بالنسبة إلى تلميذ يغادر المدرسة في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمره، لا يتعلق الأمر دائماً بقرار اتخذه في صباح ما ثم أغلق خلفه باب القسم. قد يبدأ الانقطاع بتعثر دراسي، أو غياب متكرر، أو وضع اجتماعي وأسري يجعل المدرسة تتراجع تدريجياً في سلم الأولويات، إلى أن يجد اليافع نفسه خارج منظومة التعليم، وفي الوقت نفسه أصغر من أن يمتلك مهنة أو تكويناً يسمح له ببناء طريق واضح نحو العمل.
من هذه المنطقة الواقعة بين المدرسة وسوق الشغل انطلق، الاثنين 5 أكتوبر، الموسم التربوي 2026-2027 لبرامج التمدرس الاستدراكي بجهة الدار البيضاء–سطات، من مركز «الفرصة الثانية – الجيل الجديد» بثانوية ابن رشد الإعدادية التابعة للمديرية الإقليمية عين السبع الحي المحمدي. غير أن قيمة الحدث لا تكمن في افتتاح موسم جديد بقدر ما تكمن في الفئة التي يحاول البرنامج الوصول إليها: يافعون وشباب بين 13 و18 سنة أصبحوا خارج المدرسة.
العودة لا تعني الجلوس في القسم فقط
تقوم فكرة «الفرصة الثانية» على الاعتراف بأن إعادة المنقطع إلى المدرسة بالطريقة نفسها التي غادرها بها قد لا تكون كافية. لذلك يجمع البرنامج بين الاستدراك التربوي والتأهيل الحرفي والمواكبة النفسية والاجتماعية، على أساس أن يكون الهدف النهائي إما العودة إلى التعليم النظامي أو الانتقال إلى التكوين أو الاستعداد بصورة أفضل لدخول سوق الشغل.
وهذا الاختيار يغير معنى العودة نفسها. فالطفل الذي انقطع عاماً أو أكثر قد يجد نفسه متأخراً عن أقرانه، وقد يكون السبب الذي دفعه إلى المغادرة ما يزال قائماً. وإذا كانت المدرسة التقليدية لم تستطع الاحتفاظ به في المرة الأولى، فإن مجرد فتح بابها من جديد لا يضمن بقاءه فيها هذه المرة.
لهذا يصبح التكوين الحرفي جزءاً من محاولة استعادة العلاقة بين التعلم والمستقبل. فاليافع الذي لا يرى في المسار الدراسي التقليدي طريقاً يناسب وضعه قد يجد في اكتساب مهارة مهنية سبباً للاستمرار، بدلاً من الانتقال مباشرة من الانقطاع المدرسي إلى عمل هش وغير مؤهل.
الهدر المدرسي ليس رقماً تربوياً فقط
عادة ما يظهر الهدر المدرسي في التقارير باعتباره أعداداً ونسباً، لكنه يتحول خارج الجداول إلى مسارات شخصية واجتماعية مختلفة. فالانقطاع المبكر يقلص فرص الوصول إلى تكوين أفضل، ويزيد صعوبة الحصول لاحقاً على عمل مستقر، وقد يجعل الشاب يدخل الحياة المهنية من أبواب ضيقة لا توفر له حماية أو إمكانية حقيقية للتطور.
وهنا تتجاوز المسألة وزارة التربية الوطنية وحدها. فحين يغادر طفل المدرسة مبكراً، تتقاطع في قصته جودة التعلم مع وضع الأسرة والمسافة عن المؤسسة والنقل والدخل والحاجة أحياناً إلى العمل، فضلاً عن قدرة المدرسة نفسها على اكتشاف التعثر قبل أن يتحول إلى انقطاع نهائي.
لهذا تبدو «الفرصة الثانية» ضرورية، لكنها تكشف في الوقت نفسه وجود مشكلة سابقة عليها. نجاح المركز في إعادة شاب منقطع إلى التعليم إنجاز مهم بالنسبة إلى ذلك الشاب، لكن السياسة التعليمية لا تستطيع قياس نجاحها فقط بعدد الذين استعادتهم بعدما غادروا؛ عليها أيضاً أن تسأل عن عدد الذين كان ممكناً منع مغادرتهم منذ البداية.
مركز صغير أمام مشكلة كبيرة
اختيار عين السبع–الحي المحمدي لانطلاق الموسم يحمل بدوره دلالة اجتماعية. ففي المدن الكبرى يمكن أن توجد المؤسسة التعليمية والتكوين وسوق العمل داخل المجال الحضري نفسه، ومع ذلك يبقى بعض اليافعين خارج المسارات الثلاثة. القرب الجغرافي من المدرسة لا يساوي بالضرورة القدرة الاجتماعية على الاستمرار فيها.
ولهذا تعتمد الصيغة الجديدة على المواكبة النفسية والاجتماعية إلى جانب الدراسة والتكوين. وهي نقطة مهمة لأن الانقطاع لا يترك دائماً فجوة معرفية فقط، بل يمكن أن يضعف ثقة الشاب في إمكانية العودة أصلاً إلى التعلم أو النجاح فيه.
غير أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد التسجيل. فالاحتفاظ بالمستفيد داخل البرنامج حتى نهايته، ثم نقله إلى التعليم النظامي أو التكوين أو مسار مهني واضح، هو المعيار الأكثر دلالة من عدد الملتحقين في بداية السنة. وإلا تحولت «الفرصة الثانية» إلى محطة قصيرة بين انقطاعين.
المطلوب ألا تصبح الفرصة الثانية بديلاً عن الأولى
توجد مفارقة في كل برنامج لمعالجة الهدر المدرسي: كلما نجح في استعادة المنقطعين أثبت فائدته، لكنه يذكّر أيضاً بأن المدرسة العادية فقدتهم في مرحلة سابقة. ومن هنا لا ينبغي النظر إلى هذه المراكز باعتبارها منظومة تعليمية موازية تستقبل بصورة دائمة من يعجز التعليم النظامي عن الاحتفاظ بهم.
وظيفتها الأساسية ينبغي أن تبقى استثنائية وانتقالية، بينما يقع العمل الأثقل قبل الانقطاع: اكتشاف التلاميذ المهددين بالمغادرة، معالجة صعوبات التعلم، دعم الأسر الهشة، تحسين النقل المدرسي في المناطق التي تحتاج إليه، وربط المدرسة بمسارات واضحة للتكوين والعمل.
ويأتي انطلاق الموسم الجديد في لحظة سياسية لها دلالتها أيضاً. فمع تشكيل حكومة جديدة، بدأت النقابات التعليمية بالفعل في وضع ملفاتها أمام الوزير المقبل، من مراجعة النظام الأساسي والزيادة في الأجور إلى تقييم تجربة مدارس الريادة وإصلاح القطاع. وسط هذه الملفات المهنية والمؤسساتية الكبيرة، يبقى التلميذ الذي غادر المدرسة مبكراً اختباراً آخر لجودة الإصلاح لا يقل أهمية.
فالمسألة في النهاية ليست كم مركزاً يحمل اسم «الفرصة الثانية»، وإنما كم شاباً يستطيع من خلال هذه الفرصة أن يعود فعلاً إلى مسار مستقر، وكم تلميذاً يمكن للمدرسة أن تحميه مستقبلاً من الحاجة إليها أصلاً.
