f x ig yt
الأحد، 25 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

مالية 2027 تحت المجهر.. من يستفيد فعلياً من الإجراءات الاجتماعية الجديدة؟

إعفاءات ضريبية ورفع للمعاشات والدعم الاجتماعي في أول ميزانية لحكومة المنصوري، لكن أثر هذه الإجراءات على معيشة المغاربة سيظل رهيناً بعدالة الاستفادة وضبط الأسعار وجودة الخدمات العمومية.

الحكومة والبرلمان 📅 24 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
وزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يتضمن إجراءات ضريبية واجتماعية لدعم القدرة الشرائية.

لم يعد السؤال المطروح بشأن مشروع قانون المالية لسنة 2027 مقتصراً على حجم الاعتمادات التي خصصتها الحكومة للقطاعات الاجتماعية، وإنما أصبح يتعلق بالفئات التي ستستفيد فعلياً من هذه الموارد، وبمدى قدرتها على تحسين ظروف العيش في بلد ما تزال فيه الفوارق الاجتماعية والمجالية تؤثر في توزيع الفرص والدخل والخدمات. فالأرقام التي قدمها وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، أمام البرلمان يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، تكشف عن توجه حكومي لتوسيع التدخل الاجتماعي وتخفيف بعض الأعباء الضريبية، لكنها تفتح في المقابل نقاشاً حول استدامة التمويل ونجاعة الإنفاق وحدود تأثير هذه التدابير على الحياة اليومية للمواطنين.

ويكتسي المشروع أهمية سياسية خاصة باعتباره أول اختبار مالي لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بعد حصولها على ثقة مجلس النواب. فبعد مرحلة تقديم البرنامج الحكومي والدفاع عن أولوياته، أصبحت الحكومة مطالبة بترجمة تعهداتها إلى موارد وإجراءات قابلة للتنفيذ والمراقبة. ومن هنا، لا يكفي تقييم مشروع الميزانية من خلال المبالغ المعلنة، بل ينبغي فحص العلاقة بين الإنفاق العمومي والنتائج الاجتماعية التي يُفترض أن يحققها.

إعفاءات ضريبية.. مكاسب متفاوتة بين الأجراء

من أبرز التدابير المعلنة في مشروع مالية 2027 مراجعة الضريبة على الدخل، بما يشمل إعفاء الأجور الشهرية الصافية التي تقل عن عشرة آلاف درهم ابتداءً من يناير 2027، وفق العرض الحكومي. وقد أكد الوزير أن هذا الإجراء سيجعل نحو 87 في المائة من الأجراء معفيين من هذه الضريبة، مع خفض المعدل الهامشي للشطر الأعلى من 37 إلى 30 في المائة.

ويشكل هذا التوجه تحولاً مهماً في السياسة الجبائية الموجهة إلى دخل العمل، لكنه يفرض التمييز بين المستفيدين من الأجر المصرح به والفئات التي لا يشملها هذا النوع من الإصلاح مباشرة. فالأجير الذي يؤدي ضريبة على الدخل يمكن أن يلاحظ تحسناً في أجره الصافي نتيجة الإعفاء أو التخفيض، بينما لا يحقق العامل غير المصرح به أو الشخص العاطل عن العمل المكسب نفسه.

كما أن نسبة الأجراء المعفيين لا تعني بالضرورة أن 87 في المائة من الأسر المغربية ستستفيد من زيادة في دخلها. فبعض الأجراء كانوا معفيين أصلاً بحكم انخفاض أجورهم، ولا يؤدي توسيع الإعفاء إلى زيادة تلقائية في دخل من لم يكن يؤدي الضريبة.

وتبرز هنا ضرورة نشر محاكاة رسمية توضح مقدار الزيادة الفعلية في الأجر الصافي حسب مستويات الدخل المختلفة، حتى يتبين أثر الإصلاح على الطبقة المتوسطة والأجراء ذوي الدخل المحدود، بعيداً عن الاكتفاء بالنسبة الإجمالية للمستفيدين.

الدعم الاجتماعي بين توسيع الاستفادة ودقة الاستهداف

يتضمن المشروع أيضاً توجهاً لرفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 600 درهم شهرياً في مرحلة أولى، مع الإعلان عن هدف بلوغ ألف درهم وفق مسار تدريجي. وتكتسب هذه الزيادة أهمية بالنسبة إلى الأسر التي تعتمد على الدعم لتغطية جزء من احتياجاتها الأساسية، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف الغذاء والسكن والنقل.

