أثار فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، نقاشاً سياسياً واقتصادياً يتجاوز مشروع قانون المالية لسنة 2027، بعدما قدم تشخيصاً نقدياً للسياسات الاقتصادية التي اعتمدها المغرب خلال السنوات الماضية. فقد اعتبر، خلال عرضه أمام البرلمان يوم الجمعة 23 أكتوبر، أن الفصل بين السياسة الاقتصادية والسياسة الاجتماعية ساهم في إضعاف نتائج المجهود المالي الذي بذلته الدولة لتحسين ظروف عيش المواطنين.
ولم يكتف الوزير بالإشارة إلى محدودية النتائج الاجتماعية، بل انتقد أيضاً انتشار منطق الربح السريع ومظاهر الريع والاحتكار والوساطة غير المنتجة. وربط هذه الاختلالات بتوجه اقتصادي يمنح السوق حرية واسعة دون ضوابط كافية، في الوقت الذي تحاول فيه الدولة معالجة آثاره الاجتماعية من خلال الدعم والإنفاق العمومي.
ويكتسب هذا الخطاب أهمية خاصة لأنه يصدر عن مسؤول تولى تدبير المالية العمومية خلال المرحلة السابقة، قبل استمراره في الحكومة الجديدة. ومن هنا يبرز سؤال المسؤولية السياسية: هل يمثل تشخيص لقجع بداية مراجعة فعلية للاختيارات الاقتصادية، أم أن الحكومة تعيد تقديم المشكلات المعروفة بلغة نقدية جديدة دون أن تحدد بعد مسؤولياتها وآليات تصحيحها؟
وزير المالية ينتقد نموذجاً شارك في تدبيره
تكمن المفارقة الأولى في أن الانتقادات لم تصدر عن حزب معارض أو هيئة نقابية أو باحث اقتصادي، وإنما عن وزير يتحمل مسؤولية مباشرة في رسم السياسة المالية للدولة. فقد شغل لقجع منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية خلال الحكومة السابقة، قبل أن يتولى حقيبة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية في الحكومة الحالية.
ولا يعني ذلك أنه يتحمل وحده مسؤولية جميع الاختيارات الاقتصادية التي انتقدها، فهذه السياسات تتداخل فيها قرارات حكومية وتشريعية ومؤسساتية متعددة. غير أن موقعه السابق يجعله معنياً بتفسير حدود مساهمته في تلك الاختيارات، ومدى قدرته على التأثير فيها خلال السنوات الماضية.
ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً عندما يقدم المسؤول الحكومي المرحلة الجديدة باعتبارها تصحيحاً لمسار سابق. فالمراجعة السياسية تكتسب مصداقيتها من الاعتراف بالأسباب التي أدت إلى الاختلالات، وتحديد الإجراءات التي ستمنع استمرارها، وليس فقط من تغيير المفردات المستعملة في وصفها.
كما أن استمرار عدد من المسؤولين والبرامج والمؤسسات بين المرحلتين يجعل من الصعب التعامل مع الحكومة الجديدة باعتبارها منفصلة تماماً عن حصيلة سابقتها. فهناك استمرارية مؤسساتية ينبغي أخذها في الاعتبار عند توزيع المسؤوليات وتقييم التعهدات الجديدة.
الدولة الاجتماعية في مواجهة اقتصاد غير منضبط
قدم لقجع تشخيصاً يقوم على وجود تناقض بين مجهود الدولة الاجتماعي وطبيعة السياسة الاقتصادية التي صاحبت تنفيذه. فبحسب عرضه، كانت الدولة تعبئ موارد مالية مهمة لتحسين ظروف العيش، بينما سمحت اختيارات اقتصادية أخرى باتساع ممارسات أضعفت الأثر المنتظر من هذا الإنفاق.
وتستحق هذه الفكرة نقاشاً جدياً، لأنها تطرح حدود السياسة الاجتماعية عندما تعمل بمعزل عن تنظيم الأسواق. فالدعم النقدي وتحسين الأجور وتوسيع الحماية الاجتماعية قد تخفف أعباء الأسر، لكنها لا تكفي إذا استمرت اختلالات المنافسة وارتفاع تكاليف التوزيع وضعف الشفافية في بعض القطاعات.
غير أن الانتقال من هذا التشخيص إلى اتهام الاقتصاد المغربي بمجمله بالخضوع للاحتكار أو الريع يحتاج إلى أدلة قطاعية دقيقة. فالأسواق تختلف من حيث بنيتها وعدد المتدخلين فيها وطبيعة المنافسة والضوابط القانونية التي تحكمها.
ولهذا، فإن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على إعلان رفض الاحتكار، بل تشمل تحديد القطاعات التي تستدعي تدخلاً تنظيمياً، ونشر المعطيات التي تثبت الاختلالات، وتوضيح الآليات القانونية والمؤسساتية اللازمة لمعالجتها.
