f x ig yt
الجمعة، 6 نوفمبر 2026
جديد الإختيار

الصحراء المغربية بعد المينورسو.. حين تنتهي مهمة المراقبة ويبقى امتحان التسوية

إخفاق مجلس الأمن في تمديد البعثة الأممية يغيّر معادلة تدبير النزاع، لكنه يضع المغرب وبقية الأطراف أمام اختبار أكثر تعقيداً: كيف تتحول المكاسب الدبلوماسية إلى تسوية سياسية تضمن الاستقرار؟

المغرب الآن 📅 6 نوفمبر 2026 ⏱ 5 دقائق
عناصر من بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو» في صورة أرشيفية، ضمن مهام المراقبة الميدانية التي اضطلعت بها البعثة منذ سنة 1991.

لم يكن 31 أكتوبر 2026 مجرد موعد جديد في جدول أعمال مجلس الأمن. فقد انتهت ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة باسم «المينورسو». وبذلك انتهى حضور أممي ميداني استمر خمسة وثلاثين عاماً، دون أن ينتهي النزاع الذي استدعى إنشاء البعثة.

جاء هذا التطور في سياق تحولات دبلوماسية متسارعة. فالمغرب يواصل الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، بينما تتمسك جبهة البوليساريو بمطلب الاستقلال. أما الأمم المتحدة، فتجد نفسها أمام وضع مختلف. إذ تستمر الوساطة السياسية، رغم انتهاء الآلية الميدانية التي رافقت النزاع منذ سنة 1991.

وكان مجلس الأمن قد أخفق، في 30 أكتوبر، في الاتفاق على تمديد مهمة البعثة. فقد استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع أمريكي. ولم يحصل المشروع الروسي المقابل على الأصوات اللازمة لاعتماده. وبعد ذلك، أعلنت الأمم المتحدة دخول المينورسو مرحلة إنهاء عملياتها، مع استمرار جهود التسوية السياسية.

ولا يعني هذا التحول أن النزاع قد حُسم قانونياً أو سياسياً. فما انتهى هو ولاية بعثة أممية محددة، وليس الخلاف حول مستقبل الإقليم. غير أن غياب المراقبة الدولية المباشرة يغير شروط إدارة النزاع، ويضع الأطراف أمام مسؤوليات جديدة.

مكسب دبلوماسي لا يعفي من الأسئلة الصعبة

يستند المغرب إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها سنة 2007. ويعتبرها أساساً لتسوية سياسية تحت السيادة المغربية. وقد اكتسب هذا المقترح أهمية متزايدة في النقاش الدولي، خصوصاً مع تطور مواقف عدد من الدول.

وشكل قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في أكتوبر 2025، محطة مهمة في هذا المسار. فقد دعا إلى مفاوضات تستند إلى المبادرة المغربية. كما أشار إلى الحكم الذاتي الحقيقي بوصفه أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى تسوية متوافق عليها.

لكن الدعم الدبلوماسي لا يكفي وحده لإنجاز تسوية مستقرة. فالحكم الذاتي ليس مجرد عنوان سياسي، بل نظام مؤسساتي يحتاج إلى قواعد واضحة. وتبدأ هذه القواعد بتحديد صلاحيات المؤسسات المحلية، وطبيعة علاقتها بالسلطة المركزية.

كما تبرز أسئلة تتعلق بالضمانات الدستورية والتمثيل السياسي وتدبير الموارد الاقتصادية. ولا يمكن فصل هذه القضايا عن الحقوق والحريات وأوضاع اللاجئين. فنجاح أي تسوية يتوقف على قدرتها على معالجة هذه الملفات ضمن اتفاق قابل للتنفيذ.

ومن هنا، لا تقاس قوة المقترح المغربي بعدد الدول المؤيدة له فقط. بل ترتبط أيضاً بوضوح ترتيباته السياسية والقانونية. وكلما أصبحت هذه الترتيبات أكثر تحديداً، أمكن الانتقال من الجدل حول المبادئ إلى مناقشة شروط التطبيق.

في المقابل، تواصل البوليساريو المطالبة بالاستقلال، بينما تدعم الجزائر موقفها السياسي والدبلوماسي. وتكشف هذه المواقف استمرار التباعد بين الأطراف. لذلك، لن يكون إنهاء مهمة المينورسو كافياً لتجاوز الخلاف، ما لم تتقدم المفاوضات نحو معالجة جوهر النزاع.

ما الذي يتغير عندما يغادر المراقبون؟

قد يبدو البعد الأمني أقل حضوراً من المواقف الدبلوماسية، لكنه يظل محورياً في المرحلة الجديدة. فقد تولت المينورسو مراقبة وقف إطلاق النار منذ تأسيسها سنة 1991. غير أن مهمتها أصبحت أكثر تعقيداً بعد استئناف الأعمال العدائية سنة 2020.

ومع انتهاء الوجود الميداني للبعثة، تتراجع قدرة الأمم المتحدة على مراقبة التطورات بصورة مباشرة. ويزداد هذا التحدي في منطقة تتعدد فيها الروايات المتعارضة بشأن الحوادث الأمنية. كما يصعب أحياناً الوصول إلى مصادر مستقلة للتحقق من الوقائع.

وكانت البعثة تضم مراقبين عسكريين وموظفين مدنيين موزعين على مواقع مختلفة. وشملت عملية إنهاء مهمتها ترتيبات إدارية ولوجستية لسحب الأفراد والمعدات. وفي الوقت نفسه، دعت الأمم المتحدة الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد.

وتطرح هذه التطورات سؤالاً عملياً حول مستقبل التهدئة. فإذا التزمت الأطراف بضبط الوضع الميداني، فقد تتاح فرصة لتطوير ترتيبات أمنية جديدة. أما إذا تصاعدت الحوادث، فستبرز الحاجة إلى آلية مستقلة للتحقق منها.

ولا تتعلق هذه المسألة بالأمن وحده، بل تمتد إلى مسؤولية وسائل الإعلام. فالبيانات الصادرة عن أطراف النزاع لا تمثل دائماً وقائع مثبتة. ولذلك، يجب التمييز بين الادعاءات والمعلومات المؤكدة، مع توضيح حدود التحقق المستقل.

من إدارة النزاع إلى اختبار الحل

أثر النزاع حول الصحراء، طوال عقود، في العلاقات المغربية الجزائرية. كما انعكس على فرص التعاون الاقتصادي والأمني داخل المنطقة المغاربية. ولم تقتصر تداعياته على العلاقات بين الحكومات، بل شملت السكان واللاجئين وآفاق التنمية.

ولهذا، فإن أي تسوية سياسية تحتاج إلى معالجة هذه الأبعاد مجتمعة. فقد يؤدي الاتفاق الدبلوماسي إلى تخفيف التوتر، لكنه لا يضمن وحده سلاماً دائماً. فالاستقرار يتطلب مؤسسات فعالة، وضمانات قانونية، وفرصاً اقتصادية يستفيد منها السكان.

وتجد الدبلوماسية المغربية نفسها أمام فرصة وتحدٍّ في الوقت نفسه. فمن جهة، اكتسب مقترح الحكم الذاتي حضوراً متقدماً في النقاش الدولي. ومن جهة أخرى، ارتفعت التوقعات بشأن قدرته على التحول إلى صيغة سياسية عملية.

ويقتضي ذلك توضيح تصور المؤسسات التي يمكن أن يقوم عليها الحكم الذاتي. كما يتطلب تحديد الضمانات المرتبطة بالمشاركة السياسية وتدبير الموارد. فهذه التفاصيل ستحدد مدى قابلية المقترح للتفاوض والتنفيذ.

أما الأمم المتحدة، فلا يزال دورها السياسي قائماً رغم انتهاء مهمة البعثة الميدانية. ويواصل مبعوث الأمين العام جهوده لدفع الأطراف نحو تسوية مقبولة. غير أن نجاح الوساطة سيعتمد على توفر إرادة سياسية، وعلى استعداد الأطراف لمناقشة القضايا الخلافية.

ولا ينبغي اختزال المرحلة الجديدة في حساب المكاسب والخسائر الدبلوماسية. فالتأييد الدولي عامل مهم، لكنه لا ينهي النزاعات بمفرده. والتجارب السياسية تؤكد أن الاتفاقات المستدامة تحتاج إلى ضمانات وآليات تنفيذ واضحة.

وبينما تنتهي مهمة المينورسو، يبقى مستقبل التسوية مفتوحاً على احتمالات متعددة. وقد يشكل هذا التحول فرصة للانتقال من إدارة النزاع إلى البحث الجدي عن حله. لكن ذلك يتوقف على قدرة الأطراف على تحويل المواقف السياسية إلى تفاهمات عملية.

إن السلام في المنطقة لن يتحقق بمجرد انتهاء مهمة أممية أو تغير موازين الدعم الدولي. بل يحتاج إلى اتفاق يعالج القضايا السياسية والأمنية والإنسانية. وعندئذ فقط يمكن الحديث عن تحول حقيقي في مسار النزاع، وليس مجرد تغيير في أدوات إدارته.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً