f x ig yt
الأحد، 25 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

الصحراء أمام مجلس الأمن.. هل تعيد المبادرة الأمريكية رسم مسار التسوية؟

مشروع قرار أمريكي يقترح جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً حصرياً للمفاوضات، وإعادة هيكلة بعثة المينورسو، وسط رفض جبهة البوليساريو وترقب لموقف أعضاء مجلس الأمن. الرباط – الاختيار24

المغرب الآن 📅 24 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
قاعة مجلس الأمن الدولي بالأمم المتحدة، حيث تجري المشاورات بشأن مشروع القرار الأمريكي المتعلق بالصحراء ومستقبل بعثة المينورسو.

يدخل ملف الصحراء مرحلة دبلوماسية جديدة مع اقتراب انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة باسم «المينورسو»، في 31 أكتوبر 2026. وتكتسب هذه المحطة أهمية استثنائية بعد تداول مشروع قرار أمريكي يقترح تعديلات جوهرية على طبيعة البعثة الأممية والإطار السياسي للمفاوضات، بما قد يفتح الباب أمام تحول في طريقة تعامل مجلس الأمن مع النزاع المستمر منذ عقود.

ولا تكمن أهمية المبادرة الأمريكية في تأكيد دعم واشنطن لمقترح الحكم الذاتي المغربي فحسب، بل في محاولة نقل هذا التوجه إلى مستوى القرار الجماعي لمجلس الأمن. غير أن المسافة بين مشروع تقدمه دولة دائمة العضوية وبين قرار معتمد باسم المجلس تظل محكومة بالمفاوضات والتوازنات الدبلوماسية ومواقف بقية الأعضاء.

ولهذا، فإن قراءة التطورات الجارية تستدعي التمييز بين ما تضمنته المسودة الأمريكية، وما سبق أن أقره مجلس الأمن، وما يمكن أن تسفر عنه المشاورات خلال الأيام المقبلة.

من القرار 2797 إلى مشروع أكثر حسماً

شكل القرار 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، محطة مهمة في تطور المقاربة الأممية للنزاع. فقد مدد ولاية المينورسو لمدة سنة، ودعم إجراء مفاوضات تتخذ من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً لها، بهدف الوصول إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، مع الإشارة إلى تقرير مصير سكان الصحراء الغربية.

وقد عكس القرار تحولاً في اللغة الدبلوماسية للمجلس، لكنه لم ينه النزاع أو يحسم بصورة نهائية الوضع القانوني للإقليم. كما أبقى على مهمة المينورسو القائمة، وطلب إجراء مراجعة استراتيجية لمستقبلها في ضوء تطورات العملية السياسية.

أما مشروع القرار الأمريكي المتداول في أكتوبر 2026، فيذهب أبعد من هذا الإطار. فبحسب النسخة الأولية التي اطلعت عليها وسائل إعلام دولية، تقترح واشنطن اعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الوحيد القابل للتطبيق، مع إعادة النظر في طبيعة الوجود الأممي بالمنطقة.

ويعني ذلك أن النقاش لم يعد مقتصراً على تمديد مهمة البعثة لسنة إضافية، وإنما أصبح يشمل احتمال تغيير وظيفتها وعلاقتها بالمسار السياسي الذي تشرف عليه الأمم المتحدة.

واشنطن تسعى إلى إعادة تحديد قواعد التفاوض

تعكس الصياغة المقترحة في المسودة الأمريكية توجهاً نحو تضييق نطاق الخيارات السياسية المطروحة على طاولة المفاوضات، من خلال التركيز على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه أساساً حصرياً للتسوية.

وبالنسبة إلى المغرب، ينسجم هذا التوجه مع موقفه القائم على اعتبار مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها سنة 2007 إطاراً واقعياً لحل النزاع. كما يتقاطع مع الموقف الأمريكي الذي اعترف بسيادة المغرب على الإقليم في ديسمبر 2020، واستمر في دعم المقترح المغربي خلال السنوات اللاحقة.

غير أن تحويل هذا الموقف إلى صيغة يتبناها مجلس الأمن يتطلب توافقاً أو توازناً دبلوماسياً يسمح بمرور النص. فالمجلس يضم دولاً تختلف في مقاربتها للقضية، سواء من حيث تفسير مبدأ تقرير المصير أو طبيعة الحل السياسي المقبول.

وتكمن إحدى الإشكاليات في كيفية التوفيق بين الدعوة إلى مفاوضات تهدف إلى اتفاق متبادل، وبين النص مسبقاً على أن خياراً واحداً يمثل النتيجة الوحيدة القابلة للتطبيق. وقد يصبح هذا التوتر موضوعاً أساسياً خلال المفاوضات حول الصيغة النهائية للقرار.

المينورسو بين استمرار المهمة والتحول السياسي

من أبرز العناصر التي تضمنتها المسودة الأمريكية اقتراح إنهاء الوظائف التقليدية لحفظ السلام التي تضطلع بها المينورسو بحلول 30 أبريل 2027، ثم تحويل الوجود الأممي إلى بعثة سياسية خاصة خلال مرحلة انتقالية.

وتشير التقارير المتعلقة بالمشروع إلى مقترح لتقليص العناصر النظامية التابعة للبعثة، وإعادة تنظيم مواقعها ومهامها، إلى جانب تعديل تسميتها بما يعكس تحولاً في طبيعة الدور الأممي.

ومن الناحية السياسية، قد يحمل هذا التغيير دلالة تتجاوز إعادة الهيكلة الإدارية. فبعثة المينورسو أُنشئت سنة 1991 في سياق خطة تسوية تضمنت تنظيم استفتاء لتقرير المصير، قبل أن يتعثر تنفيذ ذلك المسار. ولذلك، فإن تغيير اسم البعثة أو اختصاصاتها سيعكس تحولاً مؤسساتياً في الطريقة التي تتعامل بها الأمم المتحدة مع النزاع.

لكن أي تعديل في المهمة ينبغي تقييمه أيضاً من زاوية الاستقرار الميداني. فالوجود الأممي لا يقتصر على رمزيته السياسية، بل يؤدي وظائف تتعلق بالمراقبة والتواصل والتقارير المرفوعة إلى مجلس الأمن.

ومن ثم، فإن تقليصه أو تغيير طبيعته يطرح أسئلة بشأن كيفية متابعة الوضع الأمني، والآليات البديلة للمراقبة، والقدرة على احتواء التوترات في حال تعثر المسار التفاوضي.

البوليساريو ترفض المسودة وتهدد بالانسحاب

قوبلت المبادرة الأمريكية برفض واضح من جبهة البوليساريو، التي أعلنت في 22 أكتوبر اعتراضها على الصيغة الأولية للمشروع، وهددت بالانسحاب من العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة إذا جرى اعتماد النص دون تعديلات جوهرية.

وترى الجبهة أن حصر التسوية في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يتعارض مع تصورها لممارسة حق تقرير المصير، وهو الموقف الذي ظلت تدافع عنه خلال المفاوضات السابقة.

ولا يعني هذا الإعلان أن الانسحاب قد وقع بالفعل، كما لا يثبت أن المفاوضات انتهت. لكنه يمثل مؤشراً على حجم الاعتراض الذي قد تواجهه المسودة، ويضع الوسطاء الدوليين أمام معضلة تتعلق بكيفية الحفاظ على مشاركة الأطراف في العملية السياسية.

فالتسوية التي تستهدف إنهاء نزاع طويل لا تتوقف على صياغة قرار دولي فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى ترتيبات سياسية ومؤسساتية قادرة على الاستمرار، وإلى معالجة القضايا الإنسانية والأمنية المرتبطة بالنزاع.

الجزائر وموريتانيا في معادلة التسوية

لا يمكن فصل التحركات الحالية عن البعد الإقليمي للنزاع. فالجزائر تدعم موقف البوليساريو وتتمسك بمقاربة تركز على تقرير المصير، بينما تشارك موريتانيا في الجهود الدبلوماسية باعتبارها طرفاً إقليمياً معنياً بالاستقرار.

ويجعل هذا الواقع من أي تسوية سياسية قضية تتجاوز العلاقة المباشرة بين المغرب والبوليساريو. فإعادة بناء الثقة وتخفيف التوترات الإقليمية يمثلان عاملين مؤثرين في فرص نجاح المفاوضات، حتى إذا تمكن مجلس الأمن من اعتماد صيغة جديدة.

كما أن استمرار الخلافات بين المغرب والجزائر يحد من إمكانات التعاون الاقتصادي والأمني في المنطقة المغاربية، ويجعل تكلفة النزاع مرتبطة أيضاً بالفرص التنموية والتكامل الإقليمي التي لم تتحقق.