من المسؤول عن ضبط الأسواق؟
عندما ينتقد وزير الاقتصاد والمالية منطق السوق غير المنضبط، فإنه يطرح بصورة غير مباشرة سؤالاً حول فعالية المؤسسات التي يفترض أن تحمي المنافسة وتراقب الممارسات الاقتصادية.
فالدولة لا تقتصر وظيفتها على تمويل البرامج الاجتماعية أو تشجيع الاستثمار، بل تتحمل أيضاً مسؤولية توفير قواعد عادلة للمنافسة وحماية المستهلك وضمان الشفافية في العلاقات الاقتصادية.
ويؤدي مجلس المنافسة دوراً أساسياً في هذا المجال وفق اختصاصاته القانونية، كما تتدخل سلطات تنظيمية ورقابية أخرى بحسب طبيعة القطاعات. لكن فعالية هذه المنظومة تتطلب تنسيقاً مؤسساتياً وتنفيذاً فعلياً للقوانين والقرارات، إلى جانب وضوح مسؤوليات الحكومة في المجالات التي تدخل ضمن اختصاصها.
ومن هنا، يصبح من المشروع مطالبة الحكومة بتحديد الإجراءات التي تعتزم اتخاذها لمواجهة الممارسات التي انتقدها الوزير. فهل ستعزز مراقبة الأسواق؟ وهل ستراجع القواعد التي تسمح بارتفاع تكاليف الوساطة؟ وكيف ستضمن ألا تتحول الامتيازات الاقتصادية إلى عوائق أمام المقاولات الصغيرة والمتوسطة؟
وتبقى الإجابة عن هذه الأسئلة مرتبطة بالقرارات العملية والنتائج القابلة للقياس، وليس بحدة الخطاب السياسي.
الربح المشروع ليس هو الريع
يحتاج النقاش حول الرأسمالية الريعية إلى تمييز اقتصادي أساسي بين الربح الناتج عن الاستثمار والإنتاج والمنافسة، وبين الامتيازات التي تسمح بتحقيق عوائد دون خلق قيمة اقتصادية متناسبة.
فالربح في حد ذاته ليس مؤشراً على وجود اختلال. إذ تحتاج المقاولات إلى تحقيق عائد يسمح لها بالاستثمار والتوسع والتوظيف وتحمل المخاطر. أما المشكلة فتظهر عندما ترتبط الأرباح بممارسات احتكارية أو امتيازات غير مبررة أو قيود تمنع المنافسين من دخول السوق.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي قد تواجه صعوبات في التمويل والولوج إلى الأسواق وسلاسل التوزيع. فإذا كانت الحكومة تعتزم إعادة التوازن بين الاقتصاد والمجتمع، فإن تحسين شروط المنافسة ينبغي أن يشكل جزءاً أساسياً من سياستها.
ولا يتحقق ذلك بإدانة الاستثمار الخاص أو تحميل المقاولات مسؤولية جميع المشكلات الاجتماعية، بل بإرساء قواعد شفافة تسمح بالمبادرة الاقتصادية وتحمي في الوقت نفسه المستهلكين والمنافسة المشروعة.
القدرة الشرائية تكشف حدود الدعم وحده
يظهر أثر الاختلالات الاقتصادية بصورة مباشرة في القدرة الشرائية للأسر. فعندما ترتفع تكاليف بعض المواد والخدمات، يصبح جزء من الزيادات في الأجور أو التحويلات الاجتماعية موجهاً لتعويض الأعباء الإضافية، بدل تحسين مستوى العيش بصورة مستدامة.
ولهذا، فإن بناء دولة اجتماعية لا يمكن اختزاله في توسيع الدعم المباشر أو تخفيض بعض الضرائب. فهذه التدابير تحتاج إلى سياسة اقتصادية تعزز الإنتاج والمنافسة وتحد من الاختلالات التي ترفع تكلفة المعيشة.
ويتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 توجهات لإصلاح أسواق الجملة وتقليص تكاليف الوساطة، إلى جانب إجراءات ضريبية واجتماعية تستهدف تحسين الدخل. غير أن أثر هذه التدابير سيظل مرتبطاً بكيفية تنفيذها ومدى قدرتها على معالجة المشكلات الفعلية داخل سلاسل الإنتاج والتوزيع.
كما أن تحسين القدرة الشرائية يتطلب تتبع تطور الأسعار والدخل المتاح للأسر، مع مراعاة اختلاف أوضاعها الاجتماعية والمجالية. فاستفادة الأجير من تخفيض ضريبي لا تعني بالضرورة استفادة العامل غير المصرح به أو العاطل عن العمل من الإجراء نفسه.
أين تبدأ مسؤولية الحكومة السابقة؟
يحمل خطاب لقجع انتقاداً واضحاً لبعض التوجهات الاقتصادية التي سادت خلال المرحلة الماضية، لكنه يثير أيضاً إشكالية توزيع المسؤولية داخل الحكومات المتعاقبة.
فالحكومة السابقة لم تكن مؤسسة منفصلة عن الدولة أو عن الوزراء الذين واصل بعضهم تحمل المسؤولية بعد تشكيل الفريق الجديد. كما أن السياسات المالية والاقتصادية تخضع لقرارات جماعية ومساطر تشريعية ومؤسساتية، ولا يصح اختزالها في شخص واحد.
لكن هذه الطبيعة الجماعية للمسؤولية لا تعني إعفاء المسؤولين من تفسير مواقفهم. فعندما يعلن وزير استمرارَه في المنصب مع تبني قراءة نقدية للمرحلة السابقة، يصبح من حق الرأي العام معرفة ما الذي تغير في قناعته أو في صلاحياته أو في التوجهات الحكومية التي يعمل على تنفيذها.
وتزداد أهمية هذا التوضيح لأن النقد الصادر من داخل السلطة قد يتحول إلى وسيلة لإظهار القطيعة السياسية دون تقديم مراجعة فعلية للسياسات. وفي المقابل، قد يشكل اعتراف المسؤولين بوجود اختلالات بداية لإصلاح جاد إذا صاحبه برنامج محدد لمعالجتها.
والفصل بين الاحتمالين لا يكون بالنوايا أو الخطابات، وإنما بالقرارات التي ستتخذها الحكومة وبالنتائج التي ستحققها.
مالية 2027.. هل تحمل أدوات لتغيير المسار؟
يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2027 أول فرصة لاختبار مدى انسجام الخطاب الجديد مع الاختيارات العملية للحكومة. فقد أعلن لقجع أن المشروع يشكل بداية تنفيذ البرنامج الحكومي، وأن المرحلة المقبلة تستهدف الجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من تخصيص اعتمادات إضافية أو الإعلان عن إجراءات لدعم القدرة الشرائية. إذ ينبغي أن تظهر داخل السياسات العمومية أدوات واضحة لتحسين المنافسة ومحاربة تضارب المصالح وتسهيل الولوج إلى الاستثمار المنتج.
ومن الضروري أيضاً تحديد مؤشرات تسمح بتقييم نتائج هذه الأدوات. ويمكن أن تشمل هذه المؤشرات تطور تكلفة الوساطة، وتحسن شروط ولوج المقاولات الصغيرة إلى الأسواق، ومدى تنفيذ توصيات المؤسسات الرقابية، وأثر الإصلاحات على أسعار السلع والخدمات.
كما يملك البرلمان فرصة لمساءلة الحكومة بشأن العلاقة بين تشخيص الوزير للاختلالات وبين المقتضيات المالية والتنظيمية المقترحة لمعالجتها. فالمناقشة الجادة للميزانية ينبغي أن تتجاوز حجم الاعتمادات إلى طبيعة الاختيارات الاقتصادية التي تحدد أثرها الاجتماعي.
الاعتراف بالاختلالات لا يعفي من المحاسبة
يحمل خطاب فوزي لقجع أهمية سياسية لأنه يضع على لسان مسؤول حكومي بارز تشخيصاً نقدياً للعلاقة بين الاقتصاد والمجتمع في المغرب. لكنه يفتح في الوقت نفسه باباً مشروعاً للمساءلة بشأن مسؤولية الحكومات السابقة والحالية عن استمرار الاختلالات التي تحدث عنها.
ولا يمكن الحكم مسبقاً بأن الحكومة ستفشل في تغيير المسار، كما لا يكفي إعلان نيتها لمحاربة الريع والاحتكار لاعتبار التحول قد تحقق. فالمعيار الحقيقي يتمثل في القرارات التي ستعتمدها، والقطاعات التي ستشملها الإصلاحات، والنتائج التي سيلاحظها المواطنون والمقاولات.
وتحتاج الحكومة، إذا أرادت منح خطابها الجديد مصداقية سياسية، إلى الانتقال من نقد النموذج الاقتصادي إلى توضيح مسؤوليات تدبيره وتصحيح آلياته. كما يتعين عليها أن تقدم تصوراً قابلاً للتنفيذ يربط تشجيع الاستثمار بحماية المنافسة وتحسين شروط العيش.
لقد وصف وزير الاقتصاد والمالية جانباً من المشكلات التي تعيق بناء الدولة الاجتماعية. أما الاختبار الأصعب فيبدأ عندما تصبح الحكومة مطالبة بإثبات قدرتها على معالجة هذه المشكلات، خصوصاً أن بعض المسؤولين الذين يقدمون التشخيص اليوم شاركوا في تدبير المرحلة التي ينتقدونها.
وبين الاعتراف بالاختلالات وتحمل مسؤولية إصلاحها، ستتحدد جدية شعار تغيير المسار. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى خطاب يشرح أسباب تراجع قدرته الشرائية، بل إلى سياسات تمنع استمرار الأسباب نفسها وتتيح له لمس نتائج مختلفة في حياته اليومية.
