f x ig yt
الخميس، 5 نوفمبر 2026
جديد الإختيار

الصحراء المغربية بعد المينورسو.. مستقبل الأمن والتسوية السياسية

بعد 35 عاماً من الحضور الأممي، ينهي مجلس الأمن ولاية المينورسو دون اتفاق على بديل، فيما يتحرك المغرب لتدبير المرحلة الجديدة وتؤكد الأمم المتحدة استمرار جهود التسوية السياسية.

المغرب الآن 📅 5 نوفمبر 2026 ⏱ 7 دقائق
عناصر عسكرية في موقع صحراوي تظهر فيه مركبات تابعة للأمم المتحدة، في صورة أرشيفية توثق جانباً من الحضور الميداني الأممي في المنطقة.

دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والأمني، عقب انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً باسم «المينورسو»، في 31 أكتوبر 2026، دون تمكن مجلس الأمن الدولي من التوافق على قرار يمدد مهمتها.

وجاء انتهاء الولاية بعد إخفاق مشروعين متنافسين، قدمت الولايات المتحدة أحدهما وروسيا الآخر، في الحصول على الموافقة اللازمة داخل مجلس الأمن. وقد كشف التصويت عن استمرار الخلاف بين القوى الدولية بشأن مستقبل البعثة الأممية والإطار السياسي الذي ينبغي أن يحكم المفاوضات حول النزاع.

وفي الرباط، برزت تحركات رسمية مغربية لتدبير المرحلة التالية، خاصة ما يتعلق بالأمن والاستقرار والتنسيق بشأن انسحاب البعثة وتصفية أعمالها.

لكن انتهاء المينورسو لا يعني انتهاء النزاع أو سقوط المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة. بل يفتح مرحلة تتداخل فيها الأسئلة المتعلقة بمراقبة وقف إطلاق النار، ومستقبل الوساطة الأممية، وحدود تأثير التوازنات الدولية في فرص التسوية.

مجلس الأمن.. مشروعان متنافسان دون قرار

شهد مجلس الأمن، يوم 30 أكتوبر 2026، تصويتاً على مشروع قرار أمريكي يقترح تمديد ولاية البعثة لمدة سنة، مع تغيير اسمها إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، بما يعكس تحولاً في طبيعة المهام المرتبطة بالمسار السياسي.

وحصل المشروع على تأييد 11 عضواً، مقابل استخدام روسيا حق النقض، وامتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، هم الصين وباكستان والصومال.

وكان المشروع الأمريكي يستند إلى توجه يمنح مقترح الحكم الذاتي المغربي موقعاً مركزياً في المفاوضات، مع الحفاظ على الدور الأممي في البحث عن تسوية سياسية.

في المقابل، قدمت روسيا مشروعاً بديلاً يقضي بتمديد مهمة المينورسو بصيغتها القائمة لمدة سنة إضافية.

غير أن المشروع الروسي لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت أمريكي معارض وامتناع 11 عضواً، وهو ما حال دون اعتماده.

وتكشف هذه النتائج أن مجلس الأمن لم يختلف فقط بشأن مدة التمديد، بل بشأن طبيعة المهمة الأممية نفسها والإطار الذي ينبغي أن تتطور داخله المفاوضات.

ماذا يعني انتهاء ولاية المينورسو؟

أُنشئت بعثة المينورسو سنة 1991، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690، في سياق اتفاقات التسوية التي قبلها المغرب وجبهة البوليساريو، بهدف المساهمة في مراقبة وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لإجراء استفتاء بشأن مستقبل الإقليم.

لكن الاستفتاء لم يُنظم بسبب خلافات متواصلة حول شروط العملية السياسية وقواعد المشاركة فيها.

ومع مرور السنوات، استمر وجود البعثة بوصفه جزءاً من الترتيبات الأمنية والسياسية المرتبطة بالنزاع، رغم عدم تحقق الهدف الأصلي المتعلق بتنظيم الاستفتاء.

وبانتهاء ولايتها، فقدت البعثة الأساس القانوني الذي يسمح لها بمواصلة مهامها العملياتية السابقة.

غير أن ذلك لا يعني انتهاء مسؤولية الأمم المتحدة عن الملف، ولا يمنع مجلس الأمن من اتخاذ قرار جديد بشأن ترتيبات مختلفة في المستقبل.

فالتمييز ضروري بين انتهاء مهمة محددة، وبين استمرار النزاع بوصفه قضية مطروحة ضمن المساعي الدبلوماسية الدولية.

المغرب أمام مسؤوليات المرحلة الجديدة

في الرابع من نوفمبر، أفادت تقارير إخبارية بأن الملك محمد السادس ترأس اجتماعاً بالرباط خُصص لتدارس التدابير المرتبطة بالمرحلة التي تلي انتهاء ولاية المينورسو.

وشملت التوجيهات المعلنة تعزيز اليقظة الأمنية، والحفاظ على الاستقرار، والتنسيق بشأن الإجراءات المتعلقة بانسحاب البعثة الأممية وتصفية أعمالها.

وتعكس هذه التحركات إدراك السلطات المغربية لحساسية الانتقال من وضع كانت توجد فيه آلية أممية للمراقبة الميدانية إلى وضع جديد لم تتضح فيه بعد ترتيبات دولية بديلة.

لكن أهمية الإجراءات الأمنية لا تلغي ضرورة استمرار القنوات الدبلوماسية والسياسية.

فاستقرار المنطقة يرتبط أيضاً بقدرة الأطراف المعنية على تجنب التصعيد، وبوجود وسائل موثوقة لتبادل المعلومات والتحقق من الحوادث التي قد تقع ميدانياً.

كما أن أي ترتيبات جديدة ينبغي أن تراعي سلامة المدنيين والعاملين الدوليين، واستمرار وصول المساعدات الإنسانية إلى الفئات التي تحتاج إليها.

وقف إطلاق النار.. من يراقب الوضع بعد الانسحاب؟

يمثل غياب آلية أممية بديلة لمراقبة وقف إطلاق النار أحد أبرز الأسئلة التي يثيرها انتهاء مهمة المينورسو.

فوجود مراقبين دوليين لا يضمن وحده منع الحوادث أو التصعيد، لكنه يتيح آلية مؤسساتية لجمع المعلومات وإعداد التقارير والتواصل مع الأطراف.

أما غياب هذه الآلية، فقد يزيد صعوبة التحقق المستقل من الوقائع الميدانية، خصوصاً عندما تصدر روايات متعارضة عن الأطراف المعنية.

ويزداد هذا التحدي بالنظر إلى الخلاف القائم حول وضع وقف إطلاق النار منذ نوفمبر 2020، حين أعلنت جبهة البوليساريو أنها لم تعد ملتزمة بالترتيبات السابقة.

وفي المقابل، يؤكد المغرب تمسكه بمواقفه المتعلقة بأمن المنطقة واستقرارها.

وفي هذه الظروف، يصبح السؤال الأساسي متعلقاً بالجهة التي يمكنها مراقبة التطورات والتحقق من الحوادث وإبلاغ الأمم المتحدة بها.

وحتى الآن، لا يظهر من القرارات المنشورة أن مجلس الأمن اعتمد آلية بديلة تؤدي بصورة كاملة الوظائف التي كانت تضطلع بها المينورسو.

الحكم الذاتي.. موقع مركزي في الخلاف الدبلوماسي

لم يكن الخلاف داخل مجلس الأمن تقنياً أو إدارياً فقط، بل ارتبط أيضاً بمستقبل التسوية السياسية.

فالمغرب يتمسك بمقترح الحكم الذاتي تحت سيادته، الذي قدمه إلى الأمم المتحدة سنة 2007، باعتباره أساساً لتسوية النزاع.

وتدعم الولايات المتحدة وفرنسا هذا التوجه بدرجات وصيغ دبلوماسية معلنة، بينما تؤكد روسيا والصين ضرورة عدم استباق نتائج المفاوضات والحفاظ على المرجعيات الأممية المتعلقة بتقرير المصير.

أما جبهة البوليساريو فتتمسك بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وترفض أي تسوية تعتبر أنها تحسم الوضع النهائي للإقليم دون موافقته.

وتفسر هذه المواقف المتباينة جانباً مهماً من الصعوبات التي واجهت صياغة القرار الأمريكي.

فالمشروع لم يقتصر على تعديل تسمية البعثة، بل تضمن تصوراً للمفاوضات المقبلة، وهو ما أثار اعتراضات بشأن التوازن بين مقترح الحكم الذاتي ومبدأ تقرير المصير.

ومن هنا، فإن إخفاق التصويت لا يمكن تفسيره فقط باعتباره مواجهة أمريكية روسية، بل يعكس أيضاً استمرار الاختلاف حول الأساس السياسي والقانوني للتسوية.

هل انتهى الدور السياسي للأمم المتحدة؟

أكد الأمين العام للأمم المتحدة، عقب انتهاء ولاية المينورسو، أهمية الدور الذي أدته البعثة منذ تأسيسها، مع استمرار دعم المنظمة الدولية للجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي.

ويعني ذلك أن انتهاء العمليات الميدانية لا يلغي تلقائياً مهمة المساعي الحميدة للأمين العام أو إمكانية استمرار اتصالات مبعوثه الشخصي مع الأطراف.

لكن فعالية الوساطة ستكون مرتبطة بمدى استعداد الأطراف للتفاوض، وبقدرة القوى الدولية على تجاوز خلافاتها بشأن المرجعية السياسية للحل.

كما أن مجلس الأمن يحتفظ بصلاحية مناقشة النزاع واعتماد ترتيبات جديدة، إذا توفرت الإرادة السياسية اللازمة.

وبالتالي، فإن الحديث عن خروج الملف نهائياً من الأمم المتحدة لا يستند إلى القرار الذي انتهت بموجبه ولاية البعثة.

فما حدث هو توقف مهمة عملياتية محددة، وليس إعلاناً أممياً بإغلاق القضية أو حسم وضع الإقليم.

الجزائر وموريتانيا.. البعد الإقليمي للتسوية

لا يمكن فصل مستقبل النزاع عن محيطه المغاربي.

فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو وتستضيف مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف، بينما تحافظ موريتانيا على موقع دبلوماسي يرتبط بعلاقاتها مع الأطراف المعنية وباعتبارات الأمن الإقليمي.

وقد شاركت الدولتان في المسارات التشاورية التي رعتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة خلال مراحل سابقة من المفاوضات.

ويجعل هذا البعد الإقليمي من أي تسوية مستدامة مسألة تتجاوز العلاقة المباشرة بين المغرب والبوليساريو.

فاستمرار النزاع يؤثر في العلاقات المغاربية، والتعاون الاقتصادي، وحركة الأشخاص والبضائع، والجهود المشتركة لمواجهة التحديات الأمنية والإنسانية.

كما أن أوضاع اللاجئين في مخيمات تندوف تظل جزءاً من المسؤوليات الإنسانية التي لا ينبغي أن تتراجع أهميتها بسبب تغير طبيعة الحضور الأممي في الإقليم.

ثلاثة أسئلة تحدد المرحلة المقبلة

تطرح التطورات الأخيرة ثلاثة أسئلة أساسية أمام الأطراف المعنية والمجتمع الدولي.

يتعلق السؤال الأول بالأمن الميداني: هل ستُعتمد آلية جديدة لمراقبة الوضع والتحقق من الحوادث، أم ستستمر المرحلة المقبلة دون حضور دولي مماثل للمينورسو؟

أما السؤال الثاني فيرتبط بالمسار السياسي: هل ينجح الوسطاء في إعادة الأطراف إلى مفاوضات تتناول القضايا الجوهرية، أم يؤدي الخلاف داخل مجلس الأمن إلى إطالة أمد الجمود؟

ويتعلق السؤال الثالث بمستقبل الدور الأممي: هل يتوافق أعضاء مجلس الأمن لاحقاً على مهمة سياسية جديدة، أم تستمر الوساطة عبر القنوات الدبلوماسية القائمة دون بعثة ميدانية؟

ولا يمكن تقديم إجابات نهائية عن هذه الأسئلة في ظل غياب قرار دولي جديد يحدد ترتيبات المرحلة المقبلة.

مرحلة جديدة لا تعني نهاية النزاع

يمثل انتهاء ولاية المينورسو تحولاً مؤسساتياً مهماً في تاريخ ملف الصحراء، بعد 35 عاماً من وجود بعثة أممية ارتبط اسمها بمراقبة وقف إطلاق النار ومحاولات التسوية.

لكن هذا التحول لا يحسم بمفرده مستقبل النزاع، ولا يغير تلقائياً المواقف القانونية والسياسية للأطراف.

فالمغرب يرى في الحكم الذاتي تحت سيادته أساساً للحل، بينما تتمسك البوليساريو بمطلب تقرير المصير، وتستمر الخلافات بين القوى الدولية حول الصيغة التي ينبغي أن تعتمدها الأمم المتحدة.

وفي ظل هذه المعادلة، يصبح التحدي المباشر هو تجنب الفراغ في آليات المراقبة والتواصل، مع الحفاظ على فرص التسوية السياسية.

أما الاختبار الأبعد مدى، فيتعلق بقدرة الدبلوماسية على تحويل نهاية مهمة أممية قديمة إلى بداية مسار تفاوضي أكثر فعالية.

فانتهاء البعثة حقيقة مؤسساتية مؤكدة، لكن تحقيق السلام والاستقرار الدائمين يظل مسألة مفتوحة، تتوقف على القرارات السياسية المقبلة ومدى التزام الأطراف بحل متفاوض عليه.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً