تضع حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ملف التوظيف العمومي ضمن أول اختبارات برنامجها الاقتصادي والاجتماعي، بعدما اقترح مشروع قانون المالية لسنة 2027 إحداث 34 ألفاً و454 منصباً مالياً جديداً. ويأتي هذا التوجه في سياق تتزايد فيه مطالب المواطنين بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية، بينما تواجه المؤسسات العمومية تحديات تتعلق بتوزيع الموارد البشرية وجودة التدبير والقدرة على الاستجابة للحاجيات المتنامية.
غير أن أهمية هذا الرقم لا تكمن في حجمه وحده، وإنما في كيفية توزيعه بين القطاعات والجهات، وفي طبيعة الوظائف التي ستحدثها الحكومة. فإحداث منصب مالي لا يعني بالضرورة توظيف شخص جديد بصورة فورية، كما أن ارتفاع عدد الموظفين لا يؤدي تلقائياً إلى تحسن الخدمات إذا استمرت الاختلالات المرتبطة بالتنظيم والتجهيزات وتوزيع الكفاءات.
ومن هنا، يطرح مشروع الميزانية سؤالاً يتجاوز الإعلان عن فرص التوظيف: هل تعكس المناصب الجديدة تقديراً دقيقاً لحاجيات المرافق العمومية، أم أنها تندرج ضمن سياسة تركز على زيادة الأعداد دون معالجة الأسباب الهيكلية لضعف الأداء؟
الداخلية تتصدر التوزيع والصحة في المرتبة الثالثة
وفق المعطيات الواردة في مشروع قانون المالية رقم 60.26، تتصدر وزارة الداخلية توزيع المناصب المالية الجديدة بحصة تبلغ 14 ألفاً و200 منصب، تليها إدارة الدفاع الوطني بـ5500 منصب. وتحصل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية على 5400 منصب، بينما تستفيد وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية من 2460 منصباً.
وتشمل التوزيعات أيضاً 1920 منصباً لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، و1500 منصب للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج. أما وزارة التربية الوطنية، فتظهر في الجدول القطاعي بحصة تبلغ 364 منصباً.
ويكشف هذا التوزيع عن تفاوت واضح في الاعتمادات المخصصة للتوظيف المباشر بين القطاعات. لكنه لا يسمح وحده بالحكم على حجم الموارد البشرية الجديدة في كل مرفق، لأن بعض المؤسسات تعتمد ترتيبات مالية وتنظيمية خاصة.
كما ينبغي التمييز بين المناصب المخصصة لتعويض المغادرين، وتلك التي ستعزز الموارد البشرية القائمة فعلياً. فعدد المناصب المحدثة لا يعكس بالضرورة صافي الزيادة في الموظفين بعد احتساب الإحالات على التقاعد والمغادرات الأخرى.
التعليم بين المناصب المركزية والتوظيف الجهوي
قد يثير تخصيص 364 منصباً مالياً لوزارة التربية الوطنية تساؤلات بشأن مدى ملاءمة هذا الرقم لحاجيات المدرسة العمومية، خصوصاً في ظل استمرار النقاش حول الخصاص في الأطر التربوية والإدارية.
غير أن قراءة هذا الرقم بمعزل عن آليات التوظيف داخل الأكاديميات الجهوية ستكون مضللة. فالمعطيات المصاحبة للمشروع تشير إلى ترتيبات إضافية تتعلق بتوظيف الموارد البشرية في الأكاديميات، إلى جانب مناصب مخصصة لتسوية الوضعية الإدارية لفئة من حاملي الدكتوراه.
ويتضمن المشروع إحداث 600 منصب إضافي ابتداءً من يناير 2027 لتسوية وضعية الموظفين الناجحين في مباراة ولوج هيئة الأساتذة الباحثين في التربية والتكوين. كما ينص على حذف مناصبهم السابقة عند تسوية وضعياتهم الجديدة.
ويكتسب هذا الإجراء أهمية خاصة في ظل عودة الجدل النقابي حول التعاقد والوضعيات الإدارية والمالية للأساتذة. غير أن تسوية وضعية فئة محددة لا تعني بالضرورة معالجة جميع الملفات العالقة، كما أن إحداث المناصب لا يحسم وحده الخلاف بشأن الوضع القانوني للعاملين لدى الأكاديميات.
والأهم أن تقييم التوظيف في التعليم يحتاج إلى معطيات حول عدد الأساتذة الجدد، والتخصصات المطلوبة، وتوزيعهم بين الوسطين الحضري والقروي. كما ينبغي قياس أثر التوظيف على الاكتظاظ وجودة التعلمات واستقرار المؤسسات التعليمية.
الصحة.. هل تصل الموارد البشرية إلى المناطق المحتاجة؟
تخصص الحكومة 5400 منصب مالي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، في وقت تتواصل فيه أوراش إصلاح المنظومة الصحية وتوسيع الخدمات المرتبطة بالحماية الاجتماعية.
ويعكس هذا الاختيار إدراكاً لأهمية الموارد البشرية في إنجاح الإصلاح، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً بشأن توزيع الأطباء والممرضين والتقنيين بين المؤسسات الصحية والمناطق المختلفة.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بعدد العاملين على المستوى الوطني. بل ترتبط أيضاً بقدرة المستشفيات والمراكز الصحية على الاحتفاظ بالكفاءات، وتوفير ظروف العمل المناسبة، وضمان استمرارية الخدمات.
وقد تستفيد المؤسسات الموجودة في المدن الكبرى من تعزيز مواردها البشرية، بينما يستمر الخصاص في المناطق القروية والنائية إذا لم تعتمد الحكومة معايير واضحة للتوزيع.
ومن ثم، فإن نجاح هذه المناصب سيقاس بمدى تقليص آجال الانتظار وتحسين الولوج إلى العلاج وتخفيف الضغط على المؤسسات الاستشفائية. أما الاكتفاء بالإعلان عن عدد الوظائف الجديدة فلن يكون كافياً لإثبات تحسن الخدمة الصحية.
مناصب إضافية لا تعني بالضرورة وظائف صافية
تطرح الأرقام الحكومية إشكالية تتكرر مع كل مشروع قانون مالية، وتتعلق بالتمييز بين المناصب المالية المحدثة وفرص العمل الصافية التي يضيفها القطاع العام.
فقد تستخدم بعض المناصب لتعويض موظفين أحيلوا على التقاعد أو غادروا الإدارة لأسباب مختلفة. كما أن بعض الاعتمادات ترتبط بتسوية وضعيات قائمة، وليس بتوظيف أشخاص يدخلون سوق العمل للمرة الأولى.
ويصبح هذا التمييز ضرورياً عندما تقدم الحكومة التوظيف العمومي ضمن سياستها لمواجهة البطالة. فعدد المناصب المدرجة في الميزانية لا يساوي بالضرورة عدد العاطلين الذين سيغادرون سوق البطالة نتيجة هذه الإجراءات.
ولهذا، تحتاج الحكومة إلى نشر حصيلة توضح عدد التوظيفات الفعلية، وعدد المغادرين، وصافي التغير في الموارد البشرية. كما ينبغي أن تميز بين التوظيف الجديد وتسوية الوضعيات الإدارية وإعادة توزيع المناصب القائمة.
ومن شأن هذه المعطيات أن تسمح بتقييم أكثر دقة لأثر الميزانية على التشغيل وعلى قدرة المؤسسات العمومية على أداء مهامها.
الوظيفة العمومية وحدها لا تستطيع حل البطالة
رغم أهمية المناصب المالية الجديدة، فإن مواجهة البطالة تتطلب سياسة اقتصادية أوسع من التوظيف المباشر في الإدارات والمؤسسات العمومية.
فالقطاع العام يؤدي أدواراً أساسية في التعليم والصحة والأمن والإدارة، لكنه لا يستطيع استيعاب جميع الداخلين الجدد إلى سوق العمل. كما أن توسيع التوظيف دون ربطه بالحاجيات الفعلية قد يرفع النفقات الجارية دون تحقيق تحسن مماثل في جودة الخدمات.
ويعتمد خلق فرص العمل المستقرة على قدرة الاقتصاد على تنمية الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين التكوين المهني، وتوسيع النشاط الاقتصادي في الجهات الأقل استفادة من الاستثمارات.
وتبرز هنا أهمية التنسيق بين السياسة المالية والسياسات القطاعية. فالتوظيف العمومي يمكن أن يعالج جزءاً من الخصاص في المرافق، لكنه لا يعوض الحاجة إلى اقتصاد قادر على توفير فرص عمل متنوعة ومستدامة.
التوزيع المجالي الحلقة التي تحتاج إلى توضيح
لا يقدم العدد الإجمالي للمناصب صورة كافية عن أثرها على مختلف الجهات. فقد تحصل وزارة معينة على آلاف المناصب، لكن نتائج ذلك ستختلف بحسب توزيعها بين المدن الكبرى والمناطق القروية والجهات التي تعاني نقصاً في الخدمات.
وتحتاج الحكومة إلى ربط توزيع الموارد البشرية بمؤشرات موضوعية، من بينها عدد السكان وحجم الطلب على الخدمات والخصاص القائم داخل المؤسسات. كما ينبغي مراعاة الفوارق في البنيات الأساسية وظروف العمل.
فالمناصب التي تعزز مؤسسات تتوفر أصلاً على موارد مهمة لا تحقق الأثر نفسه الذي يمكن أن تحدثه في مناطق تعاني ضعف التغطية الصحية أو نقص الأطر التعليمية والإدارية.
ولهذا، فإن العدالة المجالية في التوظيف لا تقل أهمية عن العدالة في توزيع الاعتمادات الاستثمارية. فالمرفق العمومي يحتاج إلى بنايات وتجهيزات، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى موارد بشرية مؤهلة وقادرة على ضمان استمرارية الخدمة.
تكلفة التوظيف وفعالية الإنفاق العمومي
يرتبط إحداث المناصب المالية بالتزامات مستمرة تتحملها الميزانية العامة، تشمل الأجور والمساهمات الاجتماعية والنفقات المرتبطة بتسيير المرافق.
ولا يعني ذلك أن التوظيف يمثل عبئاً ينبغي تقليصه بصورة آلية، لأن نقص الموارد البشرية قد يضعف الخدمات ويؤدي إلى تكاليف اجتماعية واقتصادية أكبر. لكن توسيع التوظيف يحتاج إلى تخطيط يضمن استدامة التمويل وفعالية الاستفادة من الموارد المتاحة.
ومن هنا، يصبح من الضروري ربط المناصب الجديدة بمخططات واضحة لتحسين الأداء، وتحديد الأهداف التي يتعين على كل قطاع تحقيقها. كما ينبغي تقييم أثر التوظيف على إنتاجية الإدارة وجودة الخدمات، وليس الاكتفاء بمراقبة تنفيذ الاعتمادات المالية.
وتتحمل المؤسسات العمومية بدورها مسؤولية تحسين تدبير الموارد البشرية، وتبسيط المساطر، وتطوير التكوين المستمر، حتى تحقق المناصب الجديدة النتائج المنتظرة منها.
البرلمان أمام اختبار مراقبة النتائج
مع دخول مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة المناقشة البرلمانية، تتاح للنواب فرصة مساءلة الحكومة بشأن الأسس التي اعتمدتها لتوزيع المناصب المالية.
فمن المشروع أن يطلب البرلمان معطيات حول الخصاص القطاعي والجهوي، وعدد المغادرين المتوقع، والتوظيفات التي ستعوضهم، والأثر المنتظر للمناصب الجديدة على الخدمات.
كما يمكن للجان البرلمانية متابعة التنفيذ خلال السنة المالية، ومقارنة الأرقام المعلنة بالتوظيفات المنجزة فعلياً. وتكتسب هذه الرقابة أهمية خاصة في القطاعات الاجتماعية التي ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين.
ولا ينبغي أن ينحصر النقاش بين الأغلبية والمعارضة في اعتبار ارتفاع عدد المناصب إنجازاً أو دليلاً على قصور السياسة الحكومية. فالمعيار الأهم هو مدى ارتباط هذه المناصب بحاجيات حقيقية، وقدرتها على تحسين أداء المؤسسات.
34 ألف منصب.. البداية لا الحصيلة
يمثل اقتراح إحداث 34 ألفاً و454 منصباً مالياً مؤشراً على توجه الحكومة إلى تعزيز الموارد البشرية في عدد من القطاعات. لكنه يظل التزاماً مالياً ضمن مشروع لم يستكمل بعد مسطرته التشريعية، ولا يمكن اعتباره حصيلة توظيف منجزة.
وستتحدد قيمته الفعلية بعد المصادقة على القانون وتنفيذ التوظيفات وتوزيعها على المؤسسات والجهات. كما ستتوقف نتائجه على قدرة الإدارة على معالجة الخصاص وتحسين ظروف العمل وضمان جودة الخدمات.
وتواجه الحكومة الجديدة، في هذا السياق، اختباراً يتجاوز حجم المناصب المعلنة إلى طبيعة الإصلاح الإداري والاجتماعي الذي سترافقه به. فالمواطن لا يقيس نجاح سياسة التوظيف بعدد الوظائف التي تظهر في الجداول المالية، وإنما بقدرة المدرسة على التعليم والمستشفى على العلاج والإدارة على تقديم خدمات فعالة.
وبين الإعلان عن المناصب وتحسن أداء المرافق العمومية، توجد مسافة لا تختصرها الأرقام وحدها. وهي المسافة التي ستحدد ما إذا كانت مالية 2027 قد وضعت أساساً لمعالجة الخصاص، أم اكتفت بتوسيع الموارد البشرية دون تغيير كافٍ في النتائج.