غير أن الأثر الحقيقي لهذا الإجراء لا يتوقف على قيمة المبلغ وحدها، بل يشمل شروط الاستحقاق وعدد المستفيدين وانتظام الصرف وقدرة منظومة الاستهداف على الوصول إلى الأسر الأكثر هشاشة. كما أن الانتقال التدريجي نحو احتساب الدخل المتاح للأسر يحتاج إلى قواعد واضحة وآليات تظلم فعالة، حتى لا تؤدي أخطاء التصنيف إلى إقصاء أسر محتاجة.

ولا ينبغي إغفال أن الدعم النقدي، مهما كانت ضرورته، يظل محدود الأثر إذا ارتفعت أسعار المواد والخدمات بوتيرة تستوعب الزيادة الممنوحة. ولهذا يرتبط نجاحه بسياسات موازية لضبط الأسواق وتحسين المنافسة وتقليص تكاليف التوزيع.

المعاشات والكهرباء.. إجراءات تحتاج إلى تحديد نطاقها

أعلنت الحكومة عن إجراءات تتعلق بالرفع التدريجي من الحد الأدنى لبعض معاشات التقاعد، إلى جانب تدابير لدعم الأسر في أداء فواتير الكهرباء الصغيرة. وتمثل هذه الإجراءات محاولة لتخفيف الأعباء عن فئات قد تكون أكثر تأثراً بارتفاع تكاليف المعيشة.

لكن تقييم عدالتها يقتضي معرفة شروط الاستفادة وحدود التغطية. فرفع الحد الأدنى للمعاش لا يعني بالضرورة زيادة متساوية لجميع المتقاعدين، كما أن دعم فاتورة الكهرباء لا يكفي وحده للحكم على وضع الأسرة الاقتصادي، بالنظر إلى اختلاف ظروف السكن والاستهلاك بين المناطق والفئات الاجتماعية.

ويظل من الضروري التمييز بين الإعلان السياسي عن التدبير وبين النص القانوني أو التنظيمي الذي يحدد كيفية تطبيقه. فمشروع قانون المالية ما يزال في المسار التشريعي، وبالتالي لا يجوز تقديم جميع الإجراءات المعلنة باعتبارها حقوقاً دخلت حيز التنفيذ بالفعل.

62 مليار درهم للالتزامات الاجتماعية.. ماذا عن النتائج؟

تشير المعطيات المقدمة بشأن المشروع إلى تخصيص نحو 62 مليار درهم لتحسين الخدمات الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية وتقليص الفوارق. كما تتجه الحكومة إلى رفع اعتمادات قطاع الصحة إلى نحو 45.5 مليار درهم، والتعليم إلى نحو 121 مليار درهم.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الرهان المالي الموضوع على القطاعات الاجتماعية، لكنها لا تسمح بمفردها باستخلاص نتيجة بشأن جودة الخدمات أو مدى استفادة المواطنين منها. فالزيادة في ميزانية الصحة، مثلاً، تحتاج إلى أن تُترجم إلى أطر طبية وتمريضية وتجهيزات وخدمات متاحة، خصوصاً في المناطق التي تعاني نقصاً في العرض الصحي.

والأمر نفسه ينطبق على التعليم، حيث لا يكفي ارتفاع الإنفاق للحكم على نجاح الإصلاح ما لم يترافق مع تحسن في التعلمات والحد من الهدر المدرسي وتقليص التفاوتات بين المؤسسات والجهات.

وتكمن الإشكالية الأساسية في الانتقال من قياس المجهود المالي إلى قياس الأثر الاجتماعي. فالمواطن لا يقيم الخدمة العمومية من خلال الميزانية المخصصة لها، وإنما من خلال جودتها وإمكانية الوصول إليها والتكلفة التي يتحملها للحصول عليها.

التشغيل.. هل تكفي المناصب المالية لمواجهة البطالة؟

يتضمن مشروع قانون المالية إحداث 34 ألفاً و454 منصباً مالياً، يوجه الجزء الأكبر منها إلى الوزارات والمؤسسات العمومية. ويستجيب هذا التوجه لحاجيات إدارية وقطاعية، ولا سيما في المجالات التي تتطلب تعزيز الموارد البشرية.

غير أن المناصب المالية لا يمكن اعتبارها حلاً شاملاً لإشكالية البطالة، لأن سوق العمل يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل منتجة ومستقرة خارج الوظيفة العمومية. كما أن ارتفاع عدد المناصب المحدثة لا يوضح بمفرده صافي الزيادة في عدد الموظفين بعد احتساب الإحالات على التقاعد والمغادرات.

