لم يكن حصول حكومة فاطمة الزهراء المنصوري على ثقة مجلس النواب، مساء الخميس 22 أكتوبر 2026، مجرد استكمال لإجراء دستوري ينهي مرحلة تشكيل السلطة التنفيذية. فقد شكل التصويت بداية مرحلة سياسية جديدة تنتقل فيها الحكومة من الدفاع عن برنامجها أمام المؤسسة التشريعية إلى تحمل مسؤولية تنفيذه أمام المواطنين. وبين التأييد الذي منحته الأغلبية البرلمانية والتحفظات التي عبرت عنها المعارضة، تبرز مسألة أكثر أهمية من الحسابات العددية: هل تستطيع الحكومة تحويل التزاماتها إلى نتائج ملموسة، أم أن المغاربة سيجدون أنفسهم أمام دورة جديدة من الوعود المؤجلة؟
حصل البرنامج الحكومي على تأييد 204 نواب مقابل معارضة 127، وهي نتيجة تمنح الحكومة الشرعية البرلمانية اللازمة لمباشرة عملها، لكنها لا تعني بالضرورة حصولها على تفويض اجتماعي مفتوح. فالثقة الدستورية تُحسم بالتصويت داخل البرلمان، بينما تتشكل الثقة المجتمعية من خلال التجربة اليومية للمواطن مع الأسعار والخدمات العمومية وفرص العمل ومستوى العيش.
ثقة برلمانية لا تلغي صعوبة الاختبار الاجتماعي
تدخل حكومة المنصوري مرحلة التنفيذ في سياق تتراكم فيه مطالب اجتماعية واقتصادية لم تنشأ مع تشكيلها، ولا يمكن اختزالها في حصيلة فريق حكومي واحد. فمشكلات التشغيل والسكن والقدرة الشرائية وجودة التعليم والصحة ترتبط باختيارات عمومية متعاقبة، كما تتأثر بظروف اقتصادية ومؤسساتية تتجاوز عمر الولاية الحكومية.
غير أن الاعتراف بهذا الإرث لا يعفي الحكومة الجديدة من مسؤوليتها السياسية. فقد قدمت نفسها باعتبارها قادرة على تصحيح الاختلالات وتحسين مردودية السياسات العمومية، الأمر الذي يجعلها مطالبة بتحديد ما ستغيره فعلياً، وما ستواصل تنفيذه، والآجال التي ستحتاجها لتحقيق نتائج قابلة للقياس.
وتزداد أهمية هذا التمييز بالنظر إلى أن التغيير الحكومي لا يعني بالضرورة تغييراً في التوجهات الاقتصادية والاجتماعية. فبعض أعضاء الحكومة الجديدة سبق لهم تحمل مسؤوليات تنفيذية، كما أن عدداً من الأوراش الكبرى يمتد عبر ولايات متعاقبة. لذلك، لن يكون معيار التقييم هو عدد الوجوه الجديدة أو حجم التعديل الوزاري، وإنما طبيعة القرارات المتخذة وقدرتها على معالجة أوجه القصور السابقة.
بين الطموح الاقتصادي والنتائج الملموسة
وضعت الحكومة ضمن أهدافها تحقيق نمو اقتصادي بمعدل 5 في المائة خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031. ويعكس هذا الهدف رغبة في رفع وتيرة النشاط الاقتصادي، لكنه يفتح في المقابل نقاشاً بشأن طبيعة النمو المنتظر ومدى انعكاسه على التشغيل والدخل وتوزيع الفرص.
فارتفاع الناتج الداخلي الإجمالي، على أهميته، لا يؤدي تلقائياً إلى تحسن متساوٍ في أوضاع جميع الفئات. وقد يتحقق النمو مدفوعاً بقطاعات ذات إنتاجية مرتفعة دون أن ينعكس بالقدر نفسه على فرص الشغل أو على أوضاع المناطق الأقل استفادة من الاستثمار.
ومن هنا، يصبح السؤال المتعلق بالنمو الاقتصادي مرتبطاً بمضمونه الاجتماعي والمجالي. فالحكومة مطالبة بتوضيح القطاعات التي تراهن عليها لإحداث فرص عمل مستقرة، وكيفية دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ومدى قدرة السياسات الاستثمارية على تقليص الفوارق بين الجهات.
ولا يقل عن ذلك أهمية تحديد مؤشرات واضحة تسمح بمتابعة النتائج، حتى لا يتحول معدل النمو المعلن إلى رقم يُستعمل في تقييم الأداء الاقتصادي بمعزل عن التحولات التي يعرفها مستوى عيش الأسر.
القدرة الشرائية أول امتحان للمصداقية
تظل القدرة الشرائية من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الحكومة، لأنها ترتبط مباشرة بالإنفاق اليومي للأسر. ولا تكفي في هذا المجال الإشارة إلى تحسن المؤشرات الاقتصادية العامة، ما لم ينعكس ذلك على قدرة المواطنين على تحمل تكاليف الغذاء والسكن والنقل والطاقة والخدمات الأساسية.
وتبرز هنا الحاجة إلى التمييز بين الإجراءات التي تخفف بعض الأعباء بصورة مؤقتة، والإصلاحات التي تعالج الأسباب الهيكلية لارتفاع تكاليف المعيشة. فالدعم الاجتماعي، مهما بلغت أهميته بالنسبة إلى الفئات المستفيدة، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن تحسين الدخل وفرص العمل وضمان المنافسة والنجاعة في الأسواق.
وسيكون على الحكومة أيضاً توضيح كيفية تمويل التزاماتها الاجتماعية، ومدى استدامتها المالية، والفئات التي ستستفيد منها فعلياً. فالإعلان عن تدابير جديدة لا يكفي للحكم على عدالتها أو فعاليتها قبل معرفة شروط تطبيقها وأثرها على مختلف شرائح المجتمع.
التعليم والصحة.. من توسيع البرامج إلى جودة الخدمات
من أبرز ما جاء في الخطاب الحكومي التأكيد على الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات. ويحمل هذا التوجه اعترافاً ضمنياً بأن توسيع الاستفادة القانونية أو الإدارية من البرامج لا يضمن وحده حصول المواطن على خدمة عمومية ملائمة.
في القطاع الصحي، لا تقاس فعالية الإصلاح بعدد المستفيدين من التغطية فقط، بل أيضاً بتوافر الأطباء والتجهيزات والأدوية، وتقليص آجال الانتظار، وتحسين الاستقبال والعلاج داخل المؤسسات العمومية. كما أن توسيع البنيات الاستشفائية لا يحقق أثره الكامل إذا لم يصاحبه توزيع منصف للموارد البشرية والمالية.
أما في التعليم، فيظل التحدي مرتبطاً بجودة التعلمات والحد من الهدر المدرسي وتقليص الفوارق بين المؤسسات والمجالات الترابية. ويتطلب ذلك أكثر من إعلان برامج جديدة، لأن النتائج التعليمية تتأثر باستقرار السياسات التربوية وظروف عمل الأطر وجودة التدبير والمتابعة والتقييم.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للحكومة سيكون في قدرتها على إظهار تحسن قابل للقياس في الخدمة التي يتلقاها المواطن، وليس فقط في حجم الميزانيات أو عدد المشاريع المعلن عنها.
الاستمرارية السياسية ومسؤولية تصحيح الاختلالات
يثير تشكيل الحكومة الجديدة إشكالية العلاقة بين الاستمرارية والتغيير. فالاستمرارية قد تكون ضرورية لاستكمال المشاريع والإصلاحات التي تحتاج إلى سنوات، لكنها تصبح موضع مساءلة عندما تُستخدم لتبرير استمرار الاختلالات أو تأجيل معالجة آثارها الاجتماعية.
وفي المقابل، لا ينبغي اعتبار كل تغيير في المسؤوليات أو في الخطاب السياسي دليلاً على تحول فعلي في السياسات. فالتغيير الذي يستحق هذا الوصف يفترض مراجعة واضحة للأولويات وآليات التنفيذ والتقييم، مع تحديد المسؤوليات عن النتائج السابقة والاستفادة من أسباب التعثر.
ويزداد هذا النقاش أهمية عندما تكون بعض القوى المشاركة في الحكومة الجديدة قد أسهمت في تدبير الشأن العام خلال المرحلة الماضية. ففي هذه الحالة، لا يكفي تحميل الإرث الحكومي السابق كامل المسؤولية، بل يصبح من الضروري توضيح حدود الاستمرارية ومجالات المراجعة والتصحيح.
المعارضة أمام اختبار الرقابة لا الاكتفاء بالانتقاد
لا تقع مسؤولية المرحلة المقبلة على الحكومة وحدها، إذ يواجه البرلمان بدوره امتحاناً يتعلق بقدرته على ممارسة الرقابة والتقييم. فالتصويت على البرنامج الحكومي ليس نهاية النقاش السياسي حول مضمونه، وإنما بداية متابعة تنفيذ الالتزامات التي تضمنها.
وتملك المعارضة فرصة لتطوير أدائها من خلال مساءلة الحكومة عن المؤشرات والآجال والاعتمادات المالية، بدل حصر المواجهة في تبادل الاتهامات أو الاعتراضات العامة. كما تتحمل الأغلبية مسؤولية عدم تحويل الدعم البرلماني إلى حماية سياسية تحول دون المحاسبة.
وتحتاج هذه المرحلة إلى نقاش عمومي يستند إلى الوقائع والنتائج، يسمح بتحديد ما تحقق وما تعثر، ويمنح المواطنين إمكانية الحكم على الأداء الحكومي بعيداً عن التنافس الخطابي بين الأحزاب.
من زمن الوعود إلى زمن المحاسبة
بانتهاء محطة التصويت على البرنامج الحكومي، لم تعد حكومة المنصوري مطالبة فقط بإقناع البرلمان بوجاهة اختياراتها، بل بإثبات قدرتها على تنفيذها. وسيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027 إحدى أولى المناسبات لاختبار مدى انسجام التعهدات السياسية مع الموارد المرصودة والقرارات العملية.
ولا يمكن الحكم مسبقاً على نجاح الحكومة أو فشلها بعد أيام قليلة من تنصيبها، لكن من المشروع إخضاع برنامجها منذ البداية لمساءلة دقيقة بشأن الأولويات والوسائل والآجال. فالمحاسبة لا تبدأ عند نهاية الولاية، وإنما تبدأ منذ اللحظة التي تتحول فيها الوعود إلى التزامات رسمية.
لقد حصلت حكومة المنصوري على الثقة البرلمانية وفق المقتضيات الدستورية، أما الثقة التي تتجدد في حياة المواطنين فلا تُمنح بالتصويت مرة واحدة. إنها تتشكل تدريجياً عندما تتحسن الخدمات، وتتوسع فرص العمل، وتصبح السياسات الاجتماعية أكثر إنصافاً وفعالية. وبين هذين المستويين من الثقة ستتحدد القيمة السياسية الحقيقية للمرحلة الحكومية الجديدة.
