لم تكن مناقشة البرنامج الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري بمجلس المستشارين مجرد مواجهة اعتيادية بين أغلبية تدافع عن اختياراتها ومعارضة تبحث عن ثغراتها. فقد كشفت المداخلات البرلمانية عن مفارقة سياسية لافتة، تتمثل في انتقال حزب التجمع الوطني للأحرار من قيادة الحكومة السابقة إلى موقع المعارضة، في وقت اختارت فيه الأغلبية الجديدة تقديم نفسها باعتبارها عنواناً للتغيير، دون أن تتضح بعد الحدود الفاصلة بين ما تعتزم الاستمرار فيه وما تريد مراجعته من السياسات العمومية.
وتجسدت هذه المفارقة في مداخلة محمد البكوري، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين، الذي وجه انتقادات إلى برنامج الحكومة الجديدة، معتبراً أنه لا يقدم تحولاً واضحاً في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، ولا يحدد بالقدر الكافي وسائل تمويل الالتزامات المعلنة أو آجال تنفيذها. وامتدت ملاحظاته إلى الدعم الاجتماعي والتشغيل والتقاعد والخدمات العمومية، في أول اختبار بارز للعلاقة بين الحكومة الجديدة والحزب الذي أصبح في صفوف المعارضة.
غير أن أهمية هذه المواجهة لا تنحصر في حدة الخطاب المتبادل، بل في الأسئلة التي تثيرها حول المسؤولية السياسية واستمرارية السياسات العمومية. فالحكومة مطالبة بإثبات أن خطاب التغيير يتضمن إجراءات قابلة للتنفيذ، بينما يتعين على المعارضة أن توضح أين تنتهي مسؤوليتها عن حصيلة المرحلة السابقة وأين يبدأ مشروعها البديل.
برنامج جديد أم إعادة ترتيب لأولويات قديمة؟
قدمت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري برنامجها أمام البرلمان يوم الاثنين 19 أكتوبر، باعتباره تعاقداً سياسياً ومؤسساتياً يضع القدرة الشرائية والتشغيل والتعليم والصحة والعدالة المجالية في مقدمة الأولويات. وأكدت أن الحكومة تريد الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن حجم الاستثمار إلى قياس مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها وأثرها في حياة المواطنين.
ويحمل هذا التوجه اعترافاً ضمنياً بأن توسيع البرامج العمومية وإطلاق الاستثمارات لا يكفيان إذا لم تنعكس نتائجهما على مستوى المعيشة والخدمات. لكن الاعتراف بوجود فجوة بين المؤشرات الاقتصادية والتجربة اليومية للمواطنين لا يجيب وحده عن كيفية معالجتها، ولا يحدد الموارد التي ستُخصص لتقليصها.
ومن هذه الزاوية، تبدو مطالبة المعارضة بتوضيح الجدولة الزمنية ومصادر التمويل مشروعة من حيث المبدأ، لأن البرنامج الحكومي لا ينبغي أن يظل مجموعة من الأهداف العامة. غير أن صدقية هذا المطلب تتوقف أيضاً على قدرة المعارضة على تقديم تقييم موضوعي للسياسات السابقة، بما فيها تلك التي ساهمت في إعدادها أو تنفيذها.
فالتجمع الوطني للأحرار لا يدخل المعارضة من موقع حزب كان بعيداً عن المسؤولية التنفيذية. لقد قاد الحكومة السابقة، وشارك في تحديد توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك فإن انتقاده لاستمرار بعض تلك التوجهات يفرض عليه تفسير ما الذي تغير في تقييمه لها، وما البدائل التي يقترحها اليوم.
القدرة الشرائية.. الخلاف حول المبلغ يخفي سؤال الأثر
احتل الدعم الاجتماعي المباشر موقعاً بارزاً في الانتقادات الموجهة إلى البرنامج الحكومي. فقد أثار رئيس الفريق التجمعي مسألة الانتقال من 500 إلى 1000 درهم، معتبراً أن ربط بلوغ المستوى الأعلى بنهاية الولاية الحكومية يثير أسئلة بشأن توقيت تنفيذ الالتزام.
وتتجاوز أهمية هذا النقاش المبلغ المعلن، لأن أثر الدعم على معيشة الأسر يتوقف على عوامل متعددة، من بينها شروط الاستفادة وتطور الأسعار وحجم الأسرة واستقرار الدخل. فقد تؤدي زيادة مالية إلى تحسين جزئي في القدرة الشرائية، لكنها لا تعوض بالضرورة ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والنقل والخدمات الأساسية.
كما أن الإعلان عن هدف اجتماعي في أفق نهاية الولاية لا يوضح مقدار الزيادة السنوية ولا عدد الأسر التي ستستفيد منها ولا الاعتمادات اللازمة لتمويلها. ومن ثم، فإن تقييم الالتزام يقتضي نشر مسار تنفيذي واضح يسمح بتتبع ما تحقق في كل سنة.
