ليس من السهل الفصل بين قوة الدولة في الخارج وطبيعة علاقتها بالمجتمع في الداخل. فالدبلوماسية، مهما بلغت قدرتها على بناء التحالفات وانتزاع التأييد الدولي، لا تتحرك في فراغ اجتماعي وسياسي. إنها تستند، بدرجات متفاوتة، إلى تماسك المؤسسات وثقة المواطنين وقدرة الدولة على تدبير الاختلافات الداخلية.
ومن هذا المنطلق، يكتسب النقاش الذي أثارته فيدرالية اليسار الديمقراطي بشأن ضرورة تمتين الجبهة الداخلية وإحداث انفراج سياسي أهمية تتجاوز حدود موقف حزبي ظرفي. فهو يعيد طرح سؤال ظل حاضراً في التجربة السياسية المغربية: هل يمكن الدفاع عن الوحدة الترابية بمعزل عن استكمال البناء الديمقراطي؟
لا يتعلق الأمر بالتشكيك في الإجماع الوطني حول الصحراء المغربية، ولا باشتراط حل جميع المشكلات الداخلية قبل الدفاع عن المصالح الوطنية. إنما يتعلق بفهم العلاقة بين السيادة بوصفها ممارسة سياسية وقانونية، والمواطنة بوصفها مشاركة فعلية في تحديد الخيارات العامة.
الوحدة الترابية.. بين الإجماع الوطني والتعدد السياسي
تحتل قضية الصحراء مكانة مركزية في الوعي السياسي المغربي، وقد شكلت على امتداد عقود أحد أبرز مجالات التوافق بين الدولة ومكونات واسعة من المجتمع.
غير أن الإجماع حول قضية وطنية لا يعني بالضرورة التطابق في المواقف بشأن جميع السياسات الداخلية. فالمواطنون والأحزاب قد يتفقون على الدفاع عن الوحدة الترابية، ويختلفون في الوقت نفسه حول توزيع الثروة أو تنظيم السلطة أو ضمان الحريات أو تقييم الأداء الحكومي.
وهذا الاختلاف لا يمثل، في ذاته، تهديداً للتماسك الوطني. بل قد يكون دليلاً على حيوية المجتمع وقدرته على التعبير عن مصالحه وتصوراته المتعددة.
وتبدأ المشكلة عندما يجري الخلط بين الالتزام بالقضايا الوطنية وبين الموافقة غير المشروطة على السياسات الحكومية. فالدولة أوسع من الحكومة، والمصلحة الوطنية لا تحتكرها أغلبية برلمانية أو معارضة حزبية أو مؤسسة منفردة.
إن تحصين الوحدة الترابية يقتضي الحفاظ على هذا التمييز، لأن تحويل الإجماع الوطني إلى أداة لإلغاء الاختلاف قد يضعف إحدى أهم ركائز التماسك الاجتماعي: الشعور بالمشاركة والانتماء.
الثقة الداخلية ليست شعاراً سياسياً
كثيراً ما يُستعمل مفهوم الجبهة الداخلية في الخطاب السياسي باعتباره دعوة إلى التضامن والتعبئة. غير أن قوة هذه الجبهة لا تقاس فقط بحجم التأييد المعلن أو بكثافة الشعارات الوطنية.
إنها تتجسد أيضاً في طبيعة العلاقة اليومية بين المواطن والمؤسسات.
فالمواطن الذي يجد قضاءً منصفاً، وإدارة تحترم حقوقه، ومدرسة توفر تعليماً جيداً، ومستشفى يستجيب لحاجياته، يمتلك أسباباً ملموسة للثقة في الدولة.
أما حين تتسع المسافة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية، فإن الانتماء الوطني قد يظل قوياً، لكن الثقة في تدبير الشأن العام تصبح أكثر عرضة للتراجع.
ومن الضروري هنا التمييز بين الثقة في الدولة والثقة في الحكومة. فقد ينتقد المواطن أداء الحكومة بشدة دون أن يتراجع التزامه بوحدة بلاده ومؤسساتها الأساسية.
بل إن القدرة على التعبير عن هذا النقد بصورة سلمية وقانونية يمكن أن تعزز الثقة، لأنها تمنح الأفراد شعوراً بأنهم شركاء في الحياة العامة، وليسوا مجرد متلقين للقرارات.
هل يشكل الانفراج السياسي ضرورة وطنية؟
تدعو بعض القوى السياسية والحقوقية إلى انفراج يشمل توسيع الحريات العامة، ومعالجة الملفات الحقوقية، وتعزيز استقلال المؤسسات، وتوفير شروط أفضل للمشاركة السياسية.
وتستحق هذه المطالب نقاشاً جدياً، بعيداً عن اختزالها في مواجهة بين الدولة ومعارضيها.
فالإصلاح السياسي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تنازلاً تقدمه السلطة تحت الضغط، بل باعتباره عملية مستمرة لتطوير قواعد الحكم وتوسيع المشاركة وضمان احترام الحقوق.
وفي المقابل، لا يجوز افتراض أن أي إجراء يحمل عنوان الانفراج سيؤدي تلقائياً إلى تعزيز الوحدة الوطنية. ففاعلية الإصلاح ترتبط بمضمونه، وبمدى احترامه للقانون، وبقدرته على إنتاج مؤسسات أكثر مصداقية.
كما أن المطالب المتعلقة بالمعتقلين وملفات الاحتجاج تستدعي معالجة قانونية وحقوقية دقيقة، تراعي ضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء، ولا تختزل الحالات المختلفة في توصيف سياسي واحد.
إن قيمة الانفراج لا تكمن في الإعلان عنه، بل في إحداث تحول ملموس في علاقة المؤسسات بالمواطنين.
العدالة الاجتماعية جزء من الأمن الوطني
لا تقتصر متانة الجبهة الداخلية على الحريات والمؤسسات السياسية. فهي ترتبط كذلك بمستوى العدالة الاجتماعية والمجالية.
فالتفاوت بين الجهات في فرص التشغيل والخدمات والبنيات الأساسية ليس مجرد مسألة تنموية منفصلة عن السياسة. إنه يؤثر في علاقة السكان بمؤسسات الدولة وفي شعورهم بالمساواة في المواطنة.
وحين تتراكم الفوارق، يصبح الحديث عن الوحدة الوطنية بحاجة إلى مضمون اجتماعي واضح.
ولا يعني ذلك أن وجود تفاوتات اقتصادية يؤدي حتماً إلى ضعف الانتماء الوطني. فالعلاقة أكثر تعقيداً من هذا التفسير المباشر. لكن استمرار الاختلالات دون معالجة يمكن أن يغذي الإحباط ويضعف الثقة في عدالة السياسات العمومية.
ولهذا، فإن الاستثمار في التعليم والصحة والتشغيل والربط المجالي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إنفاق اجتماعي، بل باعتباره استثماراً في قدرة المجتمع على التماسك.
وتزداد أهمية هذا البعد في الأقاليم الجنوبية، حيث يتطلب تقييم التنمية تجاوز حجم المشاريع والاعتمادات إلى قياس أثرها على السكان، وفرص العمل، والمشاركة المحلية، وحماية الموارد، وجودة الخدمات.
الدبلوماسية القوية لا تعوض المؤسسات القوية
لا شك أن الدفاع عن المصالح الوطنية في المحافل الدولية يحتاج إلى دبلوماسية نشطة، وإلى قراءة دقيقة لموازين القوى والتحالفات.
لكن التحولات الدولية تذكرنا بأن مواقف الدول ليست ثابتة دائماً، وأن حساباتها تتأثر بالمصالح الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية.
ولهذا، فإن ربط مستقبل قضية وطنية حصرياً بمواقف القوى الكبرى ينطوي على قدر من الهشاشة.
ولا يمكن في المقابل اختزال مسار قضية الصحراء في طبيعة النظام السياسي الداخلي وحدها. فالملف تحكمه أيضاً اعتبارات قانونية وتاريخية وإقليمية ودولية، ويظل مرتبطاً بالمسار الأممي وبمواقف الأطراف المعنية.
إن الإصلاح الداخلي لا يحل تلقائياً التعقيدات الدبلوماسية، مثلما لا تعفي المكاسب الدبلوماسية من معالجة الاختلالات الداخلية.
والأجدى هو النظر إلى المسارين باعتبارهما متكاملين، دون ادعاء وجود علاقة سببية آلية بينهما.
الديمقراطية ليست نقيضاً للسيادة
تقوم بعض التصورات السياسية على اعتبار التعددية والنقاش العمومي عوامل قد تعرقل الحسم في القضايا الوطنية الكبرى.
غير أن التجربة الديمقراطية تقدم تصوراً مختلفاً: يمكن للمجتمع أن يتفق على المصالح الأساسية للدولة، مع الاحتفاظ بحقه في مساءلة السياسات والقرارات.
فالديمقراطية لا تلغي السيادة، بل تمنح المواطنين دوراً في ممارستها عبر المؤسسات التمثيلية والحقوق الدستورية وآليات المحاسبة.
ومن هنا، فإن حماية الوحدة الترابية لا تتطلب بالضرورة تضييق مجال الاختلاف السياسي. بل قد تستفيد من توسيع النقاش المسؤول الذي يسمح بتعدد المقاربات داخل إطار احترام القانون.
والتعددية التي تقوم على الاعتراف المتبادل، وعلى الاحتكام إلى المؤسسات، أكثر قدرة على إنتاج توافق مستدام من توافق يُفترض مسبقاً ولا يخضع للنقاش.
مسؤولية الحكومة والمعارضة معاً
لا يمكن اختزال الإصلاح السياسي في مطالب توجهها المعارضة إلى الحكومة. فكل طرف يتحمل جزءاً من المسؤولية.
الحكومة مطالبة بترجمة التزاماتها إلى سياسات قابلة للتقييم، وتعزيز الشفافية، وتوسيع المشاركة، وضمان احترام الحقوق والحريات في نطاق اختصاصاتها.
والمعارضة مطالبة بدورها بتقديم بدائل واقعية، وتجنب توظيف القضايا الوطنية في المنافسة الحزبية الضيقة، والتمييز بين النقد المشروع والتشكيك غير المسند.
أما المؤسسات التمثيلية والرقابية، فتقع عليها مسؤولية تحويل المبادئ الدستورية إلى ممارسة فعلية، وتوفير فضاءات منتظمة للمساءلة والنقاش.
ولا تكتمل هذه المسؤولية دون صحافة مستقلة ومجتمع مدني قادرين على مراقبة الأداء العام، وإبراز الاختلالات، والمساهمة في بناء نقاش يستند إلى الوقائع.
من الإجماع المعلن إلى التماسك الفعلي
إن السؤال ليس ما إذا كان المغرب يحتاج إلى وحدة وطنية قوية؛ فهذه ضرورة لا خلاف على أهميتها. السؤال الحقيقي هو كيف يمكن بناء هذه القوة على أسس مستدامة.
فالإجماع حول الوحدة الترابية يمثل رصيداً سياسياً مهماً، لكنه لا يغني عن إصلاح المؤسسات أو تقليص الفوارق أو توسيع الثقة.
وفي المقابل، لا ينبغي تقديم الإصلاح السياسي بوصفه شرطاً سحرياً لحل جميع تعقيدات قضية الصحراء. فالمسارات الوطنية والدبلوماسية تتداخل، لكنها لا تتطابق.
إن الجبهة الداخلية الأكثر متانة ليست بالضرورة تلك التي تختفي فيها الأصوات المختلفة، بل تلك التي يستطيع المواطنون داخلها التعبير عن خلافاتهم دون أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة مع الدولة أو مع المصلحة الوطنية.
ومن هنا، يمكن صياغة الجواب عن السؤال المركزي للمقال: نعم، يمكن للدولة أن تحقق مكاسب دبلوماسية وتدافع عن وحدتها الترابية حتى في ظل اختلالات سياسية داخلية. لكن تحويل هذه المكاسب إلى قوة وطنية مستدامة يصبح أكثر رسوخاً حين يستند إلى مؤسسات موثوقة، ومواطنة فعلية، وعدالة اجتماعية، ومشاركة ديمقراطية واسعة.
فالوحدة الترابية ليست بديلاً عن الإصلاح السياسي، والإصلاح السياسي ليس بديلاً عن الدفاع عن الوحدة الترابية. كلاهما جزء من مشروع أوسع لبناء دولة قوية بمؤسساتها، ومتماسكة بمجتمعها، وقادرة على الدفاع عن مصالحها في عالم متغير.
