعض العوامل المؤثرة في الحياة الانتخابية خارج نطاق المعالجة؟

فجودة التنافس لا تتحدد حصراً بطريقة الاقتراع أو إجراءات إيداع الترشيحات، وإنما تتأثر أيضاً بقدرة الأحزاب على إعداد برامج قابلة للتنفيذ، وشفافية اختيار المرشحين، وتكافؤ الفرص في الوصول إلى الناخبين، وطبيعة العلاقة بين المسؤول المنتخب والمواطن بعد انتهاء الحملة.

ومن هذا المنطلق، يصبح تقييم أي تعديل مرتبطاً بمدى معالجته لمشكلات محددة يمكن قياسها، لا بمجرد عدد المواد القانونية التي ستخضع للمراجعة.

تخليق الحياة الانتخابية بين الردع والضمانات

من بين القضايا المطروحة في المشاورات إمكان الاستفادة من التدابير التشريعية التي اعتمدت خلال التحضير للانتخابات التشريعية لسنة 2026، خصوصاً ما يتعلق بتخليق الممارسة الانتخابية.

وقد تضمنت تلك المراجعات مقتضيات تخص أهلية الترشح والجرائم الانتخابية واستعمال الوسائل الرقمية، في إطار توجه رسمي يرمي إلى حماية نزاهة المنافسة وتعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية.

غير أن نقل بعض هذه التدابير إلى الانتخابات الترابية يحتاج إلى تدقيق قانوني يأخذ بعين الاعتبار خصوصية المؤسسات المعنية. فالمجالس المحلية تتولى مسؤوليات مرتبطة بالتدبير اليومي والخدمات والاستثمار الترابي، وتختلف طبيعة انتخابها وصلاحياتها عن المؤسسة التشريعية.

كما يقتضي تشديد الضوابط الانتخابية المحافظة على ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة وحق الطعن. ففعالية الردع لا تنفصل عن وضوح النصوص وتناسب القيود مع الأهداف المشروعة، وعن تطبيق القواعد نفسها على جميع المتنافسين.

الأحزاب السياسية أمام اختبار المسؤولية

تمنح المشاورات الحالية للأحزاب فرصة لتقديم تصوراتها بشأن النظام الانتخابي المقبل، لكنها تضعها أيضاً أمام مسؤولية توضيح مبررات اختياراتها.

فالمقترحات المتعلقة بالترشح أو التمثيلية أو تنظيم الحملات تحتاج إلى تفسير آثارها المحتملة على التعددية السياسية وتكافؤ الفرص. كما أن النقاش حول تخليق الانتخابات ينبغي أن يشمل آليات الاختيار الداخلي للمرشحين، والشفافية المالية، ومساءلة المنتخبين داخل الأحزاب نفسها.

ولا يعني توسيع المشاركة الحزبية في إعداد القوانين بالضرورة تحقق توافق مجتمعي شامل. ولهذا تكتسب العلنية أهمية خاصة، من خلال إتاحة المذكرات الحزبية والنصوص المقترحة وتفسير أسباب قبول بعض التعديلات أو استبعادها.

فكلما اتضحت مبررات الاختيارات التشريعية، أصبح بالإمكان تقييمها على أساس أثرها المؤسسي، بدل اختزال النقاش في حسابات الربح والخسارة بين الأحزاب.

الانتخابات الترابية وسؤال العدالة المجالية

تختلف رهانات انتخابات 2027 عن الانتخابات التشريعية من حيث ارتباطها المباشر بتدبير المجالات الترابية. فالمجالس الجماعية والجهوية تضطلع بأدوار في التخطيط والتنمية والخدمات، وتتفاوت قدرتها على ممارسة هذه الاختصاصات بحسب الموارد والإمكانات المتاحة.

ولذلك فإن النقاش حول القوانين الانتخابية لا ينفصل عن سؤال التمثيل المجالي، خصوصاً في المناطق التي تواجه تحديات في البنيات التحتية والخدمات الأساسية وفرص التنمية.

وتبرز أهمية دراسة أثر القواعد الانتخابية على تمثيل مختلف المجالات والفئات، دون افتراض أن أي صيغة قانونية واحدة ستعالج تلقائياً التفاوتات القائمة.

فحتى المجلس المنتخب وفق إجراءات سليمة يحتاج إلى صلاحيات واضحة وموارد كافية وآليات للمحاسبة، حتى يتمكن من تحويل شرعيته الانتخابية إلى أداء مؤسسي يستجيب لانتظارات السكان.

مشاركة النساء والشباب.. من التمثيل العددي إلى التأثير

تشكل مشاركة النساء والشباب محوراً مهماً في أي نقاش حول تجديد المؤسسات المنتخبة. وقد تضمنت تعديلات سابقة على القوانين المنظمة للأحزاب والانتخابات إجراءات تهدف إلى تعزيز حضورهما في الحياة السياسية.

غير أن توسيع التمثيل العددي لا يحسم وحده مسألة المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار. فالأثر المؤسسي يتوقف أيضاً على مواقع المسؤولية التي يتولاها المنتخبون، وإمكانية التأثير في إعداد البرامج والميزانيات، ومدى توفر شروط المنافسة داخل الأحزاب.

ومن ثم، فإن تقييم المقترحات المقبلة يستدعي النظر إلى ما إذا كانت ستوسع فرص المشاركة السياسية بصورة مستدامة، أم ستقتصر على ترتيبات انتخابية لا تتبعها تغييرات ملموسة في الممارسة.

من يتحمل مسؤولية استعادة الثقة؟

يرتبط النقاش حول القوانين الانتخابية بسؤال الثقة في المؤسسات، لكنه لا يسمح باختزال هذه الثقة في يوم الاقتراع وحده.

فالمواطن يقيم أداء المجالس المنتخبة من خلال القرارات والخدمات والتواصل والمساءلة طوال مدة الانتداب. وقد تكون سلامة العملية الانتخابية شرطاً ضرورياً لشرعية المؤسسات، لكنها لا تغني عن تقييم حصيلتها في تدبير الشأن العام.

ولهذا ينبغي التمييز بين مسؤوليات الأطراف المختلفة. فوزارة الداخلية معنية بضمان سلامة الإعداد والتنظيم في نطاق اختصاصاتها، والأحزاب مسؤولة عن برامجها ومرشحيها وممارساتها الداخلية، بينما تتحمل المؤسسات المنتخبة مسؤولية التدبير والنتائج في حدود صلاحياتها ومواردها.

ويقتضي تعزيز الثقة أن تكون هذه المسؤوليات قابلة للتحديد والمحاسبة، حتى لا تتحول الإخفاقات إلى موضوع لتبادل الاتهامات دون تشخيص واضح لأسبابها.

إصلاح القواعد أم إصلاح شروط التنافس؟

تفتح مشاورات أكتوبر 2026 فرصة لمراجعة عدد من المقتضيات القانونية قبل استحقاقات 2027، لكن الحكم على مداها الفعلي سيظل مرتبطاً بالنصوص التي ستنبثق عنها وبكيفية تطبيقها.

وسيكون من المهم متابعة مدى وضوح قواعد الترشح، وضمانات النزاهة، وتكافؤ الفرص، وتمثيلية مختلف الفئات والمجالات، فضلاً عن قدرة التشريعات على تحقيق التوازن بين ضبط المنافسة وحماية الحقوق السياسية.

غير أن الإصلاح القانوني، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع بمفرده تعويض ضعف البرامج أو غياب المحاسبة أو محدودية الموارد المخصصة للتدبير الترابي.

وبذلك لا ينحصر السؤال في ما إذا كانت القوانين الانتخابية ستتغير، بل في طبيعة المشكلات التي تستهدفها هذه التغييرات، والأدلة التي ستسمح لاحقاً بتقييم نتائجها.

أما الاختبار الأساسي فسيبدأ عندما تتحول المقترحات الحزبية إلى نصوص قابلة للنقاش العمومي والرقابة التشريعية، ثم إلى ممارسات يمكن قياس أثرها على نزاهة التنافس وجودة التمثيل وأداء المؤسسات المنتخبة.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً