دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي عقب الانتخابات التشريعية التي جرت الثلاثاء 27 أكتوبر 2026. فقد أظهرت النتائج الأولية تقدماً لمعسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، دون ضمان الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة جديدة.
وبحسب النتائج الجزئية المنشورة صباح الأربعاء، تصدر حزب الليكود عملية الفرز، بينما حافظ حزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت على موقعه بوصفه أبرز منافس سياسي. وفي المقابل، سجلت الأحزاب العربية حضوراً انتخابياً لافتاً، قد يمنحها دوراً مؤثراً في موازين البرلمان المقبل.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن أياً من المعسكرين الرئيسيين لم يحسم الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست. ولذلك، لا يمكن الحديث عن فوز نهائي لأي طرف قبل اكتمال الفرز وتحديد التحالفات الممكنة.
تقدم نتنياهو لا يعني ضمان تشكيل الحكومة
أظهرت النتائج الأولية المنشورة صباح الأربعاء أن معسكر نتنياهو يتقدم على منافسيه. ومع فرز نحو ثلثي الأصوات، أشارت تقديرات إلى حصوله على 56 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر آيزنكوت و16 للأحزاب العربية.
غير أن هذه الأرقام ظلت مؤقتة، مع استمرار احتساب أصوات الناخبين، ومنها أصوات العسكريين. كما أن توزيع المقاعد النهائي يتأثر بالعتبة الانتخابية والتحالفات بين القوائم.
وقد سبق أن شهدت إسرائيل أزمات سياسية متكررة بسبب صعوبة تشكيل الائتلافات. لذلك، فإن نتائج الاقتراع الحالية قد تعيد إنتاج المأزق نفسه، حتى مع تقدم أحد المعسكرين.
ويظل السؤال الأساسي هو قدرة نتنياهو على استقطاب حلفاء إضافيين، أو استعداد خصومه للاتفاق على صيغة بديلة.
آيزنكوت ومعارضة تبحث عن طريق إلى السلطة
برز غادي آيزنكوت، الرئيس السابق لأركان الجيش الإسرائيلي، بوصفه المنافس الرئيسي لنتنياهو. وقد سعى خلال الحملة إلى تقديم نفسه باعتباره بديلاً قادراً على تجاوز الانقسامات السياسية.
لكن المعارضة تواجه بدورها صعوبات في بناء أغلبية متماسكة. فهي تضم أحزاباً تختلف في توجهاتها السياسية والاقتصادية، وفي مواقفها من القضايا الأمنية والعلاقة مع الفلسطينيين.
وقد تتفق هذه الأحزاب على معارضة استمرار نتنياهو، لكنها لا تتفق بالضرورة على برنامج حكومي موحد.
وهذا التباين يجعل تشكيل حكومة بديلة أكثر تعقيداً من مجرد جمع المقاعد المناهضة لرئيس الوزراء.
كما يطرح احتمال تشكيل حكومة وحدة وطنية أسئلة بشأن القيادة وتوزيع المسؤوليات. وقد يتطلب هذا الخيار تنازلات سياسية لا تبدو مضمونة في المرحلة الحالية.
الأحزاب العربية.. حضور انتخابي يغير الحسابات
من أبرز التطورات التي أفرزتها الانتخابات ارتفاع المشاركة في التجمعات العربية داخل إسرائيل. وأشارت التقديرات الأولية إلى مشاركة واسعة، مع توقع حصول الأحزاب العربية على عدد مهم من المقاعد.
وقدرت بعض استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع حصول هذه الأحزاب على نحو 18 مقعداً. لكن النتائج الجزئية اللاحقة قدمت أرقاماً مختلفة، ما يستوجب انتظار الحصيلة النهائية.
غير أن امتلاك المقاعد لا يعني بالضرورة المشاركة في السلطة. فقد رفض نتنياهو الاعتماد على الأحزاب العربية في تشكيل حكومته، بينما يواجه خصومه خلافات بشأن طبيعة التعاون الممكن معها.
كما أن الأحزاب العربية نفسها لا تتبنى موقفاً موحداً من جميع القضايا. ولذلك، فإن دورها المقبل سيعتمد على نتائج الانتخابات ومواقف قياداتها وخيارات التحالف المتاحة.
الحرب والسياسة الداخلية.. انتخابات في ظل الانقسام
لم تجر الانتخابات في سياق سياسي عادي. فقد جاءت بعد الحرب على غزة، والتصعيد الإقليمي الذي شمل لبنان وإيران، وما رافق ذلك من تداعيات أمنية واقتصادية وإنسانية.
وأصبحت إدارة نتنياهو لهذه الأزمات محوراً أساسياً في النقاش الانتخابي. فقد دافع أنصاره عن سياساته الأمنية، بينما انتقد خصومه طريقة إدارة الحرب وتداعياتها على المجتمع والاقتصاد.
كما أثارت المرحلة السابقة خلافات بشأن المسؤولية السياسية والمؤسساتية عن الإخفاقات الأمنية، ومستقبل العلاقة بين الحكومة والمؤسسات القضائية.
وتعكس المشاركة الانتخابية المرتفعة أهمية هذه القضايا لدى الناخبين. فقد بلغت نسبة المشاركة المعلنة نحو 77.7%، وهي من أعلى النسب المسجلة منذ سنوات طويلة.
هل تغير الانتخابات السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين؟
تتجاوز تداعيات الانتخابات مسألة تحديد رئيس الوزراء المقبل. فتركيبة الحكومة ستؤثر في القرارات المتعلقة بقطاع غزة والضفة الغربية والعلاقات مع دول المنطقة.
لكن تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغييراً جذرياً في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. فالمواقف الأمنية والتوجهات المرتبطة بالاستيطان تختلف بين الأحزاب، لكنها لا تنقسم ببساطة إلى معسكر يؤيد السلام وآخر يرفضه.
كما أن بعض الأحزاب المعارضة لنتنياهو تتبنى مواقف متشددة في قضايا الأمن والسيادة. ولذلك، فإن تقييم أي حكومة مقبلة ينبغي أن يستند إلى برنامجها وقراراتها، لا إلى هويتها الحزبية وحدها.
وسيكون موقف الحكومة المقبلة من الحرب في غزة، والاستيطان في الضفة الغربية، والمساعدات الإنسانية، ومستقبل التسوية السياسية، من أبرز المؤشرات على اتجاه السياسة الإسرائيلية.
واشنطن تراقب.. والمنطقة تنتظر
تتابع الولايات المتحدة الانتخابات الإسرائيلية باعتبارها حدثاً مؤثراً في علاقتها بحليفها الإقليمي. وقد أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه لنتنياهو خلال الحملة، بينما تظل العلاقة بين البلدين مرتبطة بملفات أمنية ودبلوماسية متعددة.
غير أن استمرار نتنياهو أو وصول منافس له لا يحدد وحده مستقبل المنطقة. فهناك عوامل أخرى، تشمل مواقف واشنطن وطهران والدول العربية، إلى جانب التطورات الميدانية والضغوط الدولية.
من سيكلف بتشكيل الحكومة؟
بعد إعلان النتائج النهائية، يبدأ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مشاورات مع الأحزاب البرلمانية. ثم يكلف الشخصية التي يقدر أنها الأقدر على تشكيل ائتلاف حكومي.
ويحصل المرشح المكلف عادة على 28 يوماً لتشكيل الحكومة، مع إمكانية تمديد المهلة 14 يوماً. وإذا فشلت المحاولة، يمكن الانتقال إلى خيارات دستورية أخرى، قد تنتهي بانتخابات جديدة.
وهذا يعني أن نتائج الاقتراع ليست سوى المرحلة الأولى من الصراع السياسي. أما المرحلة الحاسمة فستجري خلال المفاوضات بين الأحزاب.
انتخابات بلا حسم.. وأزمة مفتوحة
تكشف الانتخابات الإسرائيلية عن مشهد سياسي لا يزال منقسماً. فقد حافظ نتنياهو على قاعدة انتخابية مهمة، لكنه لم يضمن الأغلبية البرلمانية في النتائج الأولية.
وفي المقابل، نجحت المعارضة في الحفاظ على قدرتها التنافسية، دون أن تضمن تشكيل حكومة بديلة. كما برزت الأحزاب العربية باعتبارها طرفاً قد يؤثر في التوازنات المقبلة.
ولا تسمح هذه المعطيات بإعلان نهاية عهد نتنياهو أو تأكيد استمراره في السلطة لولاية جديدة.
فالحسم لا يتوقف على عدد المقاعد وحده، بل على قدرة الأحزاب على بناء ائتلاف قابل للاستمرار.
أما بالنسبة إلى المنطقة، فإن السؤال الأهم يتجاوز هوية رئيس الحكومة المقبل: هل ستفتح النتائج المجال أمام مراجعة السياسات التي ساهمت في استمرار التوتر، أم ستعيد إنتاج التوجهات نفسها بتركيبة حكومية مختلفة؟
وتظل الإجابة مرتبطة بما ستسفر عنه مفاوضات تشكيل الحكومة، وبالقرارات التي ستتخذها السلطة المقبلة تجاه الفلسطينيين وجيران إسرائيل.
