لم يعد تتويج المنتخب المغربي لكرة القدم داخل القاعة بلقب كأس أمم إفريقيا حدثاً استثنائياً بالمعنى الذي كان عليه قبل سنوات، بل أصبح امتداداً لمسار رياضي استطاع خلال عقد كامل أن يحول المنافسة على البطولة القارية إلى ممارسة منتظمة. فقد أحرز المنتخب الوطني، مساء الأربعاء 21 أكتوبر 2026، لقبه الإفريقي الرابع على التوالي، عقب فوزه على أنغولا بخمسة أهداف مقابل هدفين في المباراة النهائية التي احتضنتها القاعة المغطاة بمركب الأمير مولاي عبد الله في الرباط.
ويمنح هذا التتويج المغرب موقعاً منفرداً في تاريخ المسابقة، بعدما أصبح أول منتخب يحرز اللقب أربع مرات متتالية، متجاوزاً الرصيد التاريخي لمصر التي توجت بالنسخ الثلاث الأولى. غير أن أهمية الإنجاز لا تكمن في الرقم وحده، وإنما في قدرة المنتخب المغربي على المحافظة على مستواه التنافسي، وتجديد حضوره القاري، والتعامل مع الضغوط التي تفرضها عليه صفة المرشح الأول للفوز.
وقد قدم المنتخب، بقيادة المدرب هشام الدكيك، بطولة اتسمت بفعالية هجومية واضحة وانضباط دفاعي لافت، بعدما تجاوز دور المجموعات بالعلامة الكاملة، ثم تخطى مصر في نصف النهائي قبل أن يحسم النهائي أمام أنغولا. وبذلك انتهت مشاركته بخمسة انتصارات متتالية، في مسار يعكس فارقاً في التنظيم والجاهزية، لكنه يضع أيضاً مسؤولية جديدة على القائمين على اللعبة للحفاظ على المكتسبات وتوسيع قاعدتها.
نهائي أنغولا.. عندما اختُبرت قدرة المنتخب على الرد
لم تكن المباراة النهائية مجرد امتداد للانتصارات العريضة التي حققها المنتخب المغربي في الأدوار السابقة. فقد أظهر المنتخب الأنغولي قدرة على مجاراة إيقاع المواجهة خلال فترات من الشوط الأول، ونجح في فرض اختبار حقيقي على أصحاب الأرض، خصوصاً بعدما رد سريعاً على هدف التقدم المغربي.
وافتتح عثمان الإدريسي التسجيل في الدقيقة السابعة عشرة، قبل أن يدرك جواو كامبانغولا التعادل لأنغولا بعد دقيقة واحدة. ولم يتأخر الرد المغربي، إذ أعاد يوسف جواد التقدم في الدقيقة التاسعة عشرة، لينهي المنتخب الوطني الشوط الأول متقدماً بهدفين مقابل هدف واحد.
وكشفت هذه الدقائق عن جانب مهم من شخصية المنتخب المغربي، يتمثل في القدرة على استعادة التوازن بعد استقبال هدف، دون التخلي عن التنظيم أو الاندفاع بصورة تفقد الفريق سيطرته على المباراة. فقد حافظ اللاعبون على حضورهم الهجومي، واستثمروا الفرص التي أتيحت لهم في اللحظات الحاسمة.
ومع بداية الشوط الثاني، عزز إدريس الرايس الفني النتيجة بالهدف الثالث في الدقيقة الحادية والعشرين، قبل أن يضيف إسماعيل أمزال الهدف الرابع في الدقيقة الثالثة والثلاثين، ويسجل بلال البقالي الهدف الخامس بعد دقيقتين. أما الهدف الأنغولي الثاني، الذي أحرزه أندرسون فورتس في الدقيقة السابعة والثلاثين، فلم يغير من مسار المواجهة التي انتهت بفوز المغرب بخمسة أهداف مقابل هدفين.
وإذا كانت النتيجة تعكس التفوق المغربي، فإن استقبال هدفين في النهائي بعد أربع مباريات بشباك نظيفة يذكر بأن قوة المنتخب لا تعني غياب نقاط تستحق الدراسة. فالنجاح الرياضي المستدام يقوم أيضاً على مراجعة المباريات التي تنتهي بالانتصار، لا على تحليل الهزائم وحدها.
خمسة انتصارات.. أرقام تكشف حجم التفوق
دخل المنتخب المغربي البطولة باعتباره حامل اللقب والمرشح الأبرز للاحتفاظ به، وهو وضع يفرض ضغوطاً مختلفة عن تلك التي تواجه المنتخبات الباحثة عن مفاجأة. فالمنافسون يستعدون لمواجهة البطل، ويحاولون تقليص المساحات أمام لاعبيه، بينما يصبح الفوز بالنسبة إليه مطلباً أساسياً لا مجرد احتمال.
ورغم هذه الضغوط، أنهى المنتخب المغربي الدور الأول في صدارة مجموعته بتسع نقاط، بعد انتصاره على الجزائر بأربعة أهداف دون مقابل، وعلى زامبيا بسبعة أهداف نظيفة، ثم على ليبيا بستة أهداف دون رد. وفي نصف النهائي، تجاوز مصر بستة أهداف دون مقابل، قبل أن يختتم البطولة بالفوز على أنغولا.
وتظهر الحصيلة النهائية أن المنتخب سجل ثمانية وعشرين هدفاً في خمس مباريات، مقابل هدفين استقبلتهما شباكه، وهو فارق يعكس فعالية هجومية كبيرة وقدرة على الحد من فرص المنافسين.
لكن قراءة هذه الأرقام ينبغي ألا تتوقف عند حجم الانتصارات، لأن القيمة الفنية للبطولة تكمن أيضاً في طريقة إدارة المباريات، والتعامل مع اختلاف أساليب الخصوم، والمحافظة على التركيز طوال المنافسة.
كما أن اتساع الفارق بين المنتخب المغربي وعدد من منافسيه الأفارقة يطرح سؤالاً يتجاوز المنتخب نفسه، يتعلق بمستوى المنافسة القارية ومدى قدرتها على توفير اختبارات كافية استعداداً للمواجهات العالمية الأكثر تعقيداً.
هشام الدكيك.. الاستقرار التقني بوصفه خياراً ناجحاً
يصعب تحليل المسار المغربي في كرة القدم داخل القاعة دون التوقف عند دور هشام الدكيك، الذي ارتبط اسمه بمرحلة صعود المنتخب وترسيخ حضوره في المنافسات الإفريقية والدولية.
فالتتويج الرابع ليس نتيجة إعداد قصير لبطولة واحدة، وإنما ثمرة استمرارية تقنية سمحت ببناء هوية لعب واضحة، وتطوير الانسجام بين اللاعبين، وتراكم الخبرة في التعامل مع المباريات الحاسمة.
وقد أكد الدكيك عقب التتويج أن العمل الجاد والتطوير المستمر للأداء يمثلان عنصرين أساسيين في نجاح المنتخب. وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من كون الاستقرار التقني لا يعني الجمود، بل يفترض القدرة على مراجعة الاختيارات وتطويرها وفق تغير المنافسين ومتطلبات اللعبة.
غير أن نجاح المدرب لا ينبغي أن يحجب أهمية بقية عناصر المنظومة، من لاعبين وأطر تقنية وطبية وإدارية، أو أن يؤدي إلى اختزال التجربة في شخص واحد. فالمنظومات الرياضية الناجحة هي التي تستطيع الحفاظ على مستوى الأداء حتى مع تغير الأجيال والأسماء.
ومن ثم، فإن القيمة الأعمق لتجربة المنتخب المغربي ستظهر في مدى قدرتها على إنتاج كفاءات جديدة، ونقل المعرفة الفنية إلى الأندية والفئات العمرية، وتحويل الخبرة المتراكمة إلى أساليب عمل مؤسساتية قابلة للاستمرار.
من المنتخب إلى الأندية.. هل يستفيد الجميع من النجاح؟
تثير الهيمنة القارية للمنتخب المغربي سؤالاً أساسياً يتعلق بمدى انعكاسها على واقع كرة القدم داخل القاعة في مختلف المدن المغربية. فنجاح المنتخب الأول يمثل واجهة بارزة للعبة، لكنه لا يقدم بمفرده صورة مكتملة عن أوضاع الأندية والبنيات الرياضية والتكوين القاعدي.
وتحتاج المحافظة على المستوى الحالي إلى بطولة وطنية قوية، وأندية تتمتع بحد أدنى من الاستقرار المالي والإداري، ومراكز تكوين قادرة على اكتشاف المواهب وصقلها، فضلاً عن قاعات رياضية تتيح ممارسة اللعبة بصورة منتظمة.
كما أن توسيع القاعدة الجغرافية للفوتسال يمكن أن يساهم في اكتشاف لاعبين جدد خارج المراكز التقليدية، خصوصاً في المدن الصغيرة والمناطق التي لا تتوفر فيها فرص رياضية كافية.
ولا يتعلق الأمر فقط بزيادة عدد الممارسين، وإنما بتحسين نوعية التأطير والتكوين والتحكيم والطب الرياضي. فكلما اتسعت قاعدة الممارسة المنظمة، ارتفعت قدرة المنتخب على تجديد صفوفه ومواجهة الإصابات أو تراجع مستوى بعض اللاعبين دون التأثير في توازنه العام.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الرياضية في جعل النجاح الدولي فرصة لتطوير اللعبة محلياً، بدلاً من الاكتفاء باستثماره في الاحتفالات والنتائج الآنية.
الهيمنة الإفريقية لا تعفي من اختبار المستوى العالمي
أثبت المنتخب المغربي أنه أصبح المرجع الأبرز لكرة القدم داخل القاعة في إفريقيا، لكن الانتقال من التفوق القاري إلى المنافسة المستمرة على الألقاب العالمية يمثل تحدياً مختلفاً.
فالمباريات أمام المنتخبات الكبرى عالمياً تتطلب سرعة أكبر في اتخاذ القرار، ودقة أعلى في التعامل مع المساحات الضيقة، وقدرة على المحافظة على التركيز أمام خصوم يتمتعون بخبرة تكتيكية واسعة.
ولهذا فإن النتائج الإفريقية، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تكون المعيار الوحيد لتقييم التطور الفني. فالمطلوب هو توسيع الاحتكاك بمدارس لعب متنوعة، وإجراء مباريات إعدادية ذات مستوى مرتفع، ومواصلة الاستثمار في التحليل التقني والبدني والنفسي.
كما أن المنتخب مطالب بتجنب الاكتفاء بما تحقق، لأن المنافسين يطورون أساليبهم باستمرار، ولأن الحفاظ على موقع متقدم يصبح أكثر صعوبة كلما ارتفعت التوقعات.
وإذا كان اللقب الرابع يؤكد نجاح التجربة الحالية، فإن التحدي المقبل هو إثبات قدرتها على التطور في بيئة تنافسية أشد تعقيداً، دون أن تفقد الخصائص التي صنعت تفوقها.
الإنجاز الرياضي والمساءلة.. وجهان لنجاح واحد
من الطبيعي أن يحظى تتويج المنتخب المغربي باحتفاء جماهيري ورسمي واسع، خصوصاً أنه يعزز حضور الرياضة الوطنية على المستوى القاري. لكن الاحتفاء لا ينبغي أن يلغي النقاش حول السياسات التي يمكن أن تجعل هذه النتائج قابلة للاستمرار.
فالرياضة، مثل بقية القطاعات العمومية، تحتاج إلى تقييم للموارد والبرامج والنتائج، وإلى وضوح في توزيع المسؤوليات بين المؤسسات والجامعات والأندية. كما أن نجاح منتخب بعينه لا يعني بالضرورة أن جميع مستويات الممارسة الرياضية تستفيد بالقدر نفسه من الاستثمار والتأطير.
وتكمن أهمية التجربة المغربية في الفوتسال في أنها تقدم نموذجاً يستحق الدراسة، لا مجرد نتيجة تستحق الإشادة. فالتراكم التقني والاستقرار والتكوين والمنافسة المنظمة عناصر يمكن الاستفادة منها عند التفكير في تطوير رياضات أخرى، مع مراعاة خصوصية كل تخصص.
غير أن تحويل التجربة إلى نموذج يتطلب توفر معطيات واضحة بشأن منظومة التكوين وعدد الممارسين والبنيات المتاحة وتوزيعها الجغرافي، حتى يصبح النقاش مبنياً على مؤشرات قابلة للفحص، لا على الانطباعات التي تصاحب لحظات التتويج.
اللقب الرابع بداية مسؤولية جديدة
كتب المنتخب المغربي لكرة القدم داخل القاعة صفحة جديدة في تاريخ الرياضة الإفريقية، بعدما أحرز لقبه الرابع على التوالي وأكد قدرته على المحافظة على موقع الصدارة. وقد جاء التتويج نتيجة مسار تنافسي واضح، جمع بين الفعالية الهجومية والانضباط الدفاعي والاستقرار التقني.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لن تتحدد بعدد الكؤوس وحده، بل بما سيتركه من أثر على مستقبل اللعبة في المغرب. فالبطولة القارية تمنح المنتخب اعترافاً مستحقاً، بينما يظل تطوير الأندية والتكوين والبنيات الرياضية شرطاً لتحويل التفوق الحالي إلى قوة مستدامة.
لقد نجح أسود القاعة في إثبات أنهم الأفضل إفريقياً للمرة الرابعة المتتالية. أما السؤال الذي ينبغي أن يشغل المسؤولين عن الرياضة المغربية بعد انتهاء الاحتفالات، فهو كيف يمكن الحفاظ على هذه المكانة، وتوسيع قاعدة المستفيدين من النجاح، والانتقال من الهيمنة القارية إلى منافسة عالمية أكثر انتظاماً.
فالتتويج الرابع يمثل حصيلة مرحلة ناجحة، لكنه ينبغي أن يكون أيضاً نقطة انطلاق لمرحلة أكثر طموحاً.