وفي المقابل، لا يمكن للمعارضة أن تتعامل مع أزمة القدرة الشرائية باعتبارها نتيجة حصرية للبرنامج الجديد الذي لم يبدأ تنفيذه بعد. فمستوى الأسعار والدخل الذي تواجهه الأسر اليوم هو حصيلة عوامل اقتصادية وسياسات متراكمة، بعضها يعود إلى الفترة التي كان فيها الحزب المعارض حالياً يقود العمل الحكومي.
وهنا تظهر الحاجة إلى نقاش يتجاوز تبادل الاتهامات، ويحدد بدقة الإجراءات التي يمكن اتخاذها على المدى القصير، إلى جانب الإصلاحات الضرورية لمعالجة الأسباب البنيوية لضعف القدرة الشرائية.
مليون منصب شغل.. كيف يتحول الوعد إلى فرص فعلية؟
امتدت انتقادات المعارضة إلى هدف إحداث مليون منصب شغل، وإلى مدى كفاية برامج التكوين والتدريب المقترحة لمعالجة البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب الحاصلين على الشهادات.
ويطرح هذا الملف إشكالاً يتكرر في البرامج الحكومية المتعاقبة، حيث يجري الإعلان عن أهداف رقمية كبيرة دون أن تتضح دائماً طبيعة الوظائف المرتقبة أو القطاعات التي ستحدثها أو التوزيع الجغرافي للفرص الجديدة.
فالتشغيل ليس مجرد عدد يضاف إلى الحصيلة الحكومية، وإنما يرتبط بجودة العمل واستقراره والأجور والحماية الاجتماعية. كما أن برامج التكوين لا تتحول تلقائياً إلى فرص شغل إذا لم تتوفر مقاولات قادرة على التوظيف واستثمارات منتجة تستجيب لمؤهلات الخريجين.
ولهذا فإن اختبار هدف المليون منصب ينبغي أن يبدأ بتحديد المقصود بالوظائف الجديدة، والتمييز بين فرص العمل الصافية والمناصب التي تعوض وظائف مفقودة، فضلاً عن نشر مؤشرات دورية تسمح بقياس التقدم الفعلي.
أما المعارضة، فإذا أرادت تقديم نقد يتجاوز التشكيك في الأرقام، فستكون مطالبة بتوضيح البدائل الاقتصادية التي تعتبرها أكثر قدرة على إحداث فرص عمل مستدامة، ومدى اختلافها عن البرامج التي دافعت عنها خلال الولاية السابقة.
التقاعد والصحة والتعليم.. إصلاحات لا تحتمل تغيير الخطاب فقط
أثار الفريق التجمعي أيضاً غياب جدول زمني واضح لإصلاح أنظمة التقاعد، محذراً من أن استمرار التأجيل قد يزيد كلفة المعالجة. كما دعا إلى استكمال الأوراش الصحية والتعليمية التي انطلقت خلال السنوات الماضية، ومنها تأهيل المراكز الصحية وتطوير البنيات الاستشفائية وتعزيز الموارد البشرية.
وتكشف هذه الملاحظات أن جزءاً من النقاش يتعلق بإصلاحات لا يمكن اختزالها في حدود ولاية حكومية واحدة. فأنظمة التقاعد والمستشفيات والمدارس تحتاج إلى استمرارية مؤسساتية وتمويل متدرج وتقييم دوري للنتائج.
لكن الاستمرارية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للإبقاء على الاختلالات، كما أن إعلان القطيعة مع الحكومة السابقة لا يكفي لتبرير التخلي عن برامج ثبتت فائدتها. فالمعيار الأجدى هو تحديد ما تحقق فعلياً، وما تعثر، وما يحتاج إلى تصحيح.
وفي قطاع الصحة، مثلاً، لا يكفي الإعلان عن تأهيل المؤسسات إذا لم تتوفر الأطر الطبية وشروط التشغيل والتجهيزات الضرورية. كما أن تحسين المدرسة العمومية لا يقاس فقط بعدد المؤسسات أو البرامج، وإنما بنتائج التعلم وتقليص الهدر المدرسي والفوارق بين الجهات.
وإذا كانت الحكومة الجديدة تريد إقناع المواطنين بجدية توجهها الاجتماعي، فإن عليها تقديم حصيلة مرجعية واضحة لهذه القطاعات، ثم تحديد الأهداف التي تلتزم بتحقيقها خلال آجال معلومة. وفي المقابل، ينبغي أن تخضع الحصيلة السابقة للمساءلة نفسها، بصرف النظر عن الموقع السياسي الحالي للأحزاب التي أشرفت عليها.
مكافحة الفساد.. امتحان يتجاوز التعهدات السياسية
حضرت قضايا تضارب المصالح والإثراء غير المشروع ضمن النقاش بشأن البرنامج الحكومي، بعدما أعلنت الأغلبية الجديدة رغبتها في تعزيز النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتكتسب هذه الالتزامات أهمية خاصة لأن مكافحة الفساد تمثل أحد المجالات التي يسهل فيها الاتفاق على الشعارات، بينما تظهر الخلافات عند الانتقال إلى القواعد القانونية وآليات المراقبة والإفصاح والمساءلة.
فالحديث عن مواجهة تضارب المصالح يقتضي تحديد الإجراءات التي ستُعتمد لمنع تداخل المسؤوليات العمومية مع المصالح الخاصة، والجهات التي ستتولى مراقبة الالتزام بها، والجزاءات المترتبة على المخالفات. كما أن إعادة فتح ملف الإثراء غير المشروع تحتاج إلى نقاش تشريعي واضح يحترم الضمانات القانونية ويحقق في الوقت نفسه متطلبات النزاهة.
ولا يمكن الحكم مسبقاً على جدية الحكومة أو المعارضة في هذا المجال اعتماداً على تصريحاتها وحدها. فالاختبار سيكون في النصوص التي ستقدم إلى البرلمان، والتعديلات التي ستقبلها الأطراف السياسية، ومدى استعدادها لتطبيق المعايير نفسها على مختلف المسؤولين دون انتقائية.
معارضة الأمس في الحكومة وحكومة اليوم في موقع الاختبار
تكشف المواجهة الحالية عن إعادة توزيع للأدوار السياسية أكثر مما تكشف، حتى الآن، عن اختلاف مكتمل بين مشروعين اقتصاديين واجتماعيين. فبعض أحزاب الأغلبية الحالية شاركت في تدبير الشأن الحكومي سابقاً، بينما أصبح الحزب الذي قاد الحكومة الماضية في موقع مساءلة الاختيارات التي يراها مستمرة في البرنامج الجديد.
ولا يمثل هذا الانتقال في حد ذاته خللاً ديمقراطياً، لأن التداول على المسؤولية وتغير التحالفات جزء من الحياة البرلمانية. لكن المشكلة تظهر عندما يتعامل كل طرف مع موقعه الجديد كما لو أنه يعفيه من مساءلة مواقفه السابقة.
فالمعارضة مسؤولة عن تقديم نقد موثق وبدائل قابلة للنقاش، لا عن اعتبار كل ما تفعله الحكومة خطأ لمجرد انتقالها إلى خارج الأغلبية. والحكومة مسؤولة عن توضيح خياراتها وتحمل نتائجها، لا عن الاكتفاء بالقول إنها ورثت اختلالات المرحلة السابقة.
وتزداد أهمية هذه المسؤولية في ظل انتظار المواطنين نتائج ملموسة في التشغيل والأسعار والخدمات العمومية. فالمنافسة الحزبية قد تنتج خطاباً سياسياً حاداً، لكنها لا تصبح ذات قيمة اجتماعية إلا عندما تساعد على كشف الاختلالات وتحسين القرارات العمومية.
من يكسب النقاش ومن يربح المواطن؟
لا يمكن اعتبار المواجهة البرلمانية الحالية حكماً نهائياً على حكومة لم تستكمل بعد المسار البرلماني المرتبط ببرنامجها، كما لا يمكن التعامل مع انتقادات المعارضة باعتبارها دليلاً كافياً على فشل اختيارات لم تدخل جميعها حيز التنفيذ.
لكن من المشروع إخضاع البرنامج منذ البداية لاختبار الدقة والواقعية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتزامات تمس الحياة اليومية للأسر. فالمواطن يحتاج إلى معرفة ما الذي سيتغير في دخله وخدماته وفرص عمله، ومتى سيحدث ذلك، وكيف ستُموَّل الإجراءات المعلنة.
وإذا كانت الحكومة الجديدة تطالب بمنحها فرصة لإثبات قدرتها على الإصلاح، فإن هذه الفرصة لا تعني تعليق المساءلة. كما أن انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة لا يمنحه إعفاءً من المسؤولية السياسية عن حصيلة المرحلة السابقة.
لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه النقاش ليس أي طرف انتصر في المواجهة البرلمانية، بل ما إذا كانت هذه المواجهة ستدفع الحكومة إلى تقديم التزامات أدق، والمعارضة إلى اقتراح بدائل أكثر وضوحاً، والبرلمان إلى ممارسة رقابة قادرة على قياس النتائج.
فالمغاربة لا ينتظرون مجرد تغيير في مواقع الأحزاب أو في نبرة خطاباتها. ما ينتظرونه هو تحول يمكن ملاحظته في القدرة الشرائية والتشغيل وجودة المدرسة والمستشفى والخدمات العمومية. وبين الوعود الانتخابية والبرنامج الحكومي والتنفيذ الفعلي، ستتحدد صدقية الحكومة والمعارضة معاً.