وتواجه الحكومة هنا اختباراً يتجاوز التوظيف المباشر إلى دعم المقاولات والاستثمار المنتج وتحسين ملاءمة التكوين مع احتياجات سوق الشغل. ويصبح هذا الاختبار أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الشباب الحاصلين على شهادات، والنساء، وسكان المجالات التي تعاني ضعف النشاط الاقتصادي.

بين النمو المتوقع والانضباط المالي

تستند الحكومة في إعداد مشروع مالية 2027 إلى فرضية نمو اقتصادي تبلغ 3.7 في المائة، مقابل نمو متوقع بنسبة 4.7 في المائة خلال سنة 2026. كما تتوقع معدل تضخم في حدود 1.5 في المائة، مع استهداف عجز في الميزانية يعادل 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

وتعكس هذه الفرضيات محاولة للتوفيق بين توسيع الالتزامات الاجتماعية والمحافظة على التوازنات المالية. غير أن تحقيقها يبقى مرتبطاً بتطور النشاط الاقتصادي والموسم الفلاحي والأسعار الدولية والطلب الخارجي، وهي عوامل قد تختلف نتائجها عن التوقعات المعتمدة عند إعداد الميزانية.

ولا يعني استقرار العجز المالي بالضرورة تحسن القدرة الشرائية، كما أن ارتفاع النمو لا يضمن توزيع ثماره بصورة متوازنة. ولهذا ينبغي تقييم السياسة المالية من خلال قدرتها على تحقيق الاستقرار الاقتصادي دون تحميل الفئات محدودة الدخل أعباء غير متناسبة.

من يستفيد ومن يبقى خارج دائرة الإصلاح؟

إذا جرى تنفيذ التدابير المعلنة وفق الشروط التي قدمتها الحكومة، فمن المنتظر أن تستفيد فئات من الأجراء الخاضعين للضريبة على الدخل، وبعض المتقاعدين، والأسر المستحقة للدعم الاجتماعي، إضافة إلى المستفيدين من الخدمات العمومية التي ستشهد تعزيزاً للموارد.

لكن حجم الاستفادة سيختلف من فئة إلى أخرى. فالعامل في القطاع غير المهيكل، والعاطل عن العمل، والأسرة التي لا تستوفي معايير الدعم رغم هشاشة وضعها، قد لا تحصل على مكاسب مباشرة مماثلة لتلك التي يحققها الأجير المستفيد من التخفيض الضريبي.

ويبرز كذلك البعد المجالي للإصلاح. فالاعتمادات الموجهة إلى الصحة والتعليم والاستثمار لا تحقق الأثر نفسه في جميع الجهات إذا لم تُراعَ الفوارق القائمة في البنيات الأساسية والموارد البشرية وفرص التشغيل.

ومن ثم، فإن عدالة الميزانية لا تقاس فقط بحجم الموارد المخصصة للسياسات الاجتماعية، وإنما أيضاً بمدى وصولها إلى الفئات والمناطق التي تحتاج إليها أكثر من غيرها.

مالية 2027 أمام اختبار التنفيذ والمحاسبة

يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2027 حزمة من التدابير التي يمكن أن تخفف أعباء عن فئات واسعة من المواطنين، غير أن قيمتها الفعلية لن تتحدد قبل استكمال المسار التشريعي وصدور المقتضيات اللازمة للتطبيق وظهور النتائج الأولى على الدخل والخدمات.

وتتحمل الحكومة مسؤولية تقديم بيانات مفصلة حول المستفيدين والكلفة المالية والآجال ومؤشرات التقييم، بينما يقع على البرلمان واجب فحص الفرضيات ومراقبة التنفيذ والتأكد من أن الاعتمادات المعلنة تحقق الغايات الاجتماعية المخصصة لها.

فالمسألة لا تتعلق بالاختيار بين الإشادة بالإجراءات الحكومية أو رفضها مسبقاً، وإنما بإخضاعها لمعيار أكثر صرامة: مقدار التحسن الذي ستحدثه في معيشة الأسر، ومدى إنصافها للفئات الأقل استفادة من النمو الاقتصادي.

وبين لغة الأرقام التي تقدمها الحكومة والواقع الذي يعيشه المواطن، ستتحدد حصيلة مالية 2027. وإذا كانت الميزانية تعكس أولويات السلطة التنفيذية، فإن نتائجها الاجتماعية هي التي ستكشف مدى قدرتها على تحويل تلك الأولويات إلى سياسات عادلة وفعالة.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً