يحمل مشروع قانون المالية لسنة 2027 مؤشرات على توجه الحكومة الجديدة نحو تعزيز الموارد المالية والبشرية للتعليم العالي والبحث العلمي. فقد اقترح تخصيص اعتمادات استثمارية تتجاوز ثلاثة مليارات درهم، إلى جانب إحداث 1920 منصباً مالياً جديداً. كما رصد 70 مليون درهم للصندوق الوطني لدعم البحث العلمي والتنمية التكنولوجية، في إطار مواصلة تطوير المؤسسات الجامعية وتشجيع البحث والابتكار.
وتأتي هذه الأرقام في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى جامعة قادرة على تكوين الكفاءات وإنتاج المعرفة والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. غير أن رفع الاعتمادات لا يمثل، في حد ذاته، ضمانة لتحسين جودة التعليم العالي. فالنتائج تتوقف على كيفية توزيع الموارد، وفعالية تدبيرها، ومدى استجابتها للاختلالات التي تواجه المؤسسات الجامعية.
ومن هنا، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في حجم الميزانية الجديدة أو عدد المناصب المحدثة. فالسؤال الأكثر أهمية يتعلق بقدرة الحكومة على تحويل هذه الموارد إلى تحسين ملموس في ظروف الدراسة والبحث، وتطوير إنتاج علمي يستجيب لحاجيات المغرب.
ثلاثة مليارات درهم للاستثمار.. ماذا تعني الأرقام؟
تشير المعطيات المنشورة حول مشروع مالية 2027 إلى تخصيص ثلاثة مليارات و46 مليوناً و537 ألف درهم لنفقات الاستثمار في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.
ويتوزع هذا الغلاف بين مليار و791 مليوناً و790 ألف درهم من اعتمادات الأداء لسنة 2027، ومليار و254 مليوناً و747 ألف درهم من اعتمادات الالتزام المرتبطة بالسنوات اللاحقة.
ويكتسب هذا التمييز أهمية أساسية عند قراءة الأرقام. فاعتمادات الأداء ترتبط بالنفقات التي يمكن تنفيذها خلال السنة المالية، بينما تسمح اعتمادات الالتزام ببرمجة عمليات تمتد على سنوات متعددة. ولذلك، لا يصح التعامل مع الغلاف الاستثماري الإجمالي باعتباره مبلغاً ستصرفه الوزارة بالكامل خلال سنة واحدة.
ويمكن لهذه الاستثمارات أن تدعم بناء المؤسسات وتجهيزها وتوسيع العرض الجامعي. لكنها تحتاج إلى تخطيط يراعي حاجيات الجهات والتخصصات، حتى لا تتحول مشاريع التوسع إلى بنايات تفتقر إلى الأطر والمختبرات والوسائل الضرورية.
كما ينبغي أن ترافق الحكومة هذه الاعتمادات بمؤشرات توضح المشاريع التي ستنجزها، وآجال تنفيذها، وعدد الطلبة والباحثين الذين سيستفيدون منها.
1920 منصباً مالياً أمام تحدي التأطير
يقترح مشروع الميزانية إحداث 1920 منصباً مالياً لفائدة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. ويتيح هذا الإجراء إمكانية تعزيز الموارد البشرية بالمؤسسات الجامعية، لكنه لا يكشف وحده حجم التحسن المنتظر في التأطير.
فالجامعة تحتاج إلى أساتذة باحثين وأطر تقنية وإدارية، كما تحتاج إلى توزيع متوازن لهذه الموارد بين المؤسسات والتخصصات. ويختلف أثر التوظيف بحسب طبيعة المناصب ومواقعها والحاجيات التي ستعالجها.
ومن الضروري أيضاً التمييز بين المناصب الجديدة التي تعزز الموارد البشرية فعلياً، وتلك التي قد تستخدم لتعويض المغادرين بسبب التقاعد أو الانتقال إلى وضعيات مهنية أخرى.
ولا يمكن تقييم أثر هذه المناصب دون معرفة عدد الطلبة المسجلين، ونسب التأطير الحالية، وحجم الخصاص في مختلف الجامعات. كما ينبغي تحديد نصيب التخصصات العلمية والتكنولوجية والإنسانية والاجتماعية من التوظيفات المرتقبة.
فرفع عدد الأساتذة قد يساعد على تحسين جودة التكوين، لكنه لن يحقق الأثر المطلوب إذا استمرت الاختلالات في تنظيم الدراسة وتوفير التجهيزات وتدبير المسارات الجامعية.
البحث العلمي.. هل تكفي 70 مليون درهم؟
يتضمن مشروع مالية 2027 رصد 70 مليون درهم للصندوق الوطني لدعم البحث العلمي والتنمية التكنولوجية. ويشكل هذا الصندوق إحدى الآليات التي يمكن أن تساهم في تمويل المشاريع البحثية والتطوير التكنولوجي.
غير أن هذا الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة. فهو يتعلق بصندوق محدد، ولا يمثل بالضرورة مجموع الإنفاق الوطني على البحث العلمي، الذي قد يشمل اعتمادات الجامعات والمؤسسات العمومية ومصادر تمويل أخرى.
ولهذا، لا يصح الحكم على مستوى تمويل البحث العلمي في المغرب انطلاقاً من هذا المبلغ وحده. لكن من المشروع مساءلة الحكومة بشأن حجم الموارد الموجهة إلى المشاريع البحثية التنافسية، وكيفية توزيعها، ومدى استجابتها للأولويات العلمية والتنموية.
كما ينبغي معرفة المعايير التي تعتمدها الجهات المسؤولة لاختيار المشاريع المستفيدة من التمويل. فالبحث العلمي يحتاج إلى تقييم مستقل وشفاف، يراعي الجودة العلمية والجدوى البحثية دون اختزالها في العائد التجاري المباشر.
وتبرز هنا أهمية دعم الأبحاث الأساسية، لأنها تشكل قاعدة لتطوير المعرفة والابتكار على المدى الطويل. كما تحتاج الجامعات إلى تمويل مستقر يسمح للباحثين بإعداد مشاريع متعددة السنوات، بدل الاقتصار على مبادرات قصيرة الأمد.
توسيع العرض الجامعي لا يعني تلقائياً تحسين الجودة
تتجه الحكومة، وفق المعطيات المصاحبة للمشروع، إلى مواصلة توسيع العرض الجامعي وإحداث مؤسسات جديدة. ويرتبط هذا التوجه بالحاجة إلى تقريب التعليم العالي من مختلف الجهات، والاستجابة لتزايد الطلب على التكوين.
ويمكن لهذا التوسع أن يخفف الضغط عن المؤسسات القائمة، ويحد من اضطرار الطلبة إلى الانتقال لمسافات طويلة لمتابعة دراستهم. كما قد يساهم في تنشيط المدن المتوسطة وتطوير قدراتها العلمية والاقتصادية.
غير أن إحداث مؤسسة جامعية لا ينبغي أن يتحول إلى هدف عددي مستقل عن شروط الجودة. فالمؤسسة الجديدة تحتاج إلى هيئة تدريس مؤهلة، ومكتبة ومختبرات وتجهيزات رقمية، إلى جانب خدمات اجتماعية وإدارية مناسبة.
كما ينبغي أن يستند اختيار مواقع المؤسسات وتخصصاتها إلى دراسات دقيقة لحاجيات المجالات الترابية. فقد يؤدي التوسع غير المدروس إلى توزيع الموارد على عدد كبير من المؤسسات دون توفير الإمكانات الكافية لأي منها.
ومن هنا، تصبح جودة التكوين وقدرة المؤسسات على الاستمرار أكثر أهمية من عدد البنايات الجديدة التي تعلن الحكومة إحداثها.
الجامعة وسوق الشغل.. علاقة تحتاج إلى إعادة بناء
تواجه الجامعة المغربية تحدياً يتعلق بانتقال الخريجين إلى سوق العمل. ولا تنحصر المشكلة في طبيعة التكوين الجامعي، بل تشمل أيضاً قدرة الاقتصاد على خلق وظائف تستوعب الكفاءات المتخصصة.
فقد تقدم الجامعة تكويناً علمياً جيداً، بينما يظل عدد فرص العمل المناسبة محدوداً في بعض القطاعات. كما قد تعاني مجالات أخرى نقصاً في المهارات المطلوبة، نتيجة ضعف التنسيق بين المؤسسات الجامعية والفاعلين الاقتصاديين.
ويقتضي تحسين هذه العلاقة تطوير التوجيه الجامعي والتدريب العملي والشراكات البحثية، مع الحفاظ على الوظيفة العلمية والثقافية للجامعة.
ولا ينبغي اختزال التعليم العالي في إعداد اليد العاملة للمقاولات. فالجامعة تضطلع أيضاً بدور أساسي في إنتاج المعرفة النقدية، وتكوين الباحثين، وتطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية، والمساهمة في النقاش العمومي.
ومن ثم، فإن ربط الجامعة بحاجيات الاقتصاد يجب أن يتم دون إضعاف استقلاليتها العلمية أو تحويل جميع برامجها إلى تكوينات مهنية قصيرة المدى.
الحكامة الجامعية في قلب الإصلاح
لا ترتبط اختلالات التعليم العالي بالتمويل وحده. فطريقة اتخاذ القرار وتوزيع الصلاحيات وتدبير الموارد تؤثر بصورة مباشرة في أداء المؤسسات الجامعية.
وتحتاج الجامعات إلى قدر مناسب من الاستقلالية الأكاديمية والإدارية والمالية، حتى تتمكن من تحديد أولوياتها وتطوير مشاريعها العلمية. لكن هذه الاستقلالية ينبغي أن ترافقها آليات واضحة للمحاسبة والتقييم.
فالمؤسسة التي تحصل على موارد إضافية دون أن تمتلك مرونة كافية في تدبيرها قد تواجه صعوبات في تنفيذ مشاريعها. وفي المقابل، قد يؤدي توسيع الصلاحيات دون رقابة فعالة إلى تفاوتات في الأداء وغياب الشفافية.
ولهذا، ينبغي أن يشمل الإصلاح تبسيط المساطر الإدارية، وتحسين تدبير المشاريع البحثية، وتطوير أنظمة المعلومات، وضمان وضوح المعايير التي تحكم توزيع الموارد.
كما يتطلب الأمر تعزيز مشاركة الأساتذة الباحثين والأطر والطلبة في النقاش حول الأولويات الجامعية، وفق الأدوار التي يحددها الإطار القانوني.
العلوم الإنسانية والاجتماعية ليست قطاعاً ثانوياً
غالباً ما يركز النقاش حول البحث العلمي على التكنولوجيا والهندسة والابتكار الصناعي. وتكتسب هذه المجالات أهمية كبيرة في سياق التحولات الاقتصادية والرقمية، لكنها لا تختزل جميع حاجيات المغرب البحثية.
فالتحولات الحضرية والهجرة والتعليم والصحة والعلاقات الاجتماعية والحكامة الترابية تحتاج بدورها إلى دراسات علمية دقيقة. كما أن فهم آثار السياسات العمومية يتطلب الاستفادة من علم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية والتاريخ وغيرها من التخصصات.
ولا يمكن تطوير سياسة عمومية فعالة اعتماداً على الحلول التقنية وحدها. فقد يفشل مشروع جيد من الناحية الهندسية إذا لم يأخذ في الاعتبار الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمستفيدين منه.
ومن هنا، ينبغي أن يراعي تمويل البحث العلمي تنوع التخصصات، وأن يشجع المشاريع المشتركة بين العلوم الطبيعية والتقنية والإنسانية والاجتماعية.
كما تستطيع الجامعات أن تساهم في تقييم السياسات العمومية وتقديم بدائل تستند إلى الأدلة، شريطة أن تتوفر للباحثين حرية علمية وإمكانية الوصول إلى المعطيات الضرورية.
الفوارق الجهوية تهدد تكافؤ الفرص
تختلف الجامعات المغربية من حيث التجهيزات والموارد البشرية والقدرة على استقطاب الباحثين والتمويل. وتنعكس هذه الاختلافات على ظروف الدراسة والبحث، وعلى الفرص المتاحة للطلبة بحسب المناطق التي ينتمون إليها.
ويحتاج مشروع مالية 2027 إلى معالجة هذه الفوارق عبر توزيع الموارد وفق الحاجيات الفعلية، وليس فقط وفق حجم المؤسسات أو قدرتها السابقة على تنفيذ المشاريع.
فالمؤسسات الموجودة في الجهات الأقل استفادة من الاستثمارات قد تحتاج إلى دعم إضافي لتطوير المختبرات والمكتبات والسكن الجامعي والخدمات الرقمية.
كما أن تقريب التعليم العالي من السكان لا يتحقق بإحداث المؤسسات وحدها. بل يحتاج إلى وسائل نقل وخدمات اجتماعية وتجهيزات تضمن للطلبة ظروفاً مناسبة لمتابعة دراستهم.
ولهذا، ينبغي أن تشكل العدالة المجالية معياراً أساسياً في تقييم الاستثمارات الجامعية الجديدة.
الحكومة مطالبة بربط الميزانية بالنتائج
تقدم الأرقام الواردة في مشروع مالية 2027 مؤشراً على استمرار الاستثمار العمومي في التعليم العالي. لكنها لا تكفي لتحديد مدى نجاح السياسة الحكومية في تطوير الجامعة والبحث العلمي.
ويحتاج البرلمان إلى مساءلة الحكومة بشأن مؤشرات الأداء التي ستعتمدها، بما يشمل نسب التأطير، وجودة التكوين، وتطور الإنتاج العلمي، وفعالية المشاريع البحثية، والفوارق بين الجامعات والجهات.
كما ينبغي أن تنشر الوزارة معطيات دورية حول تنفيذ الاستثمارات وتوزيع المناصب المالية ونتائج برامج دعم البحث العلمي.
ولا يتعلق الأمر بتحويل الجامعة إلى مؤسسة تقاس قيمتها بعدد المنشورات العلمية أو براءات الاختراع فقط. فهذه المؤشرات مهمة، لكنها تحتاج إلى قراءة تراعي طبيعة التخصصات وجودة الأبحاث وأثرها العلمي والاجتماعي.
وتصبح المحاسبة أكثر فعالية عندما تستند إلى أهداف معلنة ومؤشرات متعددة وتقييم مستقل، بدل الاقتصار على عرض الاعتمادات المالية المنجزة.
إصلاح الجامعة يبدأ بعد المصادقة على الميزانية
يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 فرصة لتعزيز قدرات الجامعة المغربية، لكنه لا يقدم بمفرده ضمانة لإصلاح منظومة التعليم العالي والبحث العلمي.
فإحداث 1920 منصباً مالياً وتخصيص اعتمادات استثمارية تتجاوز ثلاثة مليارات درهم يمكن أن يدعما المؤسسات الجامعية. غير أن النتائج ستتوقف على توزيع الموارد، وجودة الحكامة، ومدى قدرة الجامعات على تحويل التمويل إلى تكوين وبحث علمي ذي قيمة.
كما تحتاج الحكومة إلى تقديم تصور متكامل يربط الاستثمار في البنيات التحتية بتطوير التأطير والبحث والابتكار، دون إغفال دور الجامعة في إنتاج المعرفة النقدية وخدمة المجتمع.
ولا ينبغي أن يصبح ارتفاع الميزانية مؤشراً وحيداً على نجاح الإصلاح. فالمعيار الحقيقي يتمثل في تحسن ظروف الدراسة، وتعزيز قدرات الباحثين، وتقليص الفوارق الجهوية، وارتفاع مساهمة المعرفة في التنمية.
وبين الموارد التي يقترحها مشروع القانون والنتائج التي ينتظرها المجتمع، توجد مسؤولية سياسية ومؤسساتية لا يمكن تجاوزها بالتصريحات. وهي مسؤولية تحويل الجامعة من قطاع يستهلك الاعتمادات إلى مؤسسة تنتج المعرفة وتساهم في بناء مستقبل اقتصادي واجتماعي أكثر استدامة.
