لم يكن رد رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري على مداخلات أعضاء مجلس المستشارين، الأربعاء 21 أكتوبر 2026، مجرد دفاع عن برنامج حكومي تعرض لانتقادات المعارضة، بل شكل محاولة لتحديد الهوية السياسية لحكومة ما زالت في بداية مسارها المؤسساتي. فقد اختارت المنصوري مواجهة الأسئلة المثارة حول تشكيل فريقها الوزاري ومشروع قانون المالية لسنة 2027 واستمرار بعض السياسات السابقة، مؤكدة أن حكومتها تستند إلى اختيارات سياسية واضحة، وأنها لا تدعي امتلاك حلول فورية لجميع المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن أهمية هذا الرد لا تتوقف عند قوة الحجج التي قدمتها رئيسة الحكومة أو حدة انتقادات خصومها، وإنما ترتبط بمدى قدرتها على توضيح الحدود الفاصلة بين الوعود والالتزامات، وبين تصحيح الأخطاء وتحمل المسؤولية عنها. فالمواطن الذي تابع تشكيل الحكومة وما رافقه من جدل لا ينتظر فقط تفسير القرارات السياسية، بل يريد معرفة ما الذي سيتغير في حياته اليومية، وكيف ستنعكس الخيارات الجديدة على الدخل والعمل والخدمات العمومية.
إعفاء مديحة خيير.. سرعة التصحيح لا تعفي من سؤال التحقق
شكلت قضية إعفاء الوزيرة مديحة خيير، بعد فترة وجيزة من تعيينها، إحدى أبرز النقاط التي تناولتها المنصوري في ردها البرلماني. فقد أوضحت أن المعطيات التي أثارت التساؤلات بشأن الوضعية السابقة للوزيرة لم تكن متاحة للحكومة عند تشكيلها، وأنها بادرت إلى طلب إعفائها فور الاطلاع عليها، معتبرة أن القرار يعكس القدرة على تحمل المسؤولية وليس الارتباك.
ومن حيث المبدأ، يمكن اعتبار مراجعة قرار التعيين عند ظهور معلومات مؤثرة ممارسة مسؤولة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمناصب تتصل بتدبير المال العام. لكن سرعة التصحيح لا تلغي الحاجة إلى معرفة الكيفية التي جرى بها فحص ملفات المرشحين قبل التعيين، ولا توضح ما إذا كانت هناك إجراءات مؤسساتية ستُعتمد لمنع تكرار وضع مماثل.
وتزداد أهمية هذا السؤال لأن المنصوري ربطت هوية حكومتها بالنزاهة والوضوح واستعادة ثقة المواطنين. فالشفافية لا تقتصر على الإعلان عن تصحيح القرار، وإنما تشمل أيضاً تقديم تفسير كافٍ للثغرات التي سمحت بحدوث المشكلة، دون المساس بقرينة البراءة أو تحويل الشبهات غير المثبتة إلى أحكام نهائية.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي: هل ستتحول هذه الواقعة إلى فرصة لمراجعة معايير اختيار المسؤولين، أم ستظل حادثاً سياسياً أُغلق بإعفاء الوزيرة المعنية؟
مشروع مالية 2027.. احترام الآجال لا ينهي النقاش الدستوري
دافعت رئيسة الحكومة عن مصادقة مجلسها على مشروع قانون المالية لسنة 2027 وإيداعه قبل استكمال مسطرة التنصيب البرلماني، موضحة أن الحكومة كانت مطالبة باحترام الأجل القانوني المحدد في 20 أكتوبر لإيداع المشروع لدى مجلس النواب. كما ميزت بين إيداع النص وبين انطلاق مناقشته داخل المؤسسة التشريعية.
وتستند هذه الحجة إلى ضرورة الحفاظ على انتظام المسار المالي للدولة وتجنب التأخر في إعداد الميزانية. غير أن احترام الأجل لا يحسم بمفرده جميع الأسئلة القانونية التي أثارتها هذه الخ