وعليه، فإن أهمية أي تحول أممي لا تقاس فقط بما يمنحه من مكاسب دبلوماسية لهذا الطرف أو ذاك، وإنما أيضاً بمدى مساهمته في تهيئة شروط تسوية مستقرة تقلص التوتر وتفتح المجال أمام التعاون الإقليمي.

هل يستطيع مجلس الأمن فرض تحول نهائي؟

تملك الولايات المتحدة تأثيراً مهماً في صياغة قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالصحراء، باعتبارها الدولة التي تتولى عادة إعداد مشاريع النصوص الخاصة بالملف. غير أن هذا الدور لا يمنحها سلطة منفردة لاعتماد القرارات.

فالصيغة النهائية تمر عبر مشاورات بين أعضاء المجلس، وقد تخضع لتعديلات تتعلق باللغة السياسية، ومدة ولاية البعثة، والمهام الموكلة إليها، وطبيعة الدعوة إلى المفاوضات.

ولهذا، لا يمكن التعامل مع التسريبات المتعلقة بالمسودة باعتبارها قراراً نهائياً أو تحولاً قانونياً أصبح نافذاً. كما أن اعتماد قرار جديد، مهما بلغت أهميته السياسية، لا يعني تلقائياً انتهاء النزاع أو تنفيذ تسوية على الأرض.

ويبقى التمييز ضرورياً بين الاعترافات الوطنية التي تصدر عن الدول، والقرارات التي يعتمدها مجلس الأمن، والاتفاق السياسي الذي قد تتوصل إليه الأطراف المعنية. فلكل مستوى طبيعته القانونية والدبلوماسية وآثاره العملية.

مكسب دبلوماسي محتمل واختبار سياسي مفتوح

إذا احتفظ القرار النهائي بجوهر المقترحات الأمريكية، فقد يمثل ذلك تطوراً مهماً لمصلحة المقاربة المغربية القائمة على الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية. وسيكون لهذا التحول أثر في تحديد الإطار الذي تتحرك داخله الوساطة الأممية خلال المرحلة المقبلة.

غير أن قوة المكسب الدبلوماسي لا تلغي الأسئلة المتعلقة بكيفية الانتقال من دعم مقترح سياسي إلى تطبيق تسوية متفاوض بشأنها. فالحكم الذاتي، باعتباره تصوراً مؤسساتياً، يثير مسائل تتعلق بتوزيع الاختصاصات والضمانات الدستورية والموارد المالية والتمثيل السياسي وآليات الرقابة.

كما أن مستقبل السكان في الإقليم، والوضع الإنساني في مخيمات تندوف، والضمانات الأمنية المرتبطة بأي اتفاق، ستظل قضايا لا يمكن تجاوزها بمجرد تغيير لغة القرار الأممي.

وتبرز هنا الحاجة إلى تقييم التطورات بمنطق سياسي وقانوني بعيداً عن إعلان انتصارات نهائية قبل اكتمال المسار، أو التقليل من أهمية التحولات التي تشهدها المواقف الدولية.

أسبوع حاسم دون نتائج محسومة

مع اقتراب موعد انتهاء ولاية المينورسو في 31 أكتوبر، يدخل مجلس الأمن مرحلة مشاورات قد تحدد شكل الوجود الأممي في الصحراء خلال الفترة المقبلة، ومدى استمرار التركيز على الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات.

وتشير المسودة الأمريكية إلى رغبة واضحة في تسريع الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية سياسية أكثر تحديداً. لكن نجاح هذا التوجه سيظل رهيناً بقدرة الدول الأعضاء على الاتفاق حول النص، وبمدى استعداد الأطراف المعنية للتعامل مع الإطار الذي قد ينتج عنه.

وبالنسبة إلى المغرب، تمثل هذه التطورات فرصة دبلوماسية مهمة لتعزيز موقع مبادرته داخل المسار الأممي. غير أن القراءة الواقعية تقتضي انتظار القرار النهائي، ثم متابعة ما إذا كان سيقود إلى مفاوضات منتجة أم سيعمق الخلافات القائمة.

فمجلس الأمن يستطيع إعادة صياغة إطار العملية السياسية وتعديل مهام البعثة الأممية، لكنه لا يستطيع بمجرد قرار واحد ضمان نهاية نزاع تراكمت تعقيداته عبر عقود. وسيكون المعيار الحقيقي لأي تحول هو قدرته على تقريب التسوية، وتعزيز الاستقرار، وتوفير شروط حل سياسي قابل للتطبيق والاستمرار.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً